تحليل: موقف واشنطن من روسيا قد يمنع الصين من الاستيلاء على تايوان

لقاء سابق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)
TT

تحليل: موقف واشنطن من روسيا قد يمنع الصين من الاستيلاء على تايوان

لقاء سابق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)

في الوقت الذي تُصعّد فيه روسيا من ضغوطها على الولايات المتحدة والغرب بتحركاتها العسكرية في أوكرانيا، تظل استراتيجية واشنطن الرئيسية تدور حول مواجهة الصين ومنعها من اتخاذ إجراءات مماثلة في تايوان.
ويقول الباحث الأميركي ويس ميتشل، المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا وأوراسيا، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إن أسرع طريقة لتحفيز الرئيس الصيني شي جين بينغ على غزو تايوان تتلخص في الفشل في التعامل بحزم مع غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1504421035331837952?t=QZQozrPwXjSKHUIaTRYaWg&s=09
وتابع: «إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من إلحاق ما يكفي من الألم ببوتين بسبب مقامرته في أوكرانيا، فمن المرجح أن يستنتج شي أن تايوان لا تستحق المخاطرة التي قد تنطوي عليها، في المستقبل المنظور على الأقل».
ويضيف ميتشل أنه «قد يبدو هذا غير منطقي لأن كل جهد تبذله الولايات المتحدة تجاه أوروبا يبدو وكأنه جهد غير متاح لآسيا، ومن الناحية العسكرية، تحتاج الولايات المتحدة إلى التأكد من أنها تحتفظ بالقوة الكافية للتعامل بشكل حاسم مع الصين، إذا استغلت الحرب الأوكرانية لاتخاذ خطوة بشأن تايوان».
وتابع: «في الأزمة الحالية، تراقب الصين عن كثب شيئين على وجه الخصوص؛ أولاً والأهم هو أن بكين ستراقب كيف سيكون أداء روسيا عسكرياً، وعلى غرار روسيا، أمضت الصين السنوات القليلة الماضية في تطبيق الدروس المستفادة من الهجمات العسكرية الأميركية في البلقان والعراق في تحديث جيشها».
وذكر الباحث: «أوكرانيا هي أول دليل على نتائج تلك الاستثمارات ضد خصم خطير. ومن خلال مساعدة الأوكرانيين على إلحاق تكاليف باهظة بالغزاة، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها إظهار المخاطر التي تواجهها حتى قوة كبيرة جداً من صراع يطول أمده على الأراضي المعادية. ويمكن أن يحدث الشيء نفسه في تايوان».
وتابع: «ثانياً، تراقب بكين كيف سيكون أداء روسيا اقتصادياً. ومثل روسيا، تم تحذير الصين من أنها ستواجه عقوبات مشددة إذا حاولت غزو تايوان وإلى حد أكبر بكثير من الاقتصاد الروسي القائم على السلع، تتشابك الصين مع الاقتصاد العالمي وعرضة للاضطرابات في التدفقات المالية والتجارية، وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من تحقيق تأثير حاسم من خلال فرض عقوبات على قوة اقتصادية من الدرجة الثانية مثل روسيا، فقد تستنتج الصين أن العقوبات ستكون أقل فاعلية ضد الصين».
وقال ميتشل: «إنه بهذا المعنى، كان الرئيس جو بايدن محقاً عندما قال، قبل الغزو: (القوى العظمى لا تخدع) وإذا كانت الولايات المتحدة ستهدد بفرض عقوبات كارثية على روسيا بسبب أوكرانيا، فمن الأفضل أن تكون كارثية بالفعل، لأن مصداقية النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة لمعاقبة العدوان واسع النطاق على المحك. ولن تحصل الولايات المتحدة إلا على فرصة واحدة لإثبات هذه المصداقية وتتمثل هذه الفرصة في أوكرانيا».
وأكد أن «الخبر السار في كل هذا هو أن أوكرانيا أعطت الولايات المتحدة وحلفاءها نافذة مؤقتة وقابلة للغلق، للعمل بشكل حاسم وليس فقط التعامل مع الوضع في أوكرانيا ولكن أيضاً الدفع للعدول عن أي تحرك ضد تايوان من شأنه أن يتحول على الأرجح إلى أزمة مشتعلة عالمياً».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1504517496560361473
ويرى ميتشل أن «تأثير وحشية بوتين في تحفيز تقاسم الأعباء الأوروبية هو تغيير قواعد اللعبة بالنسبة للاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة. ومع إنفاق ألمانيا في السنوات المقبلة على الدفاع أكثر من روسيا (110 مليارات دولار سنوياً مقابل 62 مليار دولار)، ستتمكن الولايات المتحدة من تركيز المزيد من قواتها التقليدية المتاحة على ردع الصين، كما تضع أوكرانيا حداً خطيراً لقدرة روسيا على شن الحرب على المدى القريب».
وتابع: «بغض النظر عن كيفية سير الحرب، فإن الجيش الروسي سيكون قد استنفد عدداً كبيراً من ذخائره عالية الجودة، التي لا يمكن استبدالها بسهولة. وسوف يتعرض الاقتصاد الروسي أيضاً لانتكاسة لسنوات قادمة بسبب استنزاف رأس المال وفقدان الاستثمار، وبطبيعة الحال، ستظل روسيا تشكل تهديداً خطيراً، ولكنها ستحتاج إلى فترة من التعافي في اللحظة التي تصبح فيها أوروبا أكثر قدرة».
وقال الباحث: «كل هذا يعني أن اللحظة الحالية مهمة بشكل غير متناسب من منظور الاستراتيجية الأميركية، إن لحظة الخطر الأكبر على تايوان هي من الآن وحتى عندما تبدأ الجهود الدفاعية الأوروبية في أن تؤتي ثمارها، وهي فترة عدة سنوات، ولكن ليس إلى الأبد».
ويرى ميتشل أن «النظر إلى الوضع الحالي كنافذة استراتيجية ترتبط فيها الأوضاع الأوروبية والآسيوية يجب أن يوضح كيف نفكر في سياسة الولايات المتحدة، ويشير ذلك إلى أنه «من الصواب للولايات المتحدة وحلفائها ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط في أقرب وقت ممكن في الصراع، وهو عكس النهج المتدرج لإدارة بايدن».
وذكر أنه «يمكن للصين أن تستنتج بشكل معقول أنه في فترة زمنية مماثلة يمكنها تعزيز موقفها بشأن تايوان بينما تتعثر الولايات المتحدة وحلفاؤها في تقييم إرادة تايوان في المقاومة. وإذا كانت الولايات المتحدة ستفرض الآن عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، فسيكون من الأفضل بكثير القيام بذلك بالتعاون مع الأوروبيين، على الأقل للإثبات للصينيين أن واشنطن وحلفاءها على استعداد للقبول المشترك بألم الركود لوقف العدوان واسع النطاق».
وقال: «عسكرياً، ينطبق المنطق نفسه، إلى حد ما. ومن شأن استراتيجية التسلسل أن تجلب أكبر قدر ممكن من الضغط العسكري غير المباشر على بوتين، بعد أن بالغ في استخدام القوة. والشكل الأكثر فاعلية لهذا الضغط هو في أوكرانيا، عبر الأسلحة والاستخبارات الأميركية لإنهاك القدرات القتالية الروسية. وهناك أيضاً الكثير من الأسلحة التي يمكن للولايات المتحدة أن تضعها بشكل دائم في حلف شمال الأطلسي على الخطوط الأمامية دون إضعاف القوة العسكرية الأميركية في آسيا».
وأكد ميتشل أنه «يجب على الولايات المتحدة أن تتصرف بشكل حاسم الآن، ولكن بطرق لا تتعامل فقط مع الوقت الراهن فقط، وسيكون لدى واشنطن فرصة كبيرة لخلق تأثير في أوروبا من شأنه أن يساعد على تجنب الحرب في آسيا».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟