نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

حرائق غابات عنيفة تجتاح جنوب أوروبا... وتتسبب بإجلاء آلاف الأشخاص

مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)
مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)
TT

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)
مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري، وهو عدد قياسي منذ بدء تسجيل البيانات قبل 16 عاماً، بحسب ما أعلنت أجهزة الطوارئ الخميس.

ونُشر الرقم في وقت تشهد فيه اليابان موجة حر أودت بـ14 شخصاً على الأقل خلال الأسبوع الماضي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُقل 453 شخصاً إلى المستشفى؛ بسبب مشكلات مرتبطة بالحر الأربعاء، وهو أعلى عدد منذ بدأ تسجيل البيانات في 2010، وفق ما أعلنت إدارة الإطفاء في طوكيو. كما بلغ عدد استدعاءات خدمات الطوارئ أعلى مستوى له منذ عام 1963 على الأقل.

وقال ناطق باسم إدارة الإطفاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحضّ الناس على شرب كميات كافية من المياه، واستخدام المكيّفات».

وأوضح أنَّ عدد المرضى يرتفع مع ارتفاع درجات الحرارة إذ سُجِّلت زيادات لافتة يومي الثلاثاء والأربعاء.

وفي محافظة طوكيو التي تُعدُّ نحو 14 مليون نسمة، توفي شخص جراء موجة الحر الحاليّة، بينما هناك 4 حالاتهم حرجة و18 في وضع خطير.

وقال السائح الأميركي نك إستيس (35 سنة)، الذي يزور منطقة أساكوسا في طوكيو مع عائلته، إن الجو يوم الخميس، «حار جداً».

وأفاد «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نخطط لرحلاتنا بحيث نتمكَّن من قضاء بعض الوقت في المترو للتخفيف من الحر، والبحث عن متاجر صغيرة ندخلها ربما لشراء تذكار بسيط مزود بتكييف للهواء. نفعل كل ما بوسعنا للبقاء في أجواء باردة».

وأضاف: «لكن خصوصاً مع الأطفال، فإنَّ الأمر غاية في الصعوبة... كنت هنا الصيف الماضي ويبدو الجو هذا العام أكثر حراً مما كان عليه قبل عام».

وصفت «وكالة إدارة الحرائق والكوارث» موجة الحر بـ«الكارثة» وأعلنت، الأربعاء، تسجيل 14 وفاة على الأقل في أنحاء البلاد الأسبوع الماضي، بينما احتاج 11 ألف شخص لرعاية صحية طارئة.

عامل بمطعم وجبات سريعة يحاول تبريد شخص برش الماء على رأسه خلال موجة حر شديدة في طوكيو يوم 22 يوليو 2026 (رويترز)

«كارثة»

وفي منطقة آيتشي (وسط) التي تُعدُّ من المناطق الأكثر معاناة من موجة الحر، نُقل 116 شخصاً إلى المستشفيات الأربعاء، بحسب مسؤولين.

وصدرت تحذيرات من خطر الإصابة بضربة شمس في معظم أنحاء البلاد التي تُعدُّ نحو 125 مليون نسمة.

وقالت وكالة الكوارث: «إن درجات الحرارة ترتفع منذ منتصف يوليو (تموز) ويتوقع بأن يتواصل الحر الشديد على مستوى البلاد».

وأضافت أن «وصف هذا الحر الشديد بالكارثة ليس مبالغةً، إذ يجري نقل كثير من الأشخاص إلى المستشفيات أو يموتون حتى بسبب ضربات الشمس».

والخميس، سجَّلت 6 مناطق على الأقل درجات حرارة بلغت 40 درجة مئوية أو أكثر بحلول بعد الظهر، بينما ارتفعت درجات الحرارة إلى 39.9 درجة مئوية في 3 مواقع أخرى.

وكانت هاماماتسو في منطقة شيزوكا (وسط) الأكثر حرّاً، إذ بلغت الحرارة 41.1 درجة مئوية.

تلتها مدينة تويوتا، مقر الشركة العملاقة لصناعة السيارات، في منطقة آيتشي المجاورة، حيث بلغت الحرارة 40.8 درجة مئوية وكوانا في ميه (40.7 درجة مئوية).

وسُجِّلت أعلى درجة حرارة على الإطلاق في اليابان في الخامس من أغسطس (آب) 2025 في إسيساكي شمال طوكيو وبلغت 41.8 درجة مئوية.

واستحدثت اليابان هذا العام مصطلحاً جديداً لوصف درجات الحرارة التي تتجاوز 40 درجة مئوية، وهو «كوكوشوبي (kokushobi)»، ويُترجم إلى «يوم شديد الحرارة بشكل قاسٍ».

ويهدف المصطلح الجديد للفت انتباه السكان بشكل أكبر إلى التحذيرات المرتبطة بالحرارة، رغم أنَّه لا يؤدي إلى اتخاذ أي إجراءات رسمية على مستوى البلاد.

«الحر يزداد»

ويقول العلماء إنَّ تغيُّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية يزيد من وتيرة وحدّة موجات الحر الشديدة في اليابان وغيرها.

سجَّلت اليابان العام الماضي الصيف الأكثر حرّاً على الإطلاق.

وقالت يسينيا غويتا (47 عاماً) التي تزور اليابان قادمة من لوس أنجليس: «تغادر الفندق عند الساعة 8.30 صباحاً... تشعر وكأنَّك في وقت الظهيرة. ومع مرور اليوم، يزداد الحر أكثر فأكثر».

وأضافت: «الآن فهمت سبب الملابس (اليابانية) الفضفاضة، ولماذا يحملون المظلات طوال الوقت. الوضع غاية في الشدّة».

أما الطالبة اليابانية ناكوشاما (24 عاماً)، فقالت: «بما أنَّ الوضع كذلك في منتصف يوليو، فلا أعرف ماذا سيحدث في أغسطس (آب). أشعر بالقلق... أحمل مروحة كبيرة مشحونة بالكامل ليكون بإمكاني تشغيلها في أي لحظة».

حريق ضخم يلتهم منطقة غابات قرب ليجي كاب فيري وحوض أركاشون بمقاطعة جيروند الفرنسية وسط تفاقم الجفاف عقب موجة حر ونقص بالمياه في معظم أنحاء فرنسا يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

حرائق غابات عنيفة في أوروبا

إلى ذلك، تواصل حرائق الغابات العنيفة التي تؤججها الرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة، اجتياح مناطق عدة في جنوب أوروبا، لا سيما في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، حيث اضطرت السلطات الخميس إلى إجلاء آلاف الأشخاص الإضافيين من منطقة سياحية.

وأسفرت الحرائق عن مقتل 3 من عناصر الإطفاء، منهم اثنان في فرنسا وواحد في إيطاليا.

وأظهرت بيانات من أقمار اصطناعية تابعة لنظام «إيفيس» حلّلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» أنَّ السنة الحالية تحتل في هذه المرحلة المرتبة الثانية من ناحية المساحات التي التهمتها الحرائق في الاتحاد الأوروبي خلال العقدين الماضيين.

وتزداد سهولة اشتعال الغابات بسبب الجفاف الشديد الذي تعاني منه النباتات والتربة منذ أشهر، وهو جفاف تفاقم بفعل موجات الحر الاستثنائية التي اجتاحت القارة في يونيو (حزيران) ويوليو.

وأكد فريق دولي من العلماء، الخميس، أنَّ التَّغيُّر المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، أدى إلى تفاقم موجة الجفاف الشديدة التي تشهدها أوروبا، وأسهم في تسجيل درجات حرارة قياسية.

وفي جنوب غربي فرنسا، يواصل عناصر الإطفاء مكافحة حريقين كبيرين، أحدهما أتى على أكثر من ألفي هكتار شمال حوض أركاشون في جيروند، وهي منطقة سياحية شهيرة بالقرب من مدينة بوردو. ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية حتى الآن.

وأجلت سلطات جيروند، الخميس، ما لا يقل عن 7 آلاف شخص بشكل احترازي، ليرتفع بذلك إجمالي عدد السكان والسياح الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وأماكن إقامتهم إلى 12 ألفاً. وشمل الإجلاء 6 مخيمات سياحية ومجمعاً سكنياً مخصصاً للعراة يقع شمال كاب فيريه.

أما الحريق الآخر الذي اندلع في حقل، ظهر الثلاثاء، فيشتعل في مقاطعة فار جنوب شرقي فرنسا، وقد أتى على نحو 2500 هكتار، وأدى إلى إجلاء نحو 400 شخص.

وقال فرانك غراسيانو، من جهاز الإطفاء والإنقاذ في مقاطعة فار: «إنَّ النهار محفوف بالمخاطر، إذ نتوقَّع أن تصل الحرارة في المناطق الداخلية إلى 45 درجة مئوية، مع اشتداد الرياح في وقت مبكر من بعد الظهر لتصل سرعتها إلى 60 كيلومتراً في الساعة».

وقال وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إن أكثر من 12500 حريق اندلع في البلاد منذ بداية العام، بينما أتت النيران على نحو 44 ألف هكتار، وهي مساحة تفوق تلك التي احترقت خلال عام 2022، عندما شهد جنوب غربي فرنسا حرائق واسعة النطاق.

وكان نونيز يتحدَّث من مركز إطفاء في بوردو، بعد لقائه عائلتي اثنين من عناصر الإطفاء قُتلا الثلاثاء خلال مكافحة حريق قرب مطار المدينة.

فريق من الحماية المدنية ينعش السياح بمدفع مائي في الكولوسيوم خلال يوم حار بروما يوم 16 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

أكثر من 40 درجة في إيطاليا

أعلن وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو بيانتيدوسي، مقتل أحد عناصر الإطفاء، الأربعاء، خلال مكافحته النيران في جنوب إيطاليا، حيث تلتهم عشرات الحرائق الغابات والنباتات في صقلية، وتؤججها الرياح الحارة.

وأفاد عناصر الإطفاء بإجلاء نحو 100 من السكان و22 مريضاً من عيادة في وسط الجزيرة، الأربعاء، حيث تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية في الأيام الأخيرة.

وقال رئيس المنطقة ريناتو شيفاني، مساء الأربعاء: «تم نشر 6 آلاف عنصر (من حراس غابات، وعناصر إطفاء، وعناصر حماية مدنية)، بالإضافة إلى 20 وسيلة جوية عاملة»، مضيفاً أنَّ نحو 50 حريقاً من 344 حريقاً تم الإبلاغ عنها الأربعاء، لا تزال مشتعلة.

وتمَّ رصد أكثر من 160 حريقاً خلال الساعات الـ24 الماضية في كالابريا المجاورة.

دخان يتصاعد جراء حريق غابات بالقرب من كونديميوس دي أريبا بمقاطعة غوادالاخارا الإسبانية في 22 يوليو 2026 (أ.ب)

موجة حرّ في إسبانيا

وأعلنت أجهزة الطوارئ، الخميس، أنَّ معظم السكان الذين تمَّ إجلاؤهم، مساء الأربعاء، بعد اندلاع حريق على بعد نحو 70 كيلومتراً جنوب غربي مدريد عاصمة إسبانيا، بات بإمكانهم العودة إلى منازلهم.

وقالت عبر منصة «إكس»: «بات يمكن لجميع الأشخاص الذين تمَّ إجلاؤهم العودة إلى منازلهم، باستثناء سكان منطقة إل إنسينار ديل ألبيرتشي»، واصفة التَّقدُّم المُحرز في مكافحة الحريق بأنه «إيجابي جداً»، رغم عدم السيطرة عليه بالكامل حتى صباح الخميس.

يقع أكبر حريق غابات على الجانب الآخر من مدريد في مقاطعة غوادالاخارا، على بُعد نحو 100 كيلومتر شمال العاصمة مدريد، وقد أتى على 32 ألف هكتار منذ الخميس الماضي.

وقالت مارا مورا (51 عاماً)، وهي من عناصر الإطفاء الذين تمَّ استدعاؤهم للمساندة في إخماد النيران: «هناك مناطق ذات قيمة بيئية كبيرة، ولن تستعيد غطاءها الشجري قبل نحو 50 عاماً».

أتى حريق هائل على نحو 15 ألف هكتار الأسبوع الماضي في مقاطعة سرقسطة في شمال شرقي البلاد. وأسفر حريق آخر عن مقتل 13 شخصاً قبل ذلك بأيام في مقاطعة ألميريا بجنوب شرقي البلاد.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

تحليل إخباري عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

يسرّع الذكاء الاصطناعي القرارات العسكرية، لكنه يثير مخاوف من أخطاء وسوء تقدير قد يقودان إلى تصعيد غير مقصود بين الدول المتنافسة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الخليج الوزراء في صورة جماعية عقب الاجتماع في مدينة نيويورك الاثنين (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على أهمية الارتقاء بالعلاقات مع فرنسا وتوسيع مجالاتها

شدَّدت دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها الداعي لضمان أمن الممرات المائية وحرية الملاحة الدولية، وضرورة الالتزام بعودة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
عالم الاعمال حفل «جوائز روبلوكس للابتكار 2026» (الشرق الأوسط)

«روبلوكس» تختتم مؤتمر مطوريها بتكريم صناع الألعاب والمحتوى

اختتمت «روبلوكس» مؤتمرها السنوي للمطورين 2026 في سان خوسيه بتكريم أبرز مطوريها وصناع المحتوى ضمن «جوائز روبلوكس للابتكار».

«الشرق الأوسط» (‎سان خوسيه (كاليفورنيا))
تحليل إخباري دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل؛ فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية...

أنطوان الحاج
آسيا ضحيتا الهجوم تلميذان و7 أشخاص على الأقل يتلقون العلاج في المستشفى (أ.ب - أرشيفية)

مقتل 3 طلاب على الأقل بإطلاق نار داخل مدرسة في جنوب الفلبين

قال مسؤولون في الفلبين إن ثلاثة طلاب لقوا حتفهم جراء إطلاق نار بمدرسة في ​جنوب البلاد، اليوم الجمعة، من بينهم مرتكب الهجوم البالغ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.


وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران أمس الاثنين إلى وقف تسليحها ودعمها للحوثيين في اليمن، معتبرين أن ذلك يمثل نمطا خطيرا من التصعيد ينذر بتقويض التجارة الدولية ويؤدي إلى عدم استقرار عالمي.

وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة في بيان صدر عقب اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة «نستنكر بأشد العبارات الضربات المستمرة وغير المقبولة التي ينفذها الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية».

وأضافوا «ندعو الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات على السفن المدنية، والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية».


ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، في نيويورك، التحدث مع دونالد ترمب «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا، وفق مصادر مقربة من ماكرون.

وأضافت المصادر ذاتها أن ماكرون سيحاول في هذا الصدد إقناع نظيره الأميركي بـ«مواصلة دعم أوكرانيا» و«زيادة الضغط على روسيا».

ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع في الساعة 17:35 بالتوقيت المحلي (21:35 بتوقيت غرينتش)، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي مقابلة مع محطة «لا بروميير» التلفزيونية، صرح ماكرون بأنه يعتزم أيضاً العمل على «تخفيف حدة التوترات المتعلقة بالرسوم الجمركية» مع الولايات المتحدة.

كما أعرب الرئيس الفرنسي عن رغبته في التوصل إلى «حل سلمي» لأزمة مضيق هرمز الذي يُعد «مفتاحاً» لتهدئة التوترات في أسواق الوقود.

وأكد عزمه طرح قضية الحرب في أوكرانيا، لما لها من تداعيات على ملف الطاقة و«أمن الأوروبيين».

وقال الرئيس الفرنسي إنه يسعى لترسيخ التقدم الذي أُحرز خلال قمة مجموعة السبع في يونيو (حزيران) الفائت في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدا أن دونالد ترمب يقترب ولو مؤقتاً من المواقف الأوروبية بشأن هذه القضية.

ويطالب الأوروبيون الولايات المتحدة بالإبقاء على التزامها بتسوية الصراع، مع مشاركة أميركية في المفاوضات جنباً إلى جنب مع أوكرانيا وأوروبا.

كما يطالبون بضمانات أمنية، أي التزام أميركي قوي بما يكفي لردع أي هجوم روسي جديد قد يلي وقفاً محتملاً لإطلاق النار.

وكان مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، قد توجها إلى كييف لأول مرة في سبتمبر (أيلول) لإحياء جهود الوساطة الأميركية في هذا النزاع الذي يُعد الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وسبق لهما زيارة روسيا مرات عدة، علماً بأن روسيا كثفت ضرباتها الجوية ضد أوكرانيا - ولا سيما العاصمة كييف - منذ فصل الصيف.

غير أن جولات عدة من المفاوضات الثلاثية باءت بالفشل في تحقيق أي تقدم ملموس في الماضي.

ويتوجه ماكرون إلى نيويورك آتياً من سان بيار وميكلون، وهي منطقة فرنسية صغيرة في شمال المحيط الأطلسي، حيث التقى الرئيس الفرنسي، الأحد، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني. ودافع الزعيمان عن سيادة بلديهما، وأكدا السعي إلى تقارب «عميق» في مواجهة «تهويل ترمب».