«الرابطة القلمية الجديدة» تستوحي جبران خليل جبران

خلال 17 عاماً من مسيرتها في نيويورك

في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك
فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
TT

«الرابطة القلمية الجديدة» تستوحي جبران خليل جبران

في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك
فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009

لا يمكن عقد مقارنات بين «الرابطة القلمية» التي أسّستها نخبة أدباء المهجر اللبنانيين في نيويورك وأصبحت رسمية عام 1920 وذاع صيتها و«الرابطة القلمية الجديدة» في المدينة نفسها التي تأسست عام 2005، أي بعد ما يقارب القرن، بإرادة عربية ومحرك لبناني، ولا تزال تجهد مصرّة على تأدية دورها. الزمن اختلف، والظروف تغيرت، ومعنى المهجر نفسه تبدّل بسبب سهولة التواصل المستجد، ومقام الأعمال الأدبية في حياة الناس. من هنا يرى يوسف عبد الصمد، عميد «الرابطة القلمية الجديدة»، أن التشابه بين الاسمين لا يعني، في أي حال، استنساخاً للتجربة القديمة، بقدر ما هو استنارة واستيحاء من ماضٍ جميل يستحق اعتزازاً.
«الرابطة القلمية الجديدة» لم تولد في لحظة تجلٍّ، ولا بقرار مفاجئ، وإنما هي جاءت تتويجاً لحراك، ولعدد من الأنشطة الثقافية التي سبقت الإعلان الرسمي عنها، والاتفاق على منحها كياناً واسماً وإطاراً. قبل التسعينات من القرن الماضي، يقول عبد الصمد: «كان يصعب جمع عشرين شخصاً عربياً لحضور قراءة شعرية في نيويورك، وكانت غالبية اللقاءات تتم حول الموسيقى والغناء». لذلك كانت ثمة محاولات دائبة، لجمع المهتمين العرب، خلال لقاءات بقيت متواضعة. يتذكر عبد الصمد أن الجمع أخذ يكبر وأن أمسية أدبية موسيقية غنائية أُقيمت سنة 1995 في قاعة «كامي هول» الشهيرة في نيويورك، قدمها القنصل اللبناني العام هناك يومها رامي شديد، شارك فيها عبد الصمد مع لميعة عباس عمارة وناهدة فضلى الدجاني وسيمون شاهين ومنصور عجمي وغادة غانم، كان فيها الواقفون أكثر من الجالسين. وتلك كانت انطلاقة مشجعة، تتالت بعدها الأنشطة، التي لاقت جمهوراً متعطشاً، هو نفسه كان يعاني فراغاً، ووجد ضالته في هذا الحراك النشط.
رويداً رويداً، تحول منزل القنصل العام السعودي في نيويورك يومها، الدكتور عبد الله الجديع، العاشق للشعر، صالوناً أدبياً بامتياز، حسبما يروي عبد الصمد. تأسست «الرابطة القلمية الجديدة»، في إحدى تلك الجلسات، التي ضمت مهتمين بالأدب والفكر، وكان للشاعر والدبلوماسي السعودي عبد الله الجديع اليد الطولى في الحصول على الترخيص من الحكومة الفيدرالية، وفي مد الجسور بين المثقفين العرب أنفسهم ومؤسسات أميركية ثقافية. انبثقت لجنة تأسيسية، وإدارة مؤقتة، كان فيها عبد الصمد عميداً، والدكتور جورج يونان نائباً له، والدكتورة سميرة ماضي مسؤولة عن العلاقات العامة والمال، وأنطون شعشع معنياً بالشؤون اللغوية وإدارة التحرير. فالإصدارات هي جزء لا يتجزأ من طموح الرابطة.
يتحدث الشاعر يوسف عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» عن أنشطة كثيرة قامت بها الرابطة. فهي جاءت بعد فراغ وحضور عربي ثقافي ضحل. يقول: «قمنا بتنظيم حفلات ولقاءات، ولم نكن بلا صوت، لكنه بقي خافتاً». ومما كانت تعاني منه الجالية العربية وقتها، التشرذم بدل التنسيق. وبين المهمات التي طرحت لتقوم بها الرابطة، أن يكون لها برنامجها الثقافي الذي يجمع الجالية العربية حوله، آخذة بعين الاعتبار التنوع. كانت ثمة قناعة بأن الحضور الثقافي العربي لا يتناسب وما يمكن إنجازه، ولا بد من تغيير المشهد، لذلك أريدَ للأنشطة أن تكون متكاملة بحيث تراعي إلى جانب الثقافة الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وتستطيع أن تلملم هذه التجمعات المتناثرة.
كان الطموح يتجاوز إصدار مجلة، تكتب فيها أقلام من هنا وهناك، تعبّر عن أحاسيس المهاجرين ومشكلاتهم. بل كان الهدف هو الابتعاد عن الموسمية لصالح برنامج له تشعباته ورؤيته. من بين ما أنجزته الرابطة أنها وثّقت، حسبما يقول عبد الصمد، للزجل اللبناني من خلال فيلم عن الأزجال المرتجلة، بالتعاون مع القنصلية اللبنانية في نيويورك، ومؤسسة «ستيلور» الأميركية. كما وصلت الرابطة حبل التعاون مع «جمعية الأطباء الأميركيين» والمؤسسة التي تهتم بمتحف الدكتور داهش وتراثه الأدبي، ومع «مركز الحوار العربي». ومما قامت به الرابطة دراسة مستقبلية حول توحيد مغتربي لبنان، تبنتها فيما بعد «الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم».
وهكذا وفي خضمّ نشاطاتها، كرّمت الرابطة شخصيات أدبية وفكرية، بينها جبران خليل جبران في ذكرى ميلاده الـ125 في جامعة كولومبيا بحضور وزير الثقافة اللبناني حينها، طارق متري، كما كرم الشاعر سعيد عقل في مئويته، ووزّعت أربعة أشجار أرز لبنانية، في شارع برودواي: واحدة لجبران، وثانية لإدوارد سعيد، وثالثة لسعيد عقل، ورابعة لـ«ملهمة الفنون»، هذا عدا إقامة عشرات الأمسيات الشعرية والتراثية. لكن وكما يشرح عبد الصمد فإن بلدية نيويورك، لم تعد تسمح بزراعة مثل هذه الأرزات، وتمنعها لأنها ليست من بين النباتات المدرجة على الجدول المسموح بغرسه في شوارع المدينة.
يصف عبد الصمد ما تقوم به الرابطة بأنه «مخاض عسير وطويل». ويقول: «وجوه تغيرت، وكثيرون تركونا خلال المسيرة، إلا أنها لا تزال مستمرة. نعترف بأن ثمة سلبيات وأخطاء، لكن ما يعنينا ليس الزبد وإنما ما ينفع الناس ويبقى في الأرض».
قبل أشهر صدر عدد جديد من مجلة «أقلام مهاجرة» بالعربية والإنجليزية، التي كانت هي فاتحة الأنشطة عند بدء التأسيس، وعُدَت صوت «الرابطة القلمية الجديدة»، ولا تزال تجاهد لتبقى. هذه المرة تكرّم المجلة أديباً مهجرياً فذاً هو أمين الريحاني، وقبله كُرِّم إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وكتبت مديرة تحرير المجلة كريستين زعتر معلوف، في هذا العدد «أن أعضاء الرابطة الجبرانية التليدة، عاشوا معاناة أهلهم من الجوع والظلم والاستبداد، وكان ذلك من الغريب. أما نحن اليوم فإننا نعاني ما هو أشد مضاضة، كونه من ذوي القربى».
في أوائل تسعينات القرن الماضي، عملت مجموعة المثقفين العرب الذين سيشكلون بعد ذلك نواة «الرابطة القلمية الجديدة» تحت اسم «أقلام مهاجرة». الاسم الجديد حمّلهم وزراً، فاضطروا لأن يناضلوا ثقافياً، ليس في نيويورك وحدها، بل خارجها ممتدين بأنشطتهم إلى بيروت وزحلة، ورأس المتن، وأماكن كثيرة غيرها. وتشاركت الرابطة مع «الجامعة اللبنانية الأميركية»، و«الجامعة الأميركية» في بيروت وقسم نيويورك، لتفعيل دورها. وبين ما تُعنى به الرابطة الجديدة، ترجمة الكتب التي كان قد أصدرها أعضاء الرابطة القديمة إلى اللغة الإنجليزية، وتزويد كل ترجمة بمقدمة تضع الكتاب في سياقه التاريخي والأدبي. وكذلك تُعنى بترجمة كتب لأدباء لبنانيين معروفين مثل مارون عبود وتوفيق يوسف عواد.
انتهت أنشطة «الرابطة القلمية» بموت جبران خليل جبران عام 1932. ورغم أنها لم تعش رسمياً سوى 12 عاماً فإنها تحولت إلى مدرسة ونموذج، بسبب قامات أقطابها. الرابطة الجديدة، لها من العمر 17 عاماً، ولا تزال تصرّ على متابعة أنشطتها رغم بطء حركتها خلال السنتين الماضيتين، بسبب حجر الوباء، إلا أنها، حسب عبد الصمد، تستعيد عافيتها، وماضية في مشروعها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.