هل يمهّد تقبل موقف روسيا في أوكرانيا لرفع شروط تطال الاتحاد الأوروبي نفسه؟

الأوروبيون قد يعوّضون ضعفهم العسكري في وجه بوتين بحاجة الصين إلى قوتهم الاقتصادية

جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
TT

هل يمهّد تقبل موقف روسيا في أوكرانيا لرفع شروط تطال الاتحاد الأوروبي نفسه؟

جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون من اللواء 82 المجوقل لدى وصولهم إلى جنوب بولندا يوم الخميس (إ.ب.أ)

عندما التقى «رجل روسيا القوي» الرئيس فلاديمير بوتين بالزعيم الصيني شي جينبينغ، قبل يوم من افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين الأسبوع الماضي، بدا واضحا حاجته الشديدة إلى دعمه، بعدما ظهر أن خطته جراء افتعال الأزمة مع أوكرانيا، «لا تعمل» كما يشتهي.
بوتين، الذي جعل من مسائل توسّع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وطلبه إعادة الوضع في بلدان أوروبا الشرقية التي انضمت إليه، كما كان عليه قبل عام 1997، ومعارضته انضمام أوكرانيا، حججه الرئيسية وراء تصعيده العسكري بعد حشده لأكثر من 100 ألف جندي على حدودها، إلا أن الرئيس الروسي لم يتمكن من الحصول سوى على جملة واحدة من نظيره الصيني. إذ جاء في بيانهما المشترك، أن «كلا البلدين يعارضان التوسّع المستمر لحلف الناتو، ويعتقدان أنه يجب أن يتخلى عن آيديولوجية الحرب الباردة». وهذه جملة بدت ضعيفة وقاصرة عن تلبية طموح بوتين الأكثر تشدداً، في حين أن الإشارة إلى أوكرانيا لم ترد أيضا سوى مرة واحدة في البيان.

تشير معظم التحليلات إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «راهن» على «إخفاقات» سياسات الرئيس الأميركي جو بايدن في أفغانستان، ورغبة الإدارات الأميركية في تحاشي التورط في حروب جانبية، والابتعاد عن مشاكل منطقة الشرق الأوسط، لحشد طاقات الولايات المتحدة في مواجهة الصين.
كذلك راهن بوتين على «الانقسامات» بين أعضاء «ناتو»، في ظل المناقشات حول دوره ووظيفته ومستقبله، وتبرم الأميركيين من «تقاعس» أعضائه على الوفاء بالتزاماتهم المالية فيه، وكذلك على قلة رغبة الأوروبيين بالدخول في حروب جديدة تنهي Jعصر السلام» الذي عاشته القارة طوال 75 سنة، ولذا حاول استغلال هذه «الفرصة» لفرض مطالبه.
غير أن رد الفعل الصارم من الأميركيين والأوروبيين على مطالب سيد الكرملين، شكل صدمة ما كان يتوقعها. هذا الأمر أوقعه في مأزق، تشير كل الدلائل إلى أنه بات أمام خيارات صعبة للخروج منه، أحلاها مر. فالمطالبة بإغلاق الباب أمام انضمام أي عضو جديد إلى «ناتو»، من شأنه ليس فقط انتهاك الميثاق الأساسي للحلف، بل ولميثاق الأمم المتحدة وميثاق الأمن الأوروبي الذي حدّث ميثاق باريس ووقعت عليه روسيا نفسها، تشير صراحة إلى «أنه لا يمكن لأي دولة اعتبار أي جزء من القارة الأوروبية منطقة نفوذ لها». وهو بالضبط ما يسعى إليه بوتين عندما طالب «بضمانات أمنية»، عندما اتهم الغرب بتطويق روسيا.
تحليلات أخرى تشير إلى أن الرئيس الروسي، الذي يجيد مراقبة «تناقضات» خصومه، يحاول أيضاً استغلال بعض التحليلات الغربية، التي تدعو إلى إغلاق أبواب «ناتو»، بحجة أنه لم يعد يفي بالتعهد الذي قطعه عام 2008 بأن أوكرانيا وجورجيا ستنضمان في النهاية إلى الحلف، لأنهما «لن تنضما إليه في أي وقت قريب». فلماذا لا نقدم هذا التنازل لبوتين، لتفادي الهجوم العسكري الروسي، لا سيما أن زحف «ناتو» نحو حدود روسيا كان أحد المصادر الرئيسية للخلاف مع موسكو على مر السنين؟

- هاجس دول غربية التوجه إلى الحدود
ثمة مَن يرى أن الأخذ بهذه الحجج سيكون «مكافأة» لبوتين، عبر إلقاء اللوم على «ناتو». في حين أن مراجعة سلوكه منذ «صعود» روسيا تحت قيادته، تظهر أن خوفه الأساسي هو ظهور دول ناجحة ديمقراطية غربية التوجه على حدود روسيا، وخاصة، أوكرانيا التي يعتبرها جزءا من الأمة الروسية، وفق خطابه الشهير والمطول العام الماضي.
هكذا غزا بوتين جورجيا عام 2008 لإجهاض حكومتها الديمقراطية، وهاجم عام 2014 أوكرانيا وسلخ شبه جزيرة القرم منها وضمها إلى روسيا. يومذاك، لم يكن هناك دبابات ولا نشر لصواريخ أميركية أو أطلسية على أراضي أوكرانيا، رغم نشر روسيا صواريخ «إسكندر» في كالينينغراد، الجيب الروسي داخل الحدود الشرقية لـ«ناتو». بيد أن سلوك روسيا «العدواني والانتقامي»، كان السبب في شعور جيرانها بالحاجة إلى التطلع نحو الغرب، بما فيها أعضاء الحلف.
هنا يناقش العديد من الخبراء والمحللين وبعض المسؤولين الأميركيين السابقين والحاليين، بأنه من الخطأ افتراض أن بوتين سيعود عن تهديداته، من خلال التأكيد فقط على أن عضوية أوكرانيا وجورجيا، ليست مطروحة على الطاولة. ويرجحون بدلا من ذلك، أن تسليمه تلك الورقة، ستكون بمثابة تنازل وعلامة ضعف، تمهيدا لرفع شروط جديدة بحيث تشمل أي عضو في الاتحاد الأوروبي أيضاً. ثم إن مشكلة تلك البلدان مع بوتين، لم تكن عضويتها في «ناتو»، بل توقها لعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، وهي ما دفعه للتدخل في جورجيا وأوكرانيا.
بوتين يدرك أن الولايات المتحدة هي التي تقف عائقا أمام عودته لاعباً رئيسياً في أوروبا. ويرغب في استغلال تركيزها الاستراتيجي على الصين، التي تشكل الخطر الأساسي على مصالحها وموقعها الدولي، لفرض شروطه على القارة... عله يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
هذا الأسبوع، كان لافتاً سلوكه المهين بروتوكولياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اجتماعهما ومؤتمرهما الصحافي المشترك، وقول المتحدث باسم الكرملين إن الاتفاق على خريطة طريق لخفض التوترات مع أوكرانيا لن يتم إلّا مع «الجهة الحقيقية»، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
هذا يعني أن المقايضة تكون مع واشنطن، في ظل إدراكه ضعف الأوروبيين البنيوي عن بناء استقلالية أمنية، وحاجتهم المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للحماية الأميركية. غير أن حقيقة أن دولا أخرى ترغب في الانضمام لـ«ناتو»، دليل على الكلفة التي سيدفعها بوتين، وعلى نجاح الحلف في تأمين الحماية لأعضائه، على الرغم من المناقشات التي تدعو إلى قياس ما الذي حققه انضمام دول أوروبية صغيرة إلى الحلف، من فوائد اقتصادية وتنموية واجتماعية لها.

- ضعف أوروبا الأمني
أوروبا التي دفعت ثمنا باهظا في الحرب العالمية الثانية، مع مقتل أكثر من 36 مليون أوروبي، بات إنفاقها العسكري منذ عقود حذرا جدا. واليوم ومع تصاعد الضغط الروسي، يواجه الأوروبيون حقيقة مؤلمة، هي أن عليهم الاعتماد على القوة الأميركية في مواجهة أي أزمة كبيرة تمس القارة. ومع افتقارهم لأوراق الضغط على طاولة المفاوضات، يمكن لروسيا ببساطة أن تتجاهلهم. هذه حقيقة يدركها قادة الاتحاد الأوروبي، ليتحوّل معها الرئيس الأميركي إلى «الصوت الأكثر موثوقية» في مواجهة بوتين. ولذا قال جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الأوروبية الخارجية، «كان لدينا الاختيار، إمّا أن نستثمر بجدية في قدراتنا الجماعية لنكون فاعلين، أو نقبل أن نتحول إلى هدف لا طرف في السياسة الخارجية»، حسب وكالة «أسوشييتدبرس».
بعد الحرب العالمية الثانية، كان على ألمانيا وفرنسا بناء تماسك اقتصادي يجعل من الحرب أمرا مستحيلا. ورغم نمو الاتحاد الأوروبي وتحوله قوة اقتصادية عالمية، فإنه لم يطور قوة أمنية ودفاعية ونفوذا وازنا. وفي المقابل، جعل نصر الولايات المتحدة الحاسم في الحربين العالميتين، ومن ثَم تطويرها ترسانتها النووية وإطلاق إنفاقها العسكري لمواجهة الاتحاد السوفياتي، الاعتماد على قوتها أمراً سياسياً خارج النقاش في أوروبا. وتحوّل «ناتو» (أسّس عام 1949) برئاسة أميركية دائمة، إلى مظلة عسكرية تقودها واشنطن، وتؤمن الحماية للقارة التي انصرفت إلى تنميتها الداخلية، مبتعدة حتى عن الوفاء بتسديد مساهمتها المالية فيه.
حسب بوريل «غالباً ما يصف الناس الاتحاد الأوروبي بأنه عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي ودودة عسكرية. أعلم أن هذا التعبير مبتذل، إلا أنه كالعديد من الكليشيهات، فيه العديد من عناصر الحقيقة».
هذا ما أظهرته على أي حال «حروب البلقان»، وفشل جهود الأوروبيين في زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي أو حتى في دمج أنظمة الأسلحة، فضلا عن صعوبات عملية صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي. ومع توسع «الاتحاد»، بات لكل دولة على حدة، الحق في استخدام حق النقض في قضايا السياسة الخارجية والدفاع. وهو ما استغله بوتين تماماً عندما استقبل الأسبوع الماضي فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف، المهتم بتوثيق علاقاته بموسكو بأمل الحصول على إمدادات الغاز منها، بينما يبحث الأوروبيون كيفية الاستغناء عنه. وغني عن القول إن الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي يتجاوز الولايات المتحدة، ومع ذلك ينفقون معا أقل من نصف ما تنفقه واشنطن على الدفاع. ومنذ عقود يضغط الرؤساء الأميركيون على الزعماء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم وتقليص اعتمادهم على الجيش الأميركي. ووصف الرئيس السابق دونالد ترمب مرارا «ناتو» بأنه حلف «مضى عليه الزمن» داعياً إلى حله أو إعادة النظر بدوره. وحتى الرئيس الحالي جو بايدن - الذي حاول «طمأنة» الحلفاء - لا يبدو بعيدا عن ممارسة تلك الضغوط. لكنه عندما يرمي الكرة في ملعبهم، بهدف «توحيدهم» قبالة روسيا، يرى البعض أنه يرغب في المقابل بالحصول على موقف داعم في مواجهة الخصم الصيني، رغم عدم إشارته المباشرة لدور الحلف في «المواجهة»، التي تتصاعد حرارتها في منطقة المحيطين الهادي والهندي، أي خارج «اختصاص» عمل الحلف «الأطلسي».
من جانب آخر، في ندوة استضافها معهد «أميركان إنتربرايز» المحافظ قال جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، الذي يجادل بأن على واشنطن تقليص التزاماتها تجاه الحلف، «هناك ثلاث مناطق في العالم مهمة من الناحية الاستراتيجية للولايات المتحدة: أوروبا وشرق آسيا ومنطقة الخليج. لكن هل هناك قوة مهيمنة إقليميا في إحدى هذه المناطق؟». ويضيف: «أحد أسباب وجود قواتنا في أوروبا إبان الحرب الباردة هو أن التهديد السوفياتي كان يتركز فيها. اليوم لا توجد قوة مهيمنة إقليمية في أوروبا، أو في الأفق، كما لا توجد قوة مهيمنة إقليمية في الخليج... لكن هناك بالفعل قوة إقليمية مهيمنة في آسيا وهي الصين. هذا يعني أن على الولايات المتحدة تركيز كل قوتها العسكرية في شرق آسيا. هذا هو ما يهم حقاً. أوروبا لا تهم كثيرا على الإطلاق».

- الصين لن تخاطر بشراكتها الأوروبية
قد تكون مطالبة واشنطن الأوروبيين ودول «ناتو» بهذا «الثمن»، فرصة لتعويض تخلفهم الأمني والدفاعي، عبر ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصين، ولجم روسيا من ورائها. وعن «قمة» بوتين مع الزعيم الصيني للحصول على دعم اقتصادي، يعينه في مواجهة احتمال تعرضه لعقوبات غربية، يرى تقرير لـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» أن الرئيس الروسي لم ينجز الكثير. وبدا واضحا أن الصين لا تريد المخاطرة بالإضرار بعلاقاتها المتوترة أصلاً مع أوروبا، لا سيما بالنظر إلى المخاوف المتزايدة بشأن التباطؤ الاقتصادي السريع في الصين. فالصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مجتمعة، تبلغ 10 أضعاف الصادرات إلى روسيا. ومع القيود المتزايدة على نقل التكنولوجيا والاستثمارات الصينية، فضلا عن الدعوات القوية لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد من الصين، فإن آخر ما يريده الزعيم شي، هو أن يواجه الاقتصاد الصيني عقوبات محتملة إذا دعم علنا غزو أوكرانيا.
ورغم حاجة الصين إلى الطاقة، فإن روسيا تعتمد على الصين أكثر بكثير من اعتماد الأخيرة عليها، فيما موسكو قد تكون بحاجة يائسة لزبائن جدد لنفطها وغازها إذا فُرضت عليها عقوبات. وهنا يشير معلقون صينيون إلى خطر تنفير الشركاء الأوروبيين، الذين تعد أهميتهم الاقتصادية لتنمية الصين أكبر بما لا يقاس مما تقدمه روسيا. وبعيدا عن حرص شي حالياً، على تجنب تخريب الألعاب الأولمبية الشتوية، فهو لا يريد أن يُجر إلى صراع بعيد، في ظل بيانات اقتصادية مفاجئة، كشفت مؤخراً عن تصدعات خطيرة في النموذج الاقتصادي الصيني، ما أثار الشكوك بصعود هذا النموذج.
ثم إن أي هجوم روسي على أوكرانيا ورد الفعل الغربي بعقوبات، قد يصدم أسواق الطاقة والسلع الأخرى ويؤثر بشدة على المعنويات الاقتصادية العالمية. ومع تشديد الحزب الشيوعي الصيني على أن الاستقرار الاقتصادي لا يزال يمثل أولوية قصوى لهذا العام، فإن الحرب المحتملة في أوروبا يمكن أن تسرّع التباطؤ الاقتصادي السريع أصلاً في الصين، وتجعل أهداف النمو المتفائلة للغاية أقل قابلية للتحقيق. وهذا بدوره من شأنه أن يقوض أحد أهم أهداف الزعيم الصيني، الطامع بخمس سنوات جديدة في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
بالتالي، يرى البعض فرصة للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين لاستغلال احتكاكات العلاقة الصينية الروسية، عبر التهديد باستهداف المصالح الاقتصادية للصين في أوروبا. فالتناقض الناشئ عن اعتماد الصين الاقتصادي المتزايد على أوروبا وعلاقاتها الوثيقة مع روسيا، بعدما أصبح بوتين أكثر عدوانية في علاقاته مع الغرب، يمنح واشنطن وحلفاءها الأوروبيين نفوذاً قد يكون حاسما في توحيد الأوروبيين ضده. فاللعب على هذا الاختلاف في المصالح الروسية والصينية، وتحذير الصين علنا، من تدخلها في شؤون «ناتو» ودعم العدوان الروسي في أوروبا، قد يعطي الأوروبيين موقعا مهما، خاصةً إذا ما هددوا بإعادة تقييم تعاونهم الاقتصادي مع الصين، بما في ذلك التزاماتهم بـ«مبادرة الحزام والطريق» ما لم تتراجع بكين عن دعم بوتين.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.