«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

التفاعلات داخله تمنح مستخدميه انطباع خوض تجارب وصناعة ذكريات حقيقية

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي
TT

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

ما هو الفرق الذي قد يحدثه عامٌ من الزمن؟ في هذا الوقت من العام الماضي، سجّلت عمليات البحث عن «الميتافيرس» أدنى مستوى على «غوغل ترندز»، ولكن بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، ارتفعت هذه المعدّلات إلى أقصى المستويات.

تقنيات مزدهرة
أصبح هذا المصطلح بارزاً لدرجة أنّ واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم – أي «فيسبوك» – غيّرت اسمها إلى «ميتا». ازدهرت التقنيات المرتبطة بالميتافيرس، كنظارات الواقع الافتراضي، لسنوات ولكنّنا على موعد مع المزيد. نحن على وشك الدخول في إعصار مذهل يجمع محرّكات إلكترونية بالوقت الحقيقي أبرزها «يونيتي» و«أنريل إنجاين» (تملكها شركة «إيبيك غيمز»)، ونظارات الواقع الافتراضي (كـ«أوكيولوس» و«إتش تي سي»)، والواقع المعزز («أبل» و«ماجيك ليب»)، ومزودي خدمات اتصال الجيل الخامس («آي تي أند تي» و«فرايزون»)، وسلسلة الكتل «بلوك تشين»، والعملات الرقمية، وطبعاً الذكاء الصناعي.
يستخدم النّاس الإنترنت اليوم للتبضّع وقراءة الأخبار والاستفادة من الخدمات المصرفية والكثير من الأمور الأخرى. وتتمتّع الشبكة بفاعلية عالية، ولكنّ استخدامها يختلف طبعاً عن أداء هذه النشاطات شخصياً؛ لأنّ الشخص الذي يتبضّع عبر الإنترنت مثلاً، لا يستطيع التفاعل مع منسّق المظهر أو تجربة مجموعة من الملابس. نحن نتحدّث هنا عن الوجود المشترك، أي الاستمتاع بتجاربنا الناتجة عن استجابتنا الدماغية في الميتافيرس. تمنح التفاعلات في الميتافيرس أصحابها انطباع خوض تجارب حقيقية وصناعة ذكريات حقيقية - لأنّهم يفعلون ذلك حقاً.
لا تنحصر حالات استخدام الميتافيرس بالتبضع طبعاً؛ لأنه يستطيع حلّ تحديات كبيرة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بـ«أنسنة التقنية».

«الميتافيرس» في التعليم
تملك التجارب الانغماسية القدرة على أنسنة التفاعلات الرقمية، ما يزيد الحاجة إلى تقنيات الميتافيرس كالواقعين المعزز والافتراضي في بعض الحالات. قد تكون رحلة استكشاف للميتافيرس لا تزال في بدايتها، ولكن بعض تطبيقات التعليم والتعلّم أصبحت جاهزة.
يقيس محترفو التعليم النجاح من خلال الفاعلية، التي تعدّ المسألة الأكثر إلحاحاً التي يواجهها التعلّم الإلكتروني التقليدي الموجود منذ ما قبل ظهور الفيروس. فقد أجبرتنا الجائحة على الدخول إلى مختبر هائل حاصرت فيه مؤتمرات الفيديو الكثير من مهامنا التي تشمل التعلّم.
ينطوي التعلّم الإلكتروني على الكثير من الجوانب السلبية التي غالباً ما يسعّرها انعدام المساواة في الحصول على التقنية، إلّا أنّ بعض الدراسات وجدت أنّه فعّال.
تَقدَّم الواقع الافتراضي خطوة إضافية أيضاً. فقد وجدت شركة «بي دبليو سي»، أنّ المتعلّمين الذين تدرّبوا باستخدام الواقع الافتراضي امتلكوا ثقة أكبر بمعدّل 275 في المائة في استخدام ما تعلّموه بعد التدريب - أي تحسّن بنسبة 40 في المائة عن التعلّم في غرف الصفّ، و35 في المائة عن التعلّم الإلكتروني.
تملك تجارب الواقعين الافتراضي والمعزّز القدرة على تجاوز الوسائل الغيابية التي تعتمد مبدأ التلقين والاختبار التي نعلم جميعنا أنها تفتقر للمشاركة والفاعلية. يصل المحتوى الديناميكي والعالي التفاعلية ذو الواقعية العاطفية الذي يطوّره محترفو تعليم الواقع الممتدّ إلى المستخدمين بطريقة معبّرة أكثر. ويتيح التعلّم في الميتافيرس تأسيس تواصل بين المتعلّمين من جميع أنحاء العالم وتقويتهم للتفاعل بطرقٍ معبرة. يتّسم هذا التعليم بتفاعلية وتأثير أكبر لأنه يتيح لنا محاكاة كلّ شيء من المحادثة إلى الجراحة.

تحديات التعلّم الانغماسي
يحتاج ذوو الاحتياجات الخاصة والمصابون باعتلالات (بصرية، وسمعية، وغيرها) إلى تجهيزات خاصّة ليتمكّنوا من الاستفادة من كامل تقديمات الميتافيرس، إلّا أنّ الحصول على الأجهزة والأدوات الضرورية قد يكون صعباً بسبب ارتفاع سعرها. لذا؛ يتطلّب الميتافيرس، كما الإنترنت، اعتماد استراتيجية تضمن إتاحته للجميع بالتساوي، خصوصاً لأولئك الذين لا يملكون الوسائط المطلوبة للمشاركة فيه.
لم يولد الميتافيرس حقيقة بعد، ولكن لا بأس بالجهود التي تبذل في هذا الاتجاه، خصوصاً أن مجتمع الميتافيرس يركّز على إيصال التعلّم الانغماسي للجميع قبل كلّ شيء.
تتميّز تقنية الميتافيرس باللامركزية المتأصلة؛ ما يعني أنّ ما احتاج إلى سنوات، وحتّى لعقود، ليتحقّق مع تقنيات أخرى، كالتقديم والوصول للجميع، يتصدّر اليوم سلّم الأولويات.
تخيّلوا مثلاً الفوائد التي يمكن أن يحقّقها الجيل الأوّل من الطلاب الجامعيين بعد اختبار صفوف جامعية افتراضية؛ وتخيّلوا كمّ الخبرة الذي قد يكتسبه فريق العمل في مستشفى ريفي من التدريب الانغماسي على تقنيات طبية متطوّرة. والآن، تخيّلوا هذه الاحتمالات جنباً إلى جنب مع التحديات التي يواجهها نظامنا التعليمي على مستوى العالم، والصعوبات الكبيرة التي تعاني منها البرامج الأكاديمية لمجاراة هذه التحديات.
تعمل فرضية شركة «إس آي بي» للبرمجة ومنظّمة «جوبز فور ذا فيوتشر» على تقاطع هذه الأفكار، مرجّحة أنّ تزويد المتعلّمين في مرحلة الثانوية بتقنية التعلّم الانغماسي سيؤثّر إيجاباً على قدرتهم على تطوير المهارات المطلوبة للتوظيف المثمر. في أوّل استخدامٍ له، أظهر برنامج «سكيل إمرشن لاب»Skill Immersion Lab أنّ أكثر من 85 في المائة من المتعلّمين شعروا بثقة أكبر في التكلّم مع الآخرين بعد انتهاء تجارب التعلّم الانغماسي. وصرّح 85 في المائة من هؤلاء بأنّ قدرتهم على إيجاد الكلمات الصحيحة للتعبير عن فكرة معيّنة تحسّنت خلال البرنامج، بينما اعترف 90 في المائة منه بأنّهم كانوا يراجعون إجاباتهم لمعرفة كيف يمكنكم أن يحسّنوا أنفسهم بعد انتهاء كلّ درس. تظهر النتائج النهائية للبرنامج، أنّ محتوى التعليم الانغماسي منتج، وأنّ الأولوية التالية يجب أن تكون إيصاله إلى أكبر عددٍ من المتعلّمين.

تعلّم وتواصل بشري
ما هو تأثير التعلّم في الميتافيرس على التواصل البشري؟ يذكرنا هاتفنا الذكي بمتوسط الوقت الذي نمضيه على الشاشات، وإذا جمعناه مع الساعات التي نمضيها في مؤتمرات الفيديو واستخدام البريد الإلكتروني، سنرى عالماً مصغّراً عن الحياة الرقمية المتنامية التي يعيشها النّاس اليوم. ينطبق الأمر نفسه على الأولاد الذين يتنقّلون بين العمل المدرسي وموقع المدرسة الإلكتروني والتواصل الاجتماعي والتراسل والمحادثات عبر «فيس تايم» وألعاب الفيديو. يستمرّ الجزء الذي نمضيه من حياتنا في العالم الرقمي بالنمو، ولكن ما الذي قد يحصل إذا أصبحت هذه التفاعلات أفضل؟
على عكس البريد الإلكتروني وغيره من وسائل التواصل على الإنترنت، يملك الميتافيرس القدرة على استنساخ التفاعلات البشرية وإقناع الآخرين بها بفضل حسّ الوجود والواقعية العاطفية اللتين يتميّز بهما. تضمن مكانية هاتين الميزتين نوعاً من الألفة والارتباط بالعالم المادّي.
يحدّ الاتصال الافتراضي من صدق تعابير الوجه ولغة الجسد، فضلاً عن أنّه يضع حواجز رقمية ومادية بين البشر. في المقابل، يستطيع المستخدم خلال اجتماع بالواقع الافتراضي أو المعزّز أن يرى حركات الشخصيات الرمزية التي تمثّل الزملاء، بالإضافة إلى الشعور بوجودهم وكأنّهم معه في العالم الحقيقي.
تساعد زيادة التفاعلات الرقمية أيضاً في تعزيز تركيزنا وانتباهنا في حياتنا الحقيقية؛ لأن زيادة إنتاجية التعاون والتعلّم الانغماسيين تترك لنا المزيد من الوقت للاستفادة منه في أيّامنا العادية للتواصل مع العالم المادي والأشخاص المحيطين بنا فيه. يملك الميتافيرس القدرة على تحقيق توازنٍ مع الجوانب السلبية للرقمنة، عبر تعزيز الأنسنة والتواصل خلال الوقت الذي نمضيه في العالم الإلكتروني، ومساعدتنا بالاستمتاع أكثر بالحياة التي نعيشها بعيدا عن التقنية.
أعلم أنّ الكثيرين يرون أنّ الميتافيرس هو أحدث الفصول في مجموعة كبيرة من الكلمات والمصطلحات التقنية الغريبة. ولكن أعتقد أنه يستحق قدر الحماس الذي حصل عليه في الأشهر الفائتة لأنّه يقدّم فرصة عظيمة ومنفذا لمستقبلٍ أفضل. وأخيراً، يبقى القرار لنا إذا كنّا نريد الدخول إليه وتحقيق الاستفادة القصوى منه بطريقة مسؤولة وعادلة.
* الشريك المؤسس ومدير قسم المحتوى في شركة «تيل سبن»
- يدرس حالياً برنامج تعليم انغماسي ونتائجه. «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.