مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجراء دورها الأول يوم 18 أبريل (نيسان) 2027 ودورها الثاني يوم 2 مايو (أيار)، ما عاد النقاش في باريس يدور حول احتمال نظري يتعلّق بـ«تدخّل قوى أجنبية» في العملية الانتخابية، بل حول وقائع محدّدة، بعضها معلن وبعضها موثّق في تقارير صحافية ووثائق حكومية. وهذه الوقائع تشير إلى انتقال اليمين الأميركي المحافظ المرتبط بحركة «ماغا» من التأثير الفكري العام إلى محاولة التأثير المباشر في البيئة السياسية الأوروبية، وعلى وجه الخصوص في فرنسا.
بدأت أحدث فصول القضية في 15 يوليو (تموز) 2026، حين كتب «التريليونير» إيلون ماسك على منصة «إكس»، التي يملكها، أن مارين لوبان هي «الأمل الأخير لفرنسا». وأعاد نشر رسالة تزعم أن أرقامها في استطلاعات الرأي ارتفعت بصورة حادة.
ما كان المنشور صادراً عن ناشط عادي بل عن أغنى أغنياء العالم، والرجل الذي يملك واحدة من أكثر المنصّات تأثيراً في «تشكيل» النقاش السياسي العالمي، ويتابعه مئات الملايين. والأهم من هذا كله، أنه كان مستشاراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وأحد أبرز وجوه الدائرة المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة.
دعم اليمين الألماني
جدير بالذكر أنه سبق لماسك أن تدخّل في السياسة الأوروبية دعماً لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف، كما دافع عن لوبان في أثناء إجراءاتها القضائية، لكنه كان قد تجنب قبل يوليو إعلان تأييد مباشر لحملتها الرئاسية. ولذا اعتبرت صحف فرنسية وأوروبية أن تغريدته تمثل انتقالاً من التعاطف الآيديولوجي إلى الانخراط الانتخابي المباشر.
صحيفة «لو باريزيان» كتبت أن ماسك لم يكتفِ بتأييد المرشحة، بل أعاد نشر أرقام انتخابية ورسالة تعبئة سياسية على شبكته الخاصة. وبعد تغريدة ماسك، رد وزير الخارجية جان نويل بارو فدعا «التريليونير» المسيّس إلى «مراجعة موقفه»، وكتب له بالإنجليزية على موقع «إكس» مناشداً: «كما نقول بالفرنسية: الحمقى وحدهم لا يغيرون آراءهم». في حين قال المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون: «لقد بدأ موسم التدخّلات»، مضيفاً أن تأييد ماسك للوبان حقه الشخصي، لكن على السلطات أن تضمن ألا تقوم خوارزمية «إكس» بتفضيل مرشح على آخر.
أما على يسار المشهد، فقد وصف أنطوان ليومونت، النائب عن حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري ما نشره ماسك بأنه «تدخّل أجنبي بدأ من أجل الانتخابات الرئاسية». وطالب «الهيئة الناظمة للاتصال السمعي البصري والرقمي» (أركوم) بالتحرّك قبل أن تتحوّل المنصّات إلى أدوات للتلاعب بالاقتراع. ومن جهتها، رأت النائبة الأوروبية ناتالي لوازو، المنتمية إلى التيار الليبرالي المؤيد لأوروبا، أن على الفرنسيين أن يتأمّلوا هوية من يدعم لوبان «أغنى رجل في العالم، وبطل الربح بأي ثمن، والرجل الذي يتحدّى القوانين الأوروبية ويدعم أكثر الأحزاب تطرّفاً في أوروبا، والذي تصالح مع دونالد ترمب».
في هذه الأثناء، حاول حزب «التجمّع الوطني» («الجبهة الوطنية» سابقاً) اليميني المتشدّد الذي تتزعّمه لوبان، النأي بنفسه عن التأييد الأميركي، فقال لوران جاكوبيلي، الناطق باسم الحزب ونائبه في الجمعية الوطنية (البرلمان)، إن لماسك ملء الحق في التعبير عن رأيه، لكن الحزب «لا يطلب دعماً من الخارج». وبهذا الموقف حاولت قيادة الحزب تقديم دعم ماسك بوصفه مبادرة شخصية لا علاقة تنظيمية لها بالحملة.

برنامج المنح الأميركي... التمويل جزء من المشكلة
ولكن، بغض النظر عما سبق، فإن الواقعة الأكثر حساسية لا تتمثل في منشور علني، بل في برنامج منح أطلقته وزارة الخارجية الأميركية عبر مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل DRL لدعم منظّمات أوروبية تعمل في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان. مع التركيز على مواضيع مثل السيادة الوطنية والهجرة والرقابة، ولقد استُبعدت المنظمات الفرنسية، تحديداً، من هذا البرنامج قبل انتخابات رئاسية حاسمة في فرنسا، تفادياً لاتهامات بالتدخّل الأجنبي، غير أن ذلك لا يلغي احتمال ممارسة تأثير غير مباشر عبر شبكات تعمل في دول أوروبية أخرى.
فبحسب تقارير لوكالة «رويترز»، خصّصت الإدارة الأميركية حزمة تمويلية لا تقل عن 25 مليون دولار لمجموعات مدنية تعمل على قضايا محافظة في أوروبا، بينها مبلغ ثلاثة ملايين دولار خصّص لتوثيق وتحليل «تراجع الديمقراطية» في أوروبا بما يتصل بالهجرة غير النظامية وبيئة الإعلام المستقل، ومليون دولار لإنشاء «تحالف صحافيين مستقلين» يغطّون قضايا السيادة الوطنية والحقوق الطبيعية والحرية الدينية. ومعلومٌ أن هذه المواضيع تتقاطع مع أجندات أحزاب اليمين المتطرف والصعود الذي حققته في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر وبولندا، حيث وجدت منصّات إعلامية ومراكز أبحاث موالية لهذه التوجّهات أرضاً خصبة لاستقبال تمويل يهدف إلى تعزيز خطاب يربط بين الهجرة وتآكل السيادة وسيادة القانون.
أما آلية التدخّل، حتى مع استبعاد فرنسا رسمياً، فتكمن في أن التمويل لا يحتاج إلى عبور الحدود نحو باريس ليُحدث أثراً في النقاش الفرنسي. ذلك أن مراكز أبحاث في بروكسل أو برلين أو روما قد تنتج تقارير عن الهجرة والسيادة تُترجم وتُروّج في وسائل إعلام فرنسية، ومؤتمرات تنظّمها مؤسّسات مموَّلة تستضيف مرشّحين أو مفكّرين فرنسيين، وشبكات مؤثّرين تعيد صياغة هذه المضامين في حملات رقمية تصل إلى الناخب الفرنسي مباشرة. وهكذا، يتغيّر مناخ الرأي العام وتُعاد صياغة أولويات النقاش قبل الاقتراع، من دون تحويل دولار واحد إلى حساب حملة انتخابية فرنسية، الأمر الذي يجعل التمويل أداة تأثير سياسي غير مباشر، حتى لو كان معلَناً وخاضعاً لرقابة شكلية.
التحوّل السياسي
في فرنسا يغيّر توازنات «الاتحاد الأوروبي»
في قضايا الدفاع والهجرة والعقوبات والعلاقة مع واشنطن
مَن يدير النفوذ؟ ولماذا تُستهدَف فرنسا؟
وفق متابعين، تظهر منظومة «ماغا» في صورة شبكة واسعة تضم مسؤولين أميركيين، ورجال أعمال، ومنصّات رقمية، ومؤسسات بحثية، وناشطين محافظين، ووسائل إعلام وشخصيات سياسية أوروبية. ويرى هؤلاء أن فرنسا تشكّل هدفاً مهماً لهذه الشبكة؛ لأنها الدولة الأوروبية التي يمكن لتحوّلها السياسي أن يغيّر توازنات «الاتحاد الأوروبي» في قضايا الدفاع والهجرة والعقوبات والعلاقة مع واشنطن.
وحقاً، أشار تحليل نشرته صحيفة «لوموند» أخيراً إلى أن المرشحين الفرنسيين المنافسين لمارين لوبان بدأوا ينقلون معركتهم إلى مجال السياسة الخارجية؛ لأنهم يعتقدون أن قرب «التجمع الوطني» من الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين يمثل نقطة ضعف يُمكن استثمارها. وفي هذا الاتجاه قالت زعيمة حزب «الخضر» مارين تونديلييه، في كلمة لها بمدينة ستراسبورغ - بأقصى شمال شرقي فرنسا - إنه سيكون للانتخابات الفرنسية أثر كبير في أوروبا، وبالتالي، «ليس من قبيل المصادفة أن يبدي إيلون ماسك وفلاديمير بوتين ودونالد ترمب هذا القدر من الاهتمام بها».
كذلك، جاء في مقال نشرته صحيفة «لوموند» في موقعها الناطق باللغة الإنجليزية، أن فرنسا تُعد الآن هدفاً رئيساً للحملة الآيديولوجية التي تقودها حركة «ماغا» في أوروبا. ورأت أن التقارب بين حزب «التجمّع الوطني» والحركة اليمينية الأميركية لم يعُد مجرّد إعجاب متبادل، بل بات يظهر في المواقف المتعلقة بالهجرة، والسيادة، والاتحاد الأوروبي.

ثلاثة دوافع
وتتقاطع هنا ثلاثة دوافع:الدافع الأول «جيو - سياسي»؛ لأن صعود حكومة فرنسية قومية قد يضعف مشروع «التكامل الأوروبي» ويعزّز فكرة أوروبا مؤلفة من دول قومية متصارعة، وهي رؤية أكثر انسجاماً مع تصوّر ترمب للعلاقات الدولية.
والدافع الثاني اقتصادي وتكنولوجي؛ لأن ماسك وشركات التكنولوجيا الأميركية في صدام مستمر مع القواعد والأنظمة الأوروبية المتعلّقة بضبط المنصّات الرقمية وحماية البيانات والمنافسة؛ ومن ثم، فإن دعم القوى التي تصف التنظيم الأوروبي بأنه «رقابة» يمكن أن يخدم مصالح تجارية إلى جانب أهداف سياسية.
والدافع الثالث آيديولوجي؛ إذ تريد الدوائر المحافظة الأميركية نقل معركتها ضد الليبرالية الثقافية، والهجرة، والمؤسسات القضائية، ووسائل الإعلام التقليدية إلى الساحة الأوروبية.
في الواقع، لا يعني هذا أن مشاكل الهجرة أو أزمة الثقة بالمؤسسات الفرنسية... «صناعة أميركية».
طبعاً، لا، فهذه قضايا حقيقية متجذّرة في المجتمع الفرنسي. لكن الخبراء يميّزون بين إنتاج الأزمة واستثمارها. فالقوة الأجنبية لا تحتاج إلى اختراع الانقسام، بل يكفيها أن تضخّمه، وتمنحه لغة موحّدة، وتربطه بشبكات إعلامية ورقمية قادرة على الوصول السريع إلى الناخبين.
«المناطق الرمادية»
تأتي التحذيرات الحكومية في وقت تتزايد فيه مخاوف الباحثين من استغلال الذكاء الاصطناعي والمنصّات الرقمية في الانتخابات؛ إذ ترى أوفيلي كويلو، الباحثة المرتبطة بـ«معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» (إيريس) والمتخصصة في الجغرافيا السياسية الرقمية، أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتسريع إنتاج الأخبار الكاذبة، بل يخفّض كلفة تصنيعها وتخصيصها لجمهور معين. ومن ثم، يسهل إنتاج آلاف الرسائل المختلفة حول المرشح نفسه، بحيث يتلقى كل جمهور الرواية التي تناسب مخاوفه: الهجرة للناخب القلِق من الأمن، والرقابة للناخب المحافظ، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات الغاضبة من الحكومة.
أما جولي مارتينيز، المديرة العامة لمركز «فرنسا الإيجابية» ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي والأخبار الكاذبة»، فقد شاركت في نقاش برلماني، وحذّرت من أن المواطن قد يجد نفسه أمام محتوى يبدو صحافياً أو شخصياً، لكنه في الحقيقة مُنتج آلياً ومصمّم للتأثير في اختياره. ويكمن الخطر في أن «الرسالة الكاذبة» لا تحتاج إلى إقناع الجميع، بل يكفي أن تصل إلى فئة صغيرة في دوائر انتخابية متقاربة، أو أن تزرع شبهة مستمرة حول نزاهة مرشح أو مؤسسة.
وبالفعل، في يوليو الماضي، أثار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي جدلاً حول «المناطق الرمادية في الإعلام»، واقترح إنشاء مرصد مستقلٍّ للتضليل الداخلي، إلى جانب تعزيز صلاحيات «الهيئة الناظمة لتنظيم السمعي البصري والرقمي» (أركوم). ولفت التقرير إلى أن فرنسا تملك جهاز «فيجينوم» لرصد التلاعبات الرقمية الأجنبية، لكنها لا تملك آلية مماثلة لرصد العمليات المنظمة التي تنطلق من الداخل أو تختلط فيها مصادر داخلية بأموال وشبكات خارجية.
تحذيرات ...
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو حاول طمأنة الأحزاب إلى أن الدولة لا تستهدف تياراً سياسياً بعينه، لكنه حذّر في مؤتمر صحافي من «تهديدات ثقيلة» يمكن أن تطال الانتخابات الرئاسية. وأضاف أن الحكومة ستقترح مشروع قانون يضاعف ثلاث مرّات العقوبات المفروضة على نشر المحتويات الكاذبة خلال الفترة الانتخابية، مع استحداث إجراء قضائي عاجل للتعامل مع المواد المزيفة المنتشرة على الشبكات الاجتماعية. وفي جلسات لمجلس الشيوخ، ربط نواب من اليمين والوسط بين حماية الانتخابات وتقليل اعتماد المرشحين على الأموال الأجنبية.
واستجابةً لمخاوف تتعلق بتمويل الحملات، بحثت الحكومة مع المصارف الفرنسية تسهيل حصول المرشحين على القروض، لأن الاستعانة بمؤسّسات مصرفية فرنسية أو أوروبية تقلّل احتمال تعرّض الحملات لضغوط أو تمويل خارجي. ولقد أكدت مصالح رئيس الوزراء أن توفير تمويل فرنسي لجميع المرشحين، بصرف النظر عن انتمائهم السياسي، ضروري لضمان سلامة العملية الانتخابية.
لكن بعض أصوات اليمين حذّرت من أن تتحوّل مكافحة التدخل إلى ذريعة للرقابة السياسية. وظهر هذا في الجدل الذي أثاره تقرير مجلس الشيوخ حول «التدخلات الداخلية»؛ إذ اعترض عدد من أعضائه على توسيع تعريف «التضليل» بحيث يشمل الآراء المثيرة للجدل أو الحملات المحلية، خشية أن تتحول هيئة جديدة إلى أداة لمراقبة الخطاب السياسي.
في المقابل، يدفع اليسار باتجاه رقابة أشد على المنصّات. وكانت مارين تونديلييه زعيمة «الخضر» قد دعت صراحةً إلى منع منصة «إكس» من التأثير في الحملات الانتخابية، أو إلى فرض قيود قوية على عملها إبّان الفترة الانتخابية، فردّ عليها ماسك مطالباً، وفق ما أوردته الصحافة الأوروبية، بـ«إسكاتها» بعدما اتهمها بـ«الخيانة»، وهو ما كشف عن أن النفوذ ما عاد يقتصر على تأييد مرشح، بل بات يشمل مهاجمة خصومه مباشرة.

اختبار مزدوج للديمقراطية الفرنسية
تثبت الوقائع المتاحة حتى الآن ثلاثة أمور:
أولاً، أن شخصية أميركية ذات نفوذ عالمي دعمت علناً مرشحة فرنسية بعينها على منصة تملك خوارزمياتها.
وثانياً، أن الحكومة الأميركية درست تمويل منظمات أوروبية ذات أجندة قريبة من أولويات اليمين المحافظ، ثم استبعدت المنظمات الفرنسية بسبب مخاوف التدخل الانتخابي.
وثالثاً، أن الحكومة الفرنسية والبرلمان وأجهزة الرصد يتعاملون مع البيئة الرقمية بوصفها مجالاً فعلياً لمحاولات التأثير والتلاعب. لذلك تبدو انتخابات 2027 اختباراً مزدوجاً لفرنسا: فهو من جهة اختبار لقدرة المؤسسات على حماية الناخب من التلاعب، ومن جهة ثانية اختبار لقدرتها على فعل ذلك من دون مصادرة حرية التعبير. إن القاعدة الديمقراطية لا تقتضي، حتماً، بإسكات إيلون ماسك أو مارين لوبان أو خصومهما، لكنها تقتضي الكشف عن مصادر التمويل، ومراقبة الخوارزميات، وتمييز الإعلان السياسي عن الخبر الصحافي، وإلزام المنصّات بإتاحة المعلومات عن الحملات المنسّقة. بيد أن الخطر الأكبر، كما رأى محللو «لوموند»، ليس أن يفرض طرف أجنبي مرشحاً بعينه، بل أنْ يقنع الفرنسيين بأن الانتخابات نفسها ما عادت قادرة على إنتاج إرادة حرة.


