«الرابطة القلمية الجديدة» تستوحي جبران خليل جبران

خلال 17 عاماً من مسيرتها في نيويورك

في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك
فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
TT

«الرابطة القلمية الجديدة» تستوحي جبران خليل جبران

في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك
فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009
في أثناء غرس أرزة باسم سعيد عقل في نيويورك فرقة نيويورك أوركسترا في «ميللر ثياتر» في حفلة تكريم الرحابنة سنة 2009

لا يمكن عقد مقارنات بين «الرابطة القلمية» التي أسّستها نخبة أدباء المهجر اللبنانيين في نيويورك وأصبحت رسمية عام 1920 وذاع صيتها و«الرابطة القلمية الجديدة» في المدينة نفسها التي تأسست عام 2005، أي بعد ما يقارب القرن، بإرادة عربية ومحرك لبناني، ولا تزال تجهد مصرّة على تأدية دورها. الزمن اختلف، والظروف تغيرت، ومعنى المهجر نفسه تبدّل بسبب سهولة التواصل المستجد، ومقام الأعمال الأدبية في حياة الناس. من هنا يرى يوسف عبد الصمد، عميد «الرابطة القلمية الجديدة»، أن التشابه بين الاسمين لا يعني، في أي حال، استنساخاً للتجربة القديمة، بقدر ما هو استنارة واستيحاء من ماضٍ جميل يستحق اعتزازاً.
«الرابطة القلمية الجديدة» لم تولد في لحظة تجلٍّ، ولا بقرار مفاجئ، وإنما هي جاءت تتويجاً لحراك، ولعدد من الأنشطة الثقافية التي سبقت الإعلان الرسمي عنها، والاتفاق على منحها كياناً واسماً وإطاراً. قبل التسعينات من القرن الماضي، يقول عبد الصمد: «كان يصعب جمع عشرين شخصاً عربياً لحضور قراءة شعرية في نيويورك، وكانت غالبية اللقاءات تتم حول الموسيقى والغناء». لذلك كانت ثمة محاولات دائبة، لجمع المهتمين العرب، خلال لقاءات بقيت متواضعة. يتذكر عبد الصمد أن الجمع أخذ يكبر وأن أمسية أدبية موسيقية غنائية أُقيمت سنة 1995 في قاعة «كامي هول» الشهيرة في نيويورك، قدمها القنصل اللبناني العام هناك يومها رامي شديد، شارك فيها عبد الصمد مع لميعة عباس عمارة وناهدة فضلى الدجاني وسيمون شاهين ومنصور عجمي وغادة غانم، كان فيها الواقفون أكثر من الجالسين. وتلك كانت انطلاقة مشجعة، تتالت بعدها الأنشطة، التي لاقت جمهوراً متعطشاً، هو نفسه كان يعاني فراغاً، ووجد ضالته في هذا الحراك النشط.
رويداً رويداً، تحول منزل القنصل العام السعودي في نيويورك يومها، الدكتور عبد الله الجديع، العاشق للشعر، صالوناً أدبياً بامتياز، حسبما يروي عبد الصمد. تأسست «الرابطة القلمية الجديدة»، في إحدى تلك الجلسات، التي ضمت مهتمين بالأدب والفكر، وكان للشاعر والدبلوماسي السعودي عبد الله الجديع اليد الطولى في الحصول على الترخيص من الحكومة الفيدرالية، وفي مد الجسور بين المثقفين العرب أنفسهم ومؤسسات أميركية ثقافية. انبثقت لجنة تأسيسية، وإدارة مؤقتة، كان فيها عبد الصمد عميداً، والدكتور جورج يونان نائباً له، والدكتورة سميرة ماضي مسؤولة عن العلاقات العامة والمال، وأنطون شعشع معنياً بالشؤون اللغوية وإدارة التحرير. فالإصدارات هي جزء لا يتجزأ من طموح الرابطة.
يتحدث الشاعر يوسف عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» عن أنشطة كثيرة قامت بها الرابطة. فهي جاءت بعد فراغ وحضور عربي ثقافي ضحل. يقول: «قمنا بتنظيم حفلات ولقاءات، ولم نكن بلا صوت، لكنه بقي خافتاً». ومما كانت تعاني منه الجالية العربية وقتها، التشرذم بدل التنسيق. وبين المهمات التي طرحت لتقوم بها الرابطة، أن يكون لها برنامجها الثقافي الذي يجمع الجالية العربية حوله، آخذة بعين الاعتبار التنوع. كانت ثمة قناعة بأن الحضور الثقافي العربي لا يتناسب وما يمكن إنجازه، ولا بد من تغيير المشهد، لذلك أريدَ للأنشطة أن تكون متكاملة بحيث تراعي إلى جانب الثقافة الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وتستطيع أن تلملم هذه التجمعات المتناثرة.
كان الطموح يتجاوز إصدار مجلة، تكتب فيها أقلام من هنا وهناك، تعبّر عن أحاسيس المهاجرين ومشكلاتهم. بل كان الهدف هو الابتعاد عن الموسمية لصالح برنامج له تشعباته ورؤيته. من بين ما أنجزته الرابطة أنها وثّقت، حسبما يقول عبد الصمد، للزجل اللبناني من خلال فيلم عن الأزجال المرتجلة، بالتعاون مع القنصلية اللبنانية في نيويورك، ومؤسسة «ستيلور» الأميركية. كما وصلت الرابطة حبل التعاون مع «جمعية الأطباء الأميركيين» والمؤسسة التي تهتم بمتحف الدكتور داهش وتراثه الأدبي، ومع «مركز الحوار العربي». ومما قامت به الرابطة دراسة مستقبلية حول توحيد مغتربي لبنان، تبنتها فيما بعد «الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم».
وهكذا وفي خضمّ نشاطاتها، كرّمت الرابطة شخصيات أدبية وفكرية، بينها جبران خليل جبران في ذكرى ميلاده الـ125 في جامعة كولومبيا بحضور وزير الثقافة اللبناني حينها، طارق متري، كما كرم الشاعر سعيد عقل في مئويته، ووزّعت أربعة أشجار أرز لبنانية، في شارع برودواي: واحدة لجبران، وثانية لإدوارد سعيد، وثالثة لسعيد عقل، ورابعة لـ«ملهمة الفنون»، هذا عدا إقامة عشرات الأمسيات الشعرية والتراثية. لكن وكما يشرح عبد الصمد فإن بلدية نيويورك، لم تعد تسمح بزراعة مثل هذه الأرزات، وتمنعها لأنها ليست من بين النباتات المدرجة على الجدول المسموح بغرسه في شوارع المدينة.
يصف عبد الصمد ما تقوم به الرابطة بأنه «مخاض عسير وطويل». ويقول: «وجوه تغيرت، وكثيرون تركونا خلال المسيرة، إلا أنها لا تزال مستمرة. نعترف بأن ثمة سلبيات وأخطاء، لكن ما يعنينا ليس الزبد وإنما ما ينفع الناس ويبقى في الأرض».
قبل أشهر صدر عدد جديد من مجلة «أقلام مهاجرة» بالعربية والإنجليزية، التي كانت هي فاتحة الأنشطة عند بدء التأسيس، وعُدَت صوت «الرابطة القلمية الجديدة»، ولا تزال تجاهد لتبقى. هذه المرة تكرّم المجلة أديباً مهجرياً فذاً هو أمين الريحاني، وقبله كُرِّم إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وكتبت مديرة تحرير المجلة كريستين زعتر معلوف، في هذا العدد «أن أعضاء الرابطة الجبرانية التليدة، عاشوا معاناة أهلهم من الجوع والظلم والاستبداد، وكان ذلك من الغريب. أما نحن اليوم فإننا نعاني ما هو أشد مضاضة، كونه من ذوي القربى».
في أوائل تسعينات القرن الماضي، عملت مجموعة المثقفين العرب الذين سيشكلون بعد ذلك نواة «الرابطة القلمية الجديدة» تحت اسم «أقلام مهاجرة». الاسم الجديد حمّلهم وزراً، فاضطروا لأن يناضلوا ثقافياً، ليس في نيويورك وحدها، بل خارجها ممتدين بأنشطتهم إلى بيروت وزحلة، ورأس المتن، وأماكن كثيرة غيرها. وتشاركت الرابطة مع «الجامعة اللبنانية الأميركية»، و«الجامعة الأميركية» في بيروت وقسم نيويورك، لتفعيل دورها. وبين ما تُعنى به الرابطة الجديدة، ترجمة الكتب التي كان قد أصدرها أعضاء الرابطة القديمة إلى اللغة الإنجليزية، وتزويد كل ترجمة بمقدمة تضع الكتاب في سياقه التاريخي والأدبي. وكذلك تُعنى بترجمة كتب لأدباء لبنانيين معروفين مثل مارون عبود وتوفيق يوسف عواد.
انتهت أنشطة «الرابطة القلمية» بموت جبران خليل جبران عام 1932. ورغم أنها لم تعش رسمياً سوى 12 عاماً فإنها تحولت إلى مدرسة ونموذج، بسبب قامات أقطابها. الرابطة الجديدة، لها من العمر 17 عاماً، ولا تزال تصرّ على متابعة أنشطتها رغم بطء حركتها خلال السنتين الماضيتين، بسبب حجر الوباء، إلا أنها، حسب عبد الصمد، تستعيد عافيتها، وماضية في مشروعها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».


«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.