استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة
TT

استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة

لا أظنُّ أنّ أحداً من الكُتّاب يرتاحُ في العادة لاختيار عناوين سائدة لكتبه أو مواده المنشورة؛ لكني ما وجدتُ ضيراً أو مثلبة في اختيار عنوان للتنقيب في «تاريخي الكتابي»، أعرفُ أنه بين أكثر العناوين إغواءً وفتنة. اختار كلّ من هنري ميللر وكولن ويلسون «الكتب في حياتي» عنواناً لكتاب لهما؛ ومع هذا أرى من الواجب أن يكتب كلّ قارئ متمرّس أو كاتب طالت عشرته مع الكتاب عن هذا المعشوق الأبدي الذي يمثلُ ملكية مشاعية لنا جميعاً. هل بعد هذا من يلومُ بورخس في أنه تخيّل الفردوس مكتبة لا نهاية لتخومها؟
ثمة يومٌ للكتاب العالمي اختارته اليونيسكو منذ عام 1995 ليكون في 23 أبريل (نيسان) من كلّ سنة؛ لكن الكتاب كينونة نعيشها كلّ يوم، ولعلّ من أقلّ الواجبات المترتبة علينا أن نشير إلى الكتب المرجعية التي ساهمت في تشكيل تاريخنا الفكري وذائقتنا الفلسفية وحسّنا الإنساني. الأمر أبعدُ من محض تكليف بواجب أو إسقاطٍ لفرض أخلاقي تجاه الكاتب بقدر ما هو تأشيرٌ لمواضع السمو والرفعة في كتبٍ محدّدة وكاتبيها من وجهة نظر من يختار الحديث عن تلك الكتب وأولئك الكّتّاب.

قد يبدو الحديث عن الكتب المرجعية التي علقت في الذاكرة الشخصية أمراً يسيراً؛ ولكنه ليس يسيراً أبداً إذا ما وضعنا في حسباننا محدودية الكتب التي ينبغي لنا الحديث عنها. نحنُ في النهاية لا نحوز ترف الحديث الممتد بلا نهاية عن أعداد غير محدودة من الكتب؛ إذ ما من قارئ في يومنا هذا سيختارُ أمر التوافق مع آرائك والمضي في قراءة ما تقترحه من عناوين لكتب. أنت في النهاية تكتبُ عن كتبٍ محدّدة لتحفز في القارئ غواية قراءة تلك الكتب؛ وبالتالي فإنّ محدودية الخيارات أمرٌ لا مفرّ منه، وبخاصة مع مقالة صحافية. أظنُّ أنّ اختيار عشرة كتب سيكون أمراً معقولاً في نهاية المطاف.
عندما فكّرتُ أي الكتب سأختارُ، كان قراري منذ البدء أن أختار الكتب التي ستقفزُ إلى ذاكرتي قبل سواها، وقد تركتُ لذهني حرية الاختيار من غير أي تدخّل مقصود فيه باستثناء ألا أجعل الخيارات محصورة في لون معرفي واحد.

1. ملحمة غلغامش: أحدُ تقاليدي السنوية التي أحرصُ عليها من سنوات هو أن أعيد قراءة هذه الملحمة الإنسانية التي تسائلُ معضلة الخلود الإنساني وتضعها في ثنائية فلسفية مبهرة: المحدودية المادية في مقابل الخلود الأخلاقي والقيمي. لم تزل ترجمة طه باقر الأولى لهذه الملحمة هي الترجمة القياسية لها؛ لكنّ الدكتور نائل حنون أضاف إليها بترجمته الأحدث إضافات إثرائية عديدة، وأغناها بتعليقات واستطرادات مفيدة. اعتمدتُ هذه الملحمة مرجعاً في مسرحيتي «الليالي السومرية»، لكن بعد أن أعدتُ النظر في الطبيعة الدرامية لشخوص الملحمة.
2. ارتقاء الإنسان The Ascent of Man: هذا كتابٌ ألّفه الكاتب وعالم الرياضيات والفيزياء جاكوب برونوفسكي، وكان في الأصل سلسلة وثائقية بثّتها الـ BBCقبل أن تطبع في كتاب. قرأتُ الكتاب بنسخته الإنجليزية أوّل مرّة بعد استعارته من مكتبة المعهد الثقافي البريطاني في بغداد، ثمّ أعدتُ قراءته بعد أن نُشِر مترجماً ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. تكمنُ براعة الكتاب في أنّه لا يحكي لك عن التأريخ التطوّري البشري بطريقة زمنية خطية كلاسيكية، وإنما يجعلك تشاهدُ صوراً مرئية طافحة بالحياة والحسية وتناغم الفكر مع العمل، والعقل مع المادة.

3. صيادون في شارع ضيق: هي الرواية الأولى التي كتبها المثقف متعدد الأوجه وأحد أقطاب الانتلجنسيا العربية، الراحل جبرا إبراهيم جبرا بعد أنّ حلّ ببغداد عقب إكمال دراسته الجامعية في جامعة كمبردج البريطانية. لم أزل أعتقدُ أنّ هذه هي أفضلُ رواية كتبها جبرا بالقياس مع كلّ رواياته العديدة التي كتبها لاحقاً. من المؤكّد أنّ جبرا – بما يمتلكه من عقل فلسفي وأدبي وفني مركّب – هو أفضلُ كباحث ومُنظّر منه كروائي؛ لكنّ هذه الرواية تبقى فريدة وعالقة في الذاكرة. كتب جبرا هذه الرواية بإنجليزيته الرفيعة التي جعلت الناقد الأدبي لملحق «التايمز» الأدبي يصف جبرا بأنّه «يتنفّسُ هواءً فكتورياً!». كان عملاً جليلاً عندما أقدم الدكتور محمد عصفور على ترجمة هذه الرواية إلى العربية.
4. فن الرواية: كتابٌ فريد كتبه الكاتب والفيلسوف والروائي الراحل كولن ويلسون. نال ويلسون شهرته الذائعة – التي أعقبها خفوت لاحق – بعد أن نشر كتابه الأوّل «اللامنتمي» عام 1956؛ لكني أعتقدُ أنّ كتابه «فن الرواية» هو عمله الأفخم الذي لا يضاهيه عمل آخر. نشر ويلسون هذا الكتاب بداية سبعينات القرن الماضي، والغريب أنه لم يترجم إلى العربية إلا عام 1986 على يد الدكتور محمد درويش. ليس بوسعي إطراء الكتاب سوى القول إنني كروائية وكاتبة أحرصُ على قراءة ومتابعة ما يكتبُ عن فنّ الرواية، ولم أجد لليوم كتاباً أفضل من كتاب ويلسون هذا. يبدو لي ويلسون في هذا الكتاب متفوّقاً على كلّ من ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية»، وأمبرتو إيكو في كتابه «ست جولات في غابة السرد». يعتمدُ ويلسون مقاربة ذهنية - نفسية مركّبة في قراءاته التحليلية لأنماط مختلفة من الروايات.
5. صورٌ من الذاكرة ومقالات أخرى: أحد كتب السيرة الذاتية التي كتبها الفيلسوف الراحل برتراند رسل منتصف خمسينات القرن الماضي، رسم فيها «بورتريهات» نابضة بالحياة لشخوص عرفهم (جدّه، دي. إج. لورنس، وايتهيد،،،،)، كما أشار فيه إلى بعض الموضوعات الحيوية مثل: كيفية التعايش مع بلوغ الثمانين، أساليب إجرائية في الكتابة الإبداعية،،، إلخ. لا أظنّ أنّ هذه الصور الفريدة التي رسمها رسل ستغادرُ ذاكرة كلّ من قرأها طيلة حياته.
6. فلسفة الفيزياء: كتابٌ صغير كتبه الدكتور الراحل محمد عبد اللطيف مطلب، أستاذ الفيزياء النووية وفلسفة العلم في جامعة بغداد. نُشِر الكتاب أوّل مرّة ضمن سلسلة «الموسوعة الصغيرة» في بغداد عام 1977، ثمّ أعاد الكاتب النظر فيه ونشره بجزأين عام 1985 ضمن السلسلة ذاتها لكنهما بعنوان «الفلسفة والفيزياء». كان الكتاب ريادياً في التعريف بموضوعة الأسس الفلسفية للعلم وبخاصة لنظرية الكم (يسميها المؤلف النظرية الكوانتية).
7. الإنسان في المرآة (علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة): لم أزل أرى أنّ هذا الكتاب هو الكتاب الأجمل الذي قرأته في حقل المباحث الأنثروبولوجية. ألّف الكتاب الباحث الأنثروبولوجي الأميركي كلايد كلوكهون، وترجمه إلى العربية الدكتور الراحل شاكر مصطفى سليم، المعروف بمبحثه المستفيض عن المعالم الأنثروبولوجية لمنطقة الأهوار العراقية. الكتاب مكتوب بكيفية بعيدة عن التخشّب والصلادة، ويكاد المرء يكتشف هذا الأمر من عناوين فصول الكتاب والتمهيدات الأولية لكلّ فصل.
8. الرياضيات والبحث عن المعرفة: أحد الكتب التي كتبها أستاذ الرياضيات الأميركي موريس كلاين، المتخصص في تعليم الرياضيات والأصول الثقافية للرياضيات. ترجم الكتاب إلى العربية الدكتور صباح داؤود سليم، أستاذ الرياضيات في جامعة البصرة منتصف ثمانينات القرن الماضي. يكتشف القارئ لهذا الكتاب أنّ الرياضيات أبعد ما تكون عن «وصفات الطبخ» الشائعة في النشاطات المدرسية، وأنها سلسلة مترابطة رصينة من الأفكار التي تمثلُ أحد المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان.
9. العلمُ بعد مائتي عام: أحد المؤلفات المرجعية في الحقل البحثي المعروف بـ«علم المستقبليات Futurology»، ألّفه المنظّر الاستراتيجي وعالم المستقبليات هيرمان كان وآخرون، وصدر الكتاب مترجماً إلى العربية عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية عام 1982. مع أنّ هذا الكتاب يبدو متقادماً بعض الشيء؛ لكنّ فرادة الكتاب تكمنُ في منظوره الواسع الذي تجاوز فيه المؤلف حدود الزمان والمكان.
10. الأخلاقيات: سيكون أمراً محموداً أن أنهي قائمتي المختارة للكتب العشرة بكتاب «الأخلاقيات Ethics» للفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي يوصفُ بأنه الفيلسوف الذي مهّد لنا عصر النهضة الفكرية والفلسفية. تتأسسُ فكرة هذا الكتاب على قاعدة مفادها أنّ الأخلاقيات لا تستمدّ مرجعيتها من أي نسق خارج عنها؛ بل هي منظومة ميتافيزيقية تكفي نفسها بنفسها وليست في حاجة إلى أي نظام مكافأة؛ وبذلك تكون الأخلاقيات السبينوزية مقاربة لفكرة الكارما الهندية التي يكافئ بمقتضاها الفعل الطيب نفسه بنفسه مثلما يعاقب الفعل السيئ نفسه بنفسه. ساهمت الفيلسوفة البريطانية الراحلة آيريس مردوك في تعزيز هذه المقاربة السبينوزية للأخلاقيات عندما ألّفت كتابها «الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاقيات»، وسيكون من الأمور المستحبّة أن يقرن المرء قراءة كتاب سبينوزا بكتاب مردوك.



تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.