تقدم المفاوضات يسابق التصعيد العسكري في أوكرانيا

قتلى في غارة روسية على قاعدة عسكرية فيها «أجانب»... والكرملين لا يستبعد قمة بوتين ـ زيلينسكي

نقل رجل إلى المستشفى بعد إصابته في الغارة الجوية التي استهدفت قاعدة «نوفويافوريسك» غرب أوكرانيا أمس (أ.ب)
نقل رجل إلى المستشفى بعد إصابته في الغارة الجوية التي استهدفت قاعدة «نوفويافوريسك» غرب أوكرانيا أمس (أ.ب)
TT

تقدم المفاوضات يسابق التصعيد العسكري في أوكرانيا

نقل رجل إلى المستشفى بعد إصابته في الغارة الجوية التي استهدفت قاعدة «نوفويافوريسك» غرب أوكرانيا أمس (أ.ب)
نقل رجل إلى المستشفى بعد إصابته في الغارة الجوية التي استهدفت قاعدة «نوفويافوريسك» غرب أوكرانيا أمس (أ.ب)

برزت أمس مؤشرات على تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات الروسية الأوكرانية، التي تواصلت خلال اليومين الأخيرين، عبر تقنية الفيديو كونفرنس. وتحدث الطرفان عن «تطور جدي» في مسار المفاوضات، التي تجري بالتزامن مع تشديد الضغط العسكري الروسي على عدد من المناطق الأوكرانية، وخصوصاً العاصمة كييف وماريوبول في جنوب البلاد. كما شهدت المجريات الميدانية أمس تطوراً ملحوظاً، مع استهداف معسكر في غرب أوكرانيا، قالت موسكو إنها قتلت فيه 180 من «المرتزقة الأجانب»، ودمرت شحنات عسكرية أرسلها الغرب لمساعدة أوكرانيا، بينما قالت كييف إن الأمر يتعلق بـ«مركز دولي لحفظ السلام والأمن يعمل فيه مدربون أجانب».
وحمل إعلان الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، عدم استبعاد ترتيب لقاء يجمع الرئيسين الروسي والأوكراني جديداً أمس، على الرغم من أنه ربط التوصل إلى اتفاق نهائي في هذا الشأن بمسار المفاوضات الثنائية الجارية حالياً. وقال بيسكوف إن «المحادثات بين الوفدين الروسي والأوكراني تتناول، بين أمور أخرى، الشروط التي قد تتيح عقد لقاء على المستوى الرئاسي، ومن السابق لأوانه الحديث عن النتائج حالياً، لكن هذا الموضوع يعمل عليه وفدا البلدين».
جاء ذلك تعليقاً على تصريح لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أشار إلى أنه خلال اتصال هاتفي أجراه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين أبلغه الأخير أنه لا يعارض الاجتماع مع نظيره الأوكراني.
في الاتجاه ذاته، قال ميخائيل بودولياك، مستشار الرئاسة الأوكرانية، إن بلاده على اتصال مع إسرائيل وتركيا كي تعمل وسيطاً في تنظيم مفاوضات محتملة بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفلاديمير زيلينسكي.
وزاد أن البحث يتركز عن مكان من الممكن التفاوض فيه، حيث تتوفر ضمانات أمنية. والأمر الرئيسي هو أننا نعمل على صياغة مجموعة من الاتفاقيات التي ستأخذ في الاعتبار مواقف أوكرانيا. وعندما يتم الاتفاق على ذلك، سيصبح بمقدور الرئيسين الاجتماع والعمل على البنود النهائية لمعاهدة السلام.
وأعرب المسؤول الأوكراني عن أمله بأن «يجري اللقاء في المستقبل المنظور (...) الطريق إلى عقده لم يعد طويلاً»، مع أنه استدرك أن الحديث لا يدور عن «يومين أو 3 أيام، سيستغرق الأمر بعض الوقت. لكننا سنحاول تحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن».
وبدا أن التقدم الذي تحدث عنه الطرفان الروسي والأوكراني في المفاوضات الثنائية دفع إلى تنشيط الحديث عن قمة محتملة لبوتين وزيلينسكي. وأكد عضو الوفد الروسي ليونيد سلوتسكي، رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما الروسي، تحقيق «تقدم جدي في المفاوضات مع أوكرانيا، تحديداً في المجالين العسكري والإنساني».
وزاد أن التطور «قد يؤدي إلى موقف واحد للتوقيع على وثائق ثنائية سيكون لها دور مهم في تسوية الأزمة القائمة». وأكد عضو الوفد الروسي سعي موسكو إلى حل الأزمة الراهنة، مضيفاً أن «مصيرنا أن نبقى جيراناً مع أوكرانيا، وعلينا العيش بحسن جوار».
بدوره، أكد الرئيس الأوكراني على ارتياح لمستوى التقدم الحاصل في المفاوضات، وقال إن الطرفين انتقلا من «لغة الإنذارات إلى حديث جدي حول المسائل التي يمكن التوصل إلى تفاهمات بشأنها».
من جانب آخر، أشاد سلوتسكي بمواقف الدول العربية حيال الأزمة الحالية، وقال، في إطار تعليقه على زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى موسكو، إن بلاده «تثمن بشكل عالٍ مواقف دول الخليج، وخصوصاً الإمارات والسعودية وقطر، إزاء العملية الروسية في أوكرانيا، وعدم انضمام هذه البلدان إلى مواقف عدائية لروسيا».
وكان الناطق باسم الخارجية القطرية، ماجد بن محمد الأنصاري، أعلن في بيان أن «الزيارة تأتي في مرحلة حرجة، نظراً للظروف التي يعيشها العالم نتيجة التصعيد في أوكرانيا»، مؤكداً سعي الدوحة إلى دعم الجهود الدولية الرامية إلى تهيئة الظروف اللازمة لبلوغ حل سلمي للأزمة، وزاد أن وزير الخارجية القطري الذي وصل إلى موسكو أمس يسعى إلى التأكيد على أن «الحل السلمي هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة»، مع الدعوة إلى «ضرورة تضافر الجهود لحل الأزمة بشكل عاجل، وفق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي».
وجاءت زيارة آل ثاني إلى موسكو بعد اتصالات هاتفية أجراها مع لافروف ووزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا.
على صعيد آخر، استعدت موسكو لمواجهة تخلفها المحتمل عن سداد جانب من الديون الخارجية المستحقة هذا الشهر، وأعلن وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف أن حجم احتياطي الذهب والنقد الأجنبي للبنك المركزي الروسي، الذي تم تجميده بسبب العقوبات الغربية، يبلغ نحو 300 مليار دولار.
وقال سيلوانوف إن هذا الرقم يعادل «نحو نصف الاحتياطيات التي كانت بحوزتنا. لدينا إجمالي احتياطيات تبلغ نحو 640 مليار دولار، ونحو 300 مليار منها الآن في حالة لا يمكننا استخدامها».
رغم ذلك، أكد سيلوانوف أن روسيا لن تتخلى عن التزامات ديونها السيادية، لكنها تنوي سدادها بالروبل حتى تتراجع الدول الغربية عن تجميد احتياطياتها من الذهب والعملات الأجنبية، مشيراً إلى أن هذا أمر «عادل تماماً» في الظروف الحالية.
وأشار الوزير إلى أن الغرب يضغط على الصين للحدّ من وصول روسيا إلى احتياطياتها من اليوان، معرباً عن اعتقاده بأن «شراكتنا مع الصين ستظل تسمح لنا بالحفاظ على التعاون الذي حققناه، وتطويره في الظروف التي تغلق فيها الأسواق الغربية بوجهنا».
وترى مؤسسات غربية أن إعلان موسكو عزمها تسديد الديون بالروبل سوف يعني تخلفاً عن السداد، ما يضع تبعات جدية على الاقتصاد الروسي.
ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أمس في إيجاز يومي حصيلة العمليات العسكرية، وقالت إنها «حيّدت» منذ بداية الحرب 3687 منشأة عسكرية أوكرانية عن الخدمة، ودمرت نحو 100 طائرة و128 مسيرة.
وقال الناطق باسم «الدفاع الروسية»، إيغور كوناشينكوف، إن الأهداف المدمرة تشمل 99 طائرة، و128 طائرة مسيرة، و1194 دبابة وعربة قتال مصفحة أخرى، و121 راجمة صواريخ، و443 قطعة من المدفعية الميدانية ومدافع الهاون، و991 قطعة من المركبات العسكرية الخاصة.
وزاد أن وحدات من القوات المسلحة الروسية تقدمت لمسافة تصل إلى 14 كيلومتراً في الساعات الـ24 الماضية، وسيّطرت جراء العمليات الهجومية على المناطق الجنوبية من بلدات بلاغوداتويه وفلاديميروفكا وبافلوفكا ونيكولسكويه في دونباس.
وأشارت الدفاع الروسية إلى أن وحدات من قوات لوغانسك واصلت عملياتها الهجومية، وحاصرت بلدة بوروفسكي بشكل كامل وتحصنت في الضواحي الشمالية لبلدة بوباسنايا، كما أغلقت مداخل مدينة سيفيرودونيتسك من الشرق والجنوب.
لكن الأبرز أمس، كان إعلان وزارة الدفاع الروسية أنها استهدفت قاعدة عسكرية للتدريب في غرب أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، وقال الناطق العسكري: «في صباح يوم 13 مارس (آذار)، هاجمت أسلحة طويلة المدى عالية الدقة مراكز تدريب القوات المسلحة الأوكرانية في قرية ستاريتشي وفي ساحة التدريب العسكرية في يافوروفسكي، وفي هذه المنشآت، نشر نظام كييف نقطة للتدريب والتنسيق القتالي للمرتزقة الأجانب قبل إرسالهم إلى مناطق القتال ضد العسكريين الروس، وكذلك هناك قاعدة تخزين للأسلحة والمعدات العسكرية القادمة من دول أجنبية». وأوضح أن العملية أسفرت عن قتل 180 «مرتزقاً أجنبياً» وتدمير شحنة كبيرة من الأسلحة التي أرسلها الغرب إلى الأوكرانيين. وتعهد المسؤول العسكري أن موسكو «سوف تستمر في تحييد المرتزقة الأجانب الذين وصلوا إلى الأراضي الأوكرانية».
من جانبها، قدّمت كييف روايتها للغارة بقولها إن «روسيا هاجمت المركز الدولي لحفظ السلام والأمن حيث يعمل مدربون أجانب هناك»، من دون أن يحدد ما إذا كانوا حاضرين وقت الضربات.
وقال وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف: «هذا هجوم إرهابي جديد ضد السلام والأمن قرب حدود الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. يجب أن نتحرك لوقف هذا. أغلقوا الأجواء!». مكرراً دعوة كييف لإنشاء منطقة حظر طيران، وهو طلب رفضه حلف شمال الأطلسي خشية توسع نطاق النزاع. وبحسب حصيلة محدثة، أعلنها حاكم المنطقة مكسيم كوزيتسكي، قُتل جراء الضربات 35 شخصاً وأصيب 134 آخرون.
بموازاة ذلك، تواصل القوات الروسيّة قصف الجنوب الأوكراني حيث سقط 9 قتلى في ميكولاييف، فيما تأمل مدينة ماريوبول المحاصرة في وصول قافلة مساعدات إنسانيّة أمس.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».