خطة أوكرانية للحياد من خمسة بنود وموسكو تعد بدراستها

تقدّم المفاوضات ينعكس ميدانياً... وروسيا تصعّد دبلوماسياً ضد الغرب

متطوعون يحملون المساعدات إلى المحاصرين في ماريوبول (أ.ف.ب)
متطوعون يحملون المساعدات إلى المحاصرين في ماريوبول (أ.ف.ب)
TT

خطة أوكرانية للحياد من خمسة بنود وموسكو تعد بدراستها

متطوعون يحملون المساعدات إلى المحاصرين في ماريوبول (أ.ف.ب)
متطوعون يحملون المساعدات إلى المحاصرين في ماريوبول (أ.ف.ب)

أسفرت جولة المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا أمس، عن إحراز تقدم وصف بأنه «ملموس» في ملف الحياد الأوكراني الذي يعد واحداً من شروط روسيا الرئيسية لإنهاء الحرب. وقدم الوفد الأوكراني خطة من خمسة بنود وصفها الجانب الروسي بأنها «أول خطوة بناءة» ووعد بدراستها وعرضها على الرئيس فلاديمير بوتين لتحضير رد روسي عليها. وانعكس التقدم في المفاوضات على الوضع الميداني، إذ أعلنت موسكو عن «تقليص جذري» في عملياتها العسكرية حول العاصمة كييف ومدينة تشرنيغوف الاستراتيجية، في المقابل تواصل الضغط العسكري القوي في مناطق الجنوب وخصوصاً ماريوبول. وكشف فلاديمير ميدينسكي كبير المفاوضين الروس، أن موسكو خطت خطوتين باتجاه التقارب مع أوكرانيا، مشيراً إلى أنهما تخصان الشقين السياسي والعسكري. وفي الشق السياسي أكد ميدينسكي إمكانية عقد لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي ليس بعد التوصل إلى اتفاق بين البلدين بكل تفاصيله، لكن بالتزامن مع توقيع وزيري خارجية البلدين عليه بالأحرف الأولى. وجاء حديث ميدينسكي بعد جولة مفاوضات استمرت أربع ساعات ووصفت بأنها كانت تفصيلية.
وفي الشق العسكري أعلن ألكسندر فومين نائب وزير الدفاع، العضو في الوفد الروسي عن قرار القيادة الروسية خفض النشاط العسكري «بشكل جذري» على محوري كييف وتشيرنيغوف (شمال أوكرانيا) بهدف «تعزيز الثقة المتبادلة وتهيئة الظروف المناسبة لمواصلة التفاوض والتوصل إلى الاتفاق المنشود». وكشف ميدينسكي أيضا، أن الوفد الأوكراني قدم مقترحات خطية في ملف الحياد الاستراتيجي، واشتملت الخطة المقدمة على خمسة بنود هي:
أولا: إعلان أوكرانيا دولة محايدة وغير نووية وقائمة خارج أي تحالفات على أساس دائم بموجب الضمانات القانونية الدولية، وسيتم تقديم قائمة بالدول الضامنة.
ثانياً: لا تنطبق الضمانات الأمنية على أراضي شبه جزيرة القرم ودونباس، أي أن أوكرانيا تتخلى عن محاولة استعادتها بالوسائل العسكرية.
ثالثاً: أوكرانيا مع التزامها الحياد سوف تمتنع عن نشر قواعد ووحدات عسكرية أجنبية واستضافة تدريبات عسكرية من دون موافقة الدول الضامنة، بما في ذلك روسيا.
رابعاً: روسيا لا تعارض انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
خامساً: أوكرانيا تطلب صياغة القرار نهائياً في اجتماع بين رئيسي البلدين.

ووصف ميدينسكي مقترحات أوكرانيا بأنها «خطوة بناءة نحو حل وسط»، مضيفاً أن روسيا ستدرسها لكنه لفت إلى أن البند الثاني لا يتوافق مع الموقف المبدئي لموسكو الذي ينطلق من عدم طرح موضوع ضم القرم إلى روسيا في أي مفاوضات.
ورأى ميدينسكي أن الأهم يكمن في أن «المقترحات الخطية تؤكد سعي أوكرانيا لأن تكون دولة محايدة وخالية من الأسلحة النووية، مع التخلي عن إنتاج ونشر جميع الأنواع من أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الكيماوية والبكتريولوجية بالإضافة إلى حظر وجود القواعد العسكرية الأجنبية والقوات الأجنبية في أراضيها». وزاد أن «المفاوضات كانت بناءة. وموقف الأوكرانيين تمت صياغته بصورة مفهومة لإدراجه في الاتفاق. سيتم النظر في هذه المقترحات في المستقبل القريب، وسيتم إبلاغ الرئيس بها، وسنقدم رداً مناسباً».
وأضاف أن الاجتماع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فلاديمير زيلينسكي ممكن بالتزامن مع التوقيع بالأحرف الأولى على المعاهدة بين روسيا وأوكرانيا على مستوى وزيري الخارجية. وأوضح: «كان الشكل المقترح على النحو التالي - أولاً، تتم صياغة اتفاقية ثم الموافقة عليها من قبل المفاوضين، ثم يصادق عليها وزيرا الخارجية في الاجتماع، وبعد ذلك تتم مناقشة إمكانية اجتماع رئيسي البلدين للتوقيع على هذه الاتفاقية. هذه ليست مسألة سهلة خاصة أن الاجتماع قد يكون متعدد الأطراف بمشاركة الدول الضامنة للسلام والأمن في أوكرانيا». في المقابل، قال مفاوضون أوكرانيون إن كييف اقترحت تبني وضع محايد مقابل ضمانات أمنية في المحادثات الجارية مع روسيا في تركيا، مما يعني أنها لن تنضم إلى تحالفات عسكرية أو تستضيف قواعد عسكرية. وقال المفاوضون إن المقترحات ستشمل أيضاً فترة مشاورات مدتها 15 عاماً بشأن وضع شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا وإنها يمكن أن تدخل حيز التنفيذ فقط في حالة وقف إطلاق النار الكامل.
في غضون ذلك، صعدت موسكو تحركها الدبلوماسي أمس، ضد الأوروبيين، عبر إعلان الخارجية الروسية عن إلغاء اعتماد 10 موظفين من بعثات ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا الدبلوماسية وطردهم من روسيا، في خطوة مقابلة لعمليات طرد دبلوماسيين روس من هذه البلدان في وقت سابق. وجاء إبلاغ سفراء الدول الثلاث بهذا القرار خلال استدعائهم إلى الخارجية الروسية. وأفاد بيان أصدرته الوزارة بأنه «تم تقديم احتجاج شديد لرؤساء البعثات الدبلوماسية بشأن التصرفات الاستفزازية غير المبررة المتمثلة في طرد موظفين في السفارات الروسية في دول البلطيق».
وزاد: «بناء على مبدأ المعاملة بالمثل، تم الإعلان عن إلغاء اعتماد 4 موظفين في سفارة ليتوانيا، و3 في سفارة لاتفيا، و3 موظفين في سفارة إستونيا ومكتب بيسكوف للقنصلية العامة الإستونية في مدينة بطرسبورغ».
وكانت سلطات لاتفيا وإستونيا وليتوانيا قررت في 18 مارس (آذار) طرد عدد من الدبلوماسيين الروس من أراضيها بدعوى ممارستهم أنشطة «لا تتوافق مع وضعهم الدبلوماسي»، وفي خطوة عدت «تعبيرا عن التضامن مع أوكرانيا». في الوقت ذاته، اتهمت موسكو الولايات المتحدة، بقيادة «عدوان إلكتروني» ضخم عليها شمل مئات الآلاف من الهجمات يوميا منذ دخول القوات الروسية الأراضي الأوكرانية. وقالت وزارة الخارجية الروسية إن وسائل الإعلام والبنية التحتية الحساسة كانت أهدافا للحملة غير المسبوقة، مشيرة بإصبع الاتهام إلى قوات خاصة تلقت تدريبا من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، فضلاً عن متسللين يعملون لحساب القوى الغربية الداعمة لكييف.
وأفادت الوزارة بأنها تعتقد أن حكومة أوكرانيا التي أعلنت في فبراير (شباط) تشكيل «جيش لتكنولوجيا المعلومات» ضالعة في الهجمات وإنها دشنت «قوة هجوم إلكتروني».
ميدانياً، تواصل الهجوم الروسي المكثف في ماريوبول بالتزامن مع إعلان تقليص العمليات في شمال أوكرانيا. وأعلن الجيش الروسي أن قواته بالتعاون مع قوات إقليم دونيتسك حققت تقدماً واسعاً في عمليات «التمشيط في وسط المدينة». وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، في إيجاز صحافي يومي، إن قواته دمرت بصواريخ مجنحة قاعدة وقود كبيرة بالقرب من قرية كليفنا بمنطقة ريفنا. وتعود أهمية هذه القاعدة لكونها توفر الوقود للمعدات العسكرية الأوكرانية في ضواحي كييف.
وقال إن طائرات العمليات التكتيكية الروسية دمرت خلال الساعات الـ24 الماضية 68 منشأة عسكرية أوكرانية، من بينها 3 مراكز قيادة و4 أنظمة صواريخ مضادة للطائرات بما في ذلك 3 من طراز «بوك - إم1» وواحدة من طراز «أوسا»، ومحطة رادار واحدة، و5 قاذفات صواريخ متعددة، ومستودعان للذخيرة، و3 مستودعات للوقود ومواد التشحيم، و19 مناطق لتخزين معدات ومعاقل للجيش الأوكراني. كما دمر الدفاع الجوي خلال الليل 3 طائرات أوكرانية بدون طيار في قرية « تشيرنوبايفكا».


مقالات ذات صلة

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أوروبا أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أكد الكرملين أن التوافقات التي تم التوصل إليها بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، خلال قمتهما الوحيدة في ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي «جوهرية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.