بول غاسكوين... لاعب استغلته الصحافة بلا رحمة وأساءت إليه ودمرته

وثائقي يؤرخ الصعود الصاروخي والسقوط المدوي لأحد أشهر الرياضيين في إنجلترا

غاسكوين مغادراً مقر محكمة تيسايد بميدلزبره (إنجلترا) في 14 أكتوبر 2019 خلال محاكمته بتهمة التحرش الجنسي (غيتي)
غاسكوين مغادراً مقر محكمة تيسايد بميدلزبره (إنجلترا) في 14 أكتوبر 2019 خلال محاكمته بتهمة التحرش الجنسي (غيتي)
TT

بول غاسكوين... لاعب استغلته الصحافة بلا رحمة وأساءت إليه ودمرته

غاسكوين مغادراً مقر محكمة تيسايد بميدلزبره (إنجلترا) في 14 أكتوبر 2019 خلال محاكمته بتهمة التحرش الجنسي (غيتي)
غاسكوين مغادراً مقر محكمة تيسايد بميدلزبره (إنجلترا) في 14 أكتوبر 2019 خلال محاكمته بتهمة التحرش الجنسي (غيتي)

في البداية، تجب الإشارة إلى أن الفيلم الوثائقي الجديد عن اللاعب الإنجليزي السابق بول غاسكوين يتألف من لقطات أرشيفية بالكامل، باستثناء بعض المشاهد الافتتاحية والختامية لغاسكوين، والتي تم تصويرها بالقرب من بحيرة صيد في هامبشاير. وكان موضوع هذا الفيلم الوثائقي المكون من جزأين، والذي عُرض على شاشة قناة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي 2)، محل نقاش في ندوة صحافية من سؤال وجواب، في العاصمة البريطانية لندن.
لقد قيل لنا إن غاسكوين لم يشعر بالارتياح لمواجهة الصحافة، وإنه ظل في الفندق الذي يقيم فيه. وفي حين أنه لا يوجد ما يشير إلى أن قراره بعدم الظهور كان ناجماً بشكل أساسي عن عدم ثقته الواضحة في الصحافة، فإن هذا الفيلم الذي يؤرخ صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي في وقت لاحق، قد أظهر أن أي مخاوف كانت لدى غاسكوين من الصحافة ربما تكون مبررة تماماً!
وسواء كان ذلك عن قصد أم بغير قصد، فإن الموضوع الأساسي للفيلم الوثائقي، والذي يحمل اسم «غازا»، هو الخيانة المميتة. إنها قصة كيف تم استغلال رجل واحد بلا رحمة، ودفعه في النهاية إلى الجنون، حتى أصبح على وشك الانتحار بسبب مكائد الصحافة البغيضة، وغير القانونية في كثير من الأحيان.
يقول المحرر الشاب بيرس مورغان في أحد المشاهد الختامية للفيلم الوثائقي: «أحب دائماً الفكرة الأسطورية القائلة بأن الصحف لا تحب شيئاً أكثر من أن تبني شيئاً وتسقطه. إننا نبنيهم، ثم يهدمون أنفسهم. وإذا اتخذوا خيارات خاطئة، فإنهم يدفعون ثمن شهرتهم». ليس هناك أدنى شك في أن غاسكوين قد ارتكب عدداً هائلاً من الأخطاء، واتخذ عديداً من الخيارات التي لم يكن لها أي مبرر في كثير من الأحيان، خلال الفترة المضطربة من حياته، بدءاً من أيامه الأولى كلاعب خط وسط مراهق موهوب، وصولاً إلى دخوله مصحة «بريوري» لتلقي العلاج النفسي، بعد استبعاده من قائمة المنتخب الإنجليزي المشاركة في نهائيات كأس العالم 1998.
ومع ذلك، من الصعب الاختلاف مع الاستنتاج الذي توصلت إليه آنا، أخت غاسكوين، بأن حياته كان من الممكن أن تكون أقل فوضوية بكثير، لو لم يكن لاعب كرة قدم ناجحاً.

                                         غاسكوين وشيرينغهام وهدف تأكيد تخطي اسكوتلندا في «يورو 96» (أ.ب)
لقد ظل غاسكوين في الملاعب لمدة 16 عاماً، أسر خلالها قلوب وعقول عشاق كرة القدم في كل مكان؛ لكنه اتجه بعد نهاية مسيرته الكروية إلى إدمان الكحوليات، وأصبح واحداً من المشاهير البارزين الذين عانوا بشكل كبير للغاية، لدرجة أن حياته الشخصية المليئة بالمتاعب أصبحت الشغل الشاغل للصفحات الأولى للصحف الشعبية. وفي خضم حرب توزيع الصحف الشرسة والمهووسة بالنجوم، بين مؤسسة «نيوز إنترناشيونال» المملوكة لرجل الأعمال الشهير روبرت مردوخ، ومجموعة «ميرور غروب» المملوكة لروبرت ماكسويل، تحول غاسكوين إلى مجرد قطعة شطرنج يتم التلاعب بها في كثير من الأحيان.
ويعد فيلم «غازا» الذي أخرجه سام كولينز لمؤسسة «ويسترن إيدج بيكشرز»، استكشافاً وفحصاً للأساليب الخفية التي كانت تستخدمها الصحف الشعبية الأكثر مبيعاً في المملكة المتحدة، خلال فترة التسعينات من القرن الماضي.
وعندما بدأت شعبية غاسكوين في الصعود بشكل هائل في أعقاب نهائيات كأس العالم 1990 بإيطاليا، عندما ودعت إنجلترا المونديال بعد الخسارة بركلات الترجيح في الدور نصف النهائي، والتي بكى فيها غاسكوين بحرقة بعد حصوله على تلك البطاقة الصفراء الشهيرة، وقَّعت صحيفة «الصن» صفقة معه لمدة عام واحد مقابل 250 ألف جنيه إسترليني.
وقال نيل واليس الذي تمت تبرئته بعد اتهامه بالتنصت على هواتف بعض الأشخاص في عام 2015: «بدأنا نلاحظ أننا ندفع ما يكفي من المال، وأن غاسكوين لا يحضر إلا للحصول على الأموال فقط.
لم يكن هناك أي شخص مهتم برعاية غاسكوين، وكنا نشعر بالقلق لأننا استثمرنا الكثير من الأموال فيه، وكنا نتساءل إلى متى يمكن أن يستمر هذا».
وكانت هذه الصحف تبحث عن مصلحتها الخاصة على حساب غاسكوين، وهو موضوع متكرر مع اللاعب طوال حياته؛ حيث يكشف عديد من مراسلي الصحف السابقين عن الطريقة التي كانت تدفع بها هذه الصحف لهم، قبل ظهور القرصنة، لكي يكونوا شبكات من المخبرين بالقرب من اللاعب، لمعرفة كل أخباره وتحركاته.
وفي مرحلة ما خلال الفترة المضطربة لغاسكوين في إيطاليا مع نادي لاتسيو، انفصل عن مساعدته الشخصية جين نوتاغ، التي كتبت على الفور كتاباً يروي كل شيء عنه، وتم نشره في صحيفة «ميرور».
كما تم توثيق فترة زواجه من شيريل فيليس وطلاقه منها في وقت لاحق، وهي الفترة التي غاب فيها عن لحظة ولادة طفله، أثناء وجوده في الخارج، ثم أصبح منبوذاً بعد اعتدائه الشرس على زوجته في غرفة الفندق. وحتى الفترة التي لعب خلالها في ميدلسبره عندما أصبح مدمناً على الكحول، قد تم الكشف عنها بالتفصيل من قبل زميله في الإدمان على الكحوليات بول ميرسون.
كما يتطرق فيلم «غازا» إلى استبعاد غاسكوين من قائمة المنتخب الإنجليزي في نهائيات كأس العالم، وإلى فترة إعادة تأهيله في وقت لاحق.
ويقدم الفيلم تذكيراً دائماً بأنه على الرغم من جميع أوجه القصور التي لا تعد ولا تحصى في شخصية غاسكوين، فإنه كان أحد أكثر لاعبي كرة القدم شهرة في إنجلترا لسنوات، وقد تعرض لمراقبة متواصلة وغير قانونية دمرت حياته في نهاية المطاف.
يقول بول مكمولان الذي أدين في قضية التنصت على هواتف بعض الأشخاص، وهو مراسل سابق لإحدى الصحف في الفترة التي كان فيها غاسكوين قريباً من الاعتزال: «لقد ذهب إلى مصحة (بريوري) ليبتعد عنا. ربما كان مدمناً على الكحول؛ لكننا لم نهتم بذلك. لذلك انتهى الأمر بتصوير الرجل على أنه مصاب بجنون العظمة الشديد، رغم أن الحقيقة لم تكن كذلك».
وفي نهاية الفيلم، قيل لنا ببساطة إن غاسكوين، البالغ من العمر 54 عاماً «يعيش بمفرده على الساحل الجنوبي لإنجلترا».
قد يبدو ذلك للبعض شيئاً مثيراً؛ خصوصاً أن غاسكوين كان دائماً هو النجم الذي تتمحور حوله كل الأحداث وتتجمع حوله كل الأضواء؛ لكن الحقيقة أن تلك لم تكن مفاجأة كبيرة بعد كل الذي تعرض له اللاعب من الصحافة، وبالتالي كان من الطبيعي أن يعيش بعيداً بمفرده عن الأضواء.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.