الغابات حول العالم تخسر ملايين الهكتارات سنوياً

ما بين خطط التنمية وحسابات الكربون

قطع الأشجار في غابات الأمازون حوّل المنطقة إلى مصدر لكارثة بيئية (شاترستوك)
قطع الأشجار في غابات الأمازون حوّل المنطقة إلى مصدر لكارثة بيئية (شاترستوك)
TT

الغابات حول العالم تخسر ملايين الهكتارات سنوياً

قطع الأشجار في غابات الأمازون حوّل المنطقة إلى مصدر لكارثة بيئية (شاترستوك)
قطع الأشجار في غابات الأمازون حوّل المنطقة إلى مصدر لكارثة بيئية (شاترستوك)

في محادثات قمة المناخ (كوب 26)، التي اختُتمت في غلاسكو قبل أسابيع، صادقت 141 دولة على «إعلان قادة غلاسكو بشأن الغابات واستخدام الأراضي». وبموجب هذا الإعلان، تعهدت الدول بالعمل الجماعي لوقف وعكس مسار فقدان الغابات وتدهور الأراضي بحلول 2030، مع تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التحول الريفي الشامل. ولكن هل يمثل إعلان غلاسكو طوق النجاة للغابات باعتبار أن 91 في المائة من الغابات حول العالم تقع تحت سلطة الدول الموقعة؟ أم أن خطط التنمية وحسابات الكربون ستُفرغ هذا الإعلان من مضمونه؟
- إزالة الغابات مستمرة لكن بوتيرة أقل
تغطي الغابات 31 في المائة من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، أو ما يزيد قليلاً على 4 مليار هكتار، وهي توفر موئلاً للسواد الأعظم من النباتات البرية وأنواع الحيوانات المعروفة. ويتمتع نطاق المناخ الاستوائي بالنصيب الأكبر من الغابات (45 في المائة)، تليه النطاقات الشمالية والمعتدلة وشبه الاستوائية. كما تحظى 5 دول فقط، هي روسيا والبرازيل وكندا والولايات المتحدة والصين، بأكثر من نصف مساحة الغابات العالمية. وتتباين جهود الحفاظ على الغابات بين هذه البلدان بسبب تباين مستويات النمو واختلاف السياسات والتحديات.
ولا تزال الغابات، والتنوع البيولوجي فيها، عرضة للتهديدات نتيجة اقتطاع الأراضي لغايات الزراعة أو بسبب مستويات الاستغلال غير المستدامة. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن العالم فقد خلال العقود الثلاثة الماضية 420 مليون هكتار من الغابات. وفيما أسهمت جهود التحريج والتوسع الطبيعي في تعويض جانب كبير من هذه الخسارة، تبقى مساحة تبلغ 178 مليون هكتار لم يجرِ استردادها، وهي تقارب مساحة ليبيا.
وكان معدل الخسارة السنوية الصافية من الغابات تراجع من 7.8 مليون هكتار خلال الفترة بين 1990 و2000 إلى 5.5 مليون هكتار بين 2000 و2010، ثم تباطأ خلال العقد الأخير إلى 4.7 مليون هكتار بسبب انخفاض معدل التوسع في الغابات.
ويخلُص تقرير صدر في السنة الماضية عن (الفاو) إلى أن التوسع الزراعي هو المحرك الرئيسي لفقدان 90 في المائة من الغابات حول العالم. ويرتبط أكثر من نصف فقدان الغابات العالمية بتحويل مساحاتها إلى أراضٍ زراعية، فيما كانت تربية المواشي مسؤولة عن 37.5 في المائة من فقدان الغابات. وخلال العقدين الماضيين، أظهرت أكثر من 20 دولة نامية قدرتها على تقليص إزالة الغابات، لا سيما في أميركا الجنوبية وآسيا. ورغم ذلك لا تزال الغابات الاستوائية المطيرة في هذه المناطق تسجل أعلى معدلات الإزالة.
- غابات الأمازون وخطط التنمية
تمتد غابات الأمازون المطيرة على أراضي تسعة بلدان في أميركا الجنوبية، لكن أغلبها (60 في المائة) يقع في البرازيل. ووفقاً لمنظمة «غرينبيس»، يرتبط ثلث إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية بالاستيلاء على الأراضي العامة، خصوصاً من قبل مُنتجي اللحوم الذين يقتطعون مساحات ضمن الغابات لتربية مواشيهم.
وكانت البرازيل قد صادقت في قمة المناخ (كوب 26) على إعلان غلاسكو بشأن الغابات واستخدام الأراضي، في خطوة تُناقض السياسات التي اتبعتها البلاد خلال ولاية الرئيس بولسونارو. وتشمل هذه السياسات تشجيع أنشطة مثل التعدين والزراعة في منطقة الأمازون، وتمرير قوانين من شأنها السماح بالأنشطة التجارية على الأراضي المحمية، وعرض حوافز مالية للقبائل الأصلية التي تستثمر أراضيها في الغابات المطيرة كمزارع لفول الصويا.
كما أقر مجلس النواب البرازيلي العام الماضي مشروع قانون يسهل على واضعي اليد على الأراضي العامة الحصول على صكوك ملكية لها. ويمهد هذا القانون الطريق أمام شرعنة نشاطات التعدين والزراعة والمشاريع الأخرى في منطقة الأمازون، علماً بأن مشاريع مماثلة في المنطقة تجري أيضاً بغطاء قانوني.
وتُعد منطقة الأمازون موطناً لنحو ثلاثة ملايين نوع من النباتات والحيوانات، ومليون شخص من السكان الأصليين. كما تشكل مخزناً كربونياً حيوياً يبطئ من وتيرة الاحتباس الحراري. وخلال ولاية الرئيس بولسونارو، ارتفعت معدلات إزالة الغابات في المنطقة، حيث بلغت المساحة المقتطعة بين أغسطس (آب) 2020 ويوليو (تموز) 2021 نحو 1.324 مليون هكتار، وهي أكبر مساحة فُقدت بسبب إزالة الغابات في منطقة الأمازون منذ سنة 2006.
وتُظهر دراسة، نُشرت خلاصتها في دورية «نيتشر» في منتصف السنة الماضية، أن غابات الأمازون، لا سيما في جزئها الجنوبي الشرقي، تحولت بسبب التغير المناخي وقطع الأشجار من حوض لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون إلى مصدر لانبعاثات هذا الغاز. وإذا ما استمرت منطقة الأمازون، التي تضم نصف الغابات المدارية في العالم وتختزن في أشجارها وتربتها 450 مليار طن من الكربون، كمصدر دائم للانبعاثات، فإن مواجهة أزمة المناخ العالمية ستصبح أكثر تعقيداً.
- غابات التايغا وحسابات الكربون
تمتلك روسيا أكبر مساحة من الغابات على وجه الأرض، إذ إن واحدة من بين كل خمس شجرات توجد على أراضيها. ويسهم الاحترار العالمي في زيادة نمو الأشجار كلما اتجهنا شمالاً نحو التندرا القطبية، ما يجعل الغابات الشمالية البكر (غابات التايغا) تحتجز كمية من الكربون تزيد على ما يتحرر بسبب إزالة الغابات في جميع المناطق الاستوائية.
هذه الأخبار الجيدة للمناخ العالمي يشوبها قلق متزايد مع إعلان الحكومة الروسية خلال الأشهر الماضية عن خططها للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمناخ من خلال اعتبار غابات التايغا موازناً لانبعاثات الصناعة في البلاد. وهذا يعني أن ثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه غابات روسيا، الملحوظ سلفاً في النماذج المناخية، يمثل شيكاً على بياض لروسيا ولغيرها من دول الغابات في الحفاظ على مكاسبها بحرق الوقود الأحفوري.
وتلعب الغابات دوراً هاماً في مواجهة تغير المناخ، إذ من المعروف أن نصف ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث عن حرق الوقود الأحفوري تمتصه الطبيعة بسرعة، وذاك بالتساوي تقريباً بين المحيطات والنُظم البيئية الأرضية، لا سيما الغابات. فيما تتبقى نصف الانبعاثات في الجو وتتراكم، مسببة الاحتباس الحراري.
ورغم عمليات قطع الأشجار، فإن 70 إلى 75 في المائة من النُّظم البيئية الشمالية في سيبيريا لا تزال قريبة من حالتها الطبيعية، بما فيها غابات التايغا، وهي تشهد ازدهاراً منذ عقود. وكانت دراسة مثيرة للجدل خلصت إلى أن الغابات الروسية تلعب دوراً عالمياً أكثر أهمية في حجز الكربون مما كان يُعتقد سابقاً. ووفقاً للدراسة، التي نُشرت في دورية «نيتشر» في منتصف السنة الماضية، احتجزت الغابات الشمالية في روسيا ما معدله 1.7 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، بزيادة مقدارها 47 في المائة على ما ورد في إعلانات غازات الاحتباس الحراري الوطنية السابقة لروسيا، وهي كافية لتعويض جميع انبعاثات البلاد تقريباً من حرق الوقود الأحفوري.
وتُعتبر الأرقام السابقة مؤثرة لحد بعيد في مواجهة تغير المناخ العالمي، حيث تُقدر كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة عن حرق الوقود الأحفوري عالمياً بنحو 35 مليار طن سنوياً. وتجادل دراسة حديثة أخرى في صحة هذه الأرقام، إذ ترى أن حوض الغابات الروسي يحتجز 180 مليون طن فقط من ثاني أكسيد الكربون. ويعلل أناتولي شفيدينكو، المؤلف المشارك في الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر»، هذا التباين بالحرائق الواسعة التي تطال غابات سيبيريا وتتسبب بإطلاق مئات ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون.
ورغم المخاوف الطويلة المدى، فإن التقديرات الجديدة المرتفعة لدور الغابات الروسية في احتجاز الكربون خلال العقود الأخيرة تغذي شهية موسكو لتحقيق المزيد من المكاسب. وفي الإحصائيات المقدمة إلى مفاوضي المناخ التابعين للأمم المتحدة، عوضت روسيا بالفعل أكثر من ربع انبعاثاتها من الوقود الأحفوري في مقابل ما تحتجزه غاباتها. وكانت روسيا قد أعلنت العام الماضي عن خطط لتأجير غاباتها في شرقها الأقصى للشركات، من أجل الحصول على أرصدة كربون تعادل الكربون المحتجز فيها.
ولا تُعد الخطط الروسية تصرفاً أحادياً، إذ إن التصريحات الصادرة عن أكثر من بلد بشأن كمية ثاني أكسيد الكربون التي تمتصها الغابات تضيف أكثر من 5.5 مليار طن سنوياً إلى التقديرات العلمية المستقلة. وفيما تميل الحكومات إلى تخصيص معظم حجز الكربون الذي تقوم به الغابات لصالح النشاط البشري، ترى النماذج المناخية أن عملية الحجز هي أمر طبيعي محتسب سلفاً. وتمثل هذه المفارقة عائقاً رئيسياً أمام فاعلية الاتفاقات بشأن وقف تغير المناخ.
ولتجاوز نقطة الخلاف هذه، وضعت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ مبادئ توجيهية تلحظ احتساب حجز الكربون في الغابات التي تتم إدارتها فقط. وتعرف الهيئة الغابات المدارة بأنها تلك التي يجري حصادها من أجل الأخشاب أو تتم حمايتها بشكل فعال من الحرائق أو الأمراض أو غزو الناس. ومع ذلك، تتحايل دول الغابات على هذا التعريف بإعلان سياسات شكلية تتعلق بحماية غابات نائية، فتصنفها من ضمن الغابات المدارة من دون القيام بأي إجراء على أرض الواقع.
لقد شهدت سنة 2021 العديد من الالتزامات البارزة بشأن الغابات، بما في ذلك التعهدات بوضع المزيد من الأموال لصالح عمليات الحفظ والاستعادة. ولكن التجارب السابقة أظهرت في كثير من الأحيان غياب الجدية في تنفيذ هذه التعهدات، مثلما حصل في إعلان نيويورك بشأن الغابات سنة 2014، الذي لم يكن له أي تأثير ملموس في الحد من إزالة الغابات الاستوائية. فهل سيكون هذا الأمر مختلفاً بعد إعلان غلاسكو، أم أن ثلاثية «الغابات والتنمية والكربون» ستبقى رهينة السياسات المحلية والمصالح الخاصة؟


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».