حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.


مقالات ذات صلة

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

حصاد الأسبوع جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها

محمد الريس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار

كوثر وكيل (لندن)
حصاد الأسبوع هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجراء دورها الأول يوم 18 أبريل (نيسان) 2027 ودورها الثاني يوم 2 مايو (أيار)، ما عاد النقاش في باريس يدور

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية

راغدة بهنام (برلين)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية. لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد. هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال. من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط. إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة. وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟
TT

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجراء دورها الأول يوم 18 أبريل (نيسان) 2027 ودورها الثاني يوم 2 مايو (أيار)، ما عاد النقاش في باريس يدور حول احتمال نظري يتعلّق بـ«تدخّل قوى أجنبية» في العملية الانتخابية، بل حول وقائع محدّدة، بعضها معلن وبعضها موثّق في تقارير صحافية ووثائق حكومية. وهذه الوقائع تشير إلى انتقال اليمين الأميركي المحافظ المرتبط بحركة «ماغا» من التأثير الفكري العام إلى محاولة التأثير المباشر في البيئة السياسية الأوروبية، وعلى وجه الخصوص في فرنسا.

بدأت أحدث فصول القضية في 15 يوليو (تموز) 2026، حين كتب «التريليونير» إيلون ماسك على منصة «إكس»، التي يملكها، أن مارين لوبان هي «الأمل الأخير لفرنسا». وأعاد نشر رسالة تزعم أن أرقامها في استطلاعات الرأي ارتفعت بصورة حادة.

ما كان المنشور صادراً عن ناشط عادي بل عن أغنى أغنياء العالم، والرجل الذي يملك واحدة من أكثر المنصّات تأثيراً في «تشكيل» النقاش السياسي العالمي، ويتابعه مئات الملايين. والأهم من هذا كله، أنه كان مستشاراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب وأحد أبرز وجوه الدائرة المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة.

دعم اليمين الألماني

جدير بالذكر أنه سبق لماسك أن تدخّل في السياسة الأوروبية دعماً لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف، كما دافع عن لوبان في أثناء إجراءاتها القضائية، لكنه كان قد تجنب قبل يوليو إعلان تأييد مباشر لحملتها الرئاسية. ولذا اعتبرت صحف فرنسية وأوروبية أن تغريدته تمثل انتقالاً من التعاطف الآيديولوجي إلى الانخراط الانتخابي المباشر.

صحيفة «لو باريزيان» كتبت أن ماسك لم يكتفِ بتأييد المرشحة، بل أعاد نشر أرقام انتخابية ورسالة تعبئة سياسية على شبكته الخاصة. وبعد تغريدة ماسك، رد وزير الخارجية جان نويل بارو فدعا «التريليونير» المسيّس إلى «مراجعة موقفه»، وكتب له بالإنجليزية على موقع «إكس» مناشداً: «كما نقول بالفرنسية: الحمقى وحدهم لا يغيرون آراءهم». في حين قال المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون: «لقد بدأ موسم التدخّلات»، مضيفاً أن تأييد ماسك للوبان حقه الشخصي، لكن على السلطات أن تضمن ألا تقوم خوارزمية «إكس» بتفضيل مرشح على آخر.

أما على يسار المشهد، فقد وصف أنطوان ليومونت، النائب عن حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري ما نشره ماسك بأنه «تدخّل أجنبي بدأ من أجل الانتخابات الرئاسية». وطالب «الهيئة الناظمة للاتصال السمعي البصري والرقمي» (أركوم) بالتحرّك قبل أن تتحوّل المنصّات إلى أدوات للتلاعب بالاقتراع. ومن جهتها، رأت النائبة الأوروبية ناتالي لوازو، المنتمية إلى التيار الليبرالي المؤيد لأوروبا، أن على الفرنسيين أن يتأمّلوا هوية من يدعم لوبان «أغنى رجل في العالم، وبطل الربح بأي ثمن، والرجل الذي يتحدّى القوانين الأوروبية ويدعم أكثر الأحزاب تطرّفاً في أوروبا، والذي تصالح مع دونالد ترمب».

في هذه الأثناء، حاول حزب «التجمّع الوطني» («الجبهة الوطنية» سابقاً) اليميني المتشدّد الذي تتزعّمه لوبان، النأي بنفسه عن التأييد الأميركي، فقال لوران جاكوبيلي، الناطق باسم الحزب ونائبه في الجمعية الوطنية (البرلمان)، إن لماسك ملء الحق في التعبير عن رأيه، لكن الحزب «لا يطلب دعماً من الخارج». وبهذا الموقف حاولت قيادة الحزب تقديم دعم ماسك بوصفه مبادرة شخصية لا علاقة تنظيمية لها بالحملة.

إيلون ماسك (أ.ف.ب)

برنامج المنح الأميركي... التمويل جزء من المشكلة

ولكن، بغض النظر عما سبق، فإن الواقعة الأكثر حساسية لا تتمثل في منشور علني، بل في برنامج منح أطلقته وزارة الخارجية الأميركية عبر مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل DRL لدعم منظّمات أوروبية تعمل في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان. مع التركيز على مواضيع مثل السيادة الوطنية والهجرة والرقابة، ولقد استُبعدت المنظمات الفرنسية، تحديداً، من هذا البرنامج قبل انتخابات رئاسية حاسمة في فرنسا، تفادياً لاتهامات بالتدخّل الأجنبي، غير أن ذلك لا يلغي احتمال ممارسة تأثير غير مباشر عبر شبكات تعمل في دول أوروبية أخرى.

فبحسب تقارير لوكالة «رويترز»، خصّصت الإدارة الأميركية حزمة تمويلية لا تقل عن 25 مليون دولار لمجموعات مدنية تعمل على قضايا محافظة في أوروبا، بينها مبلغ ثلاثة ملايين دولار خصّص لتوثيق وتحليل «تراجع الديمقراطية» في أوروبا بما يتصل بالهجرة غير النظامية وبيئة الإعلام المستقل، ومليون دولار لإنشاء «تحالف صحافيين مستقلين» يغطّون قضايا السيادة الوطنية والحقوق الطبيعية والحرية الدينية. ومعلومٌ أن هذه المواضيع تتقاطع مع أجندات أحزاب اليمين المتطرف والصعود الذي حققته في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر وبولندا، حيث وجدت منصّات إعلامية ومراكز أبحاث موالية لهذه التوجّهات أرضاً خصبة لاستقبال تمويل يهدف إلى تعزيز خطاب يربط بين الهجرة وتآكل السيادة وسيادة القانون.

أما آلية التدخّل، حتى مع استبعاد فرنسا رسمياً، فتكمن في أن التمويل لا يحتاج إلى عبور الحدود نحو باريس ليُحدث أثراً في النقاش الفرنسي. ذلك أن مراكز أبحاث في بروكسل أو برلين أو روما قد تنتج تقارير عن الهجرة والسيادة تُترجم وتُروّج في وسائل إعلام فرنسية، ومؤتمرات تنظّمها مؤسّسات مموَّلة تستضيف مرشّحين أو مفكّرين فرنسيين، وشبكات مؤثّرين تعيد صياغة هذه المضامين في حملات رقمية تصل إلى الناخب الفرنسي مباشرة. وهكذا، يتغيّر مناخ الرأي العام وتُعاد صياغة أولويات النقاش قبل الاقتراع، من دون تحويل دولار واحد إلى حساب حملة انتخابية فرنسية، الأمر الذي يجعل التمويل أداة تأثير سياسي غير مباشر، حتى لو كان معلَناً وخاضعاً لرقابة شكلية.

 التحوّل السياسي

في فرنسا يغيّر توازنات «الاتحاد الأوروبي» 

في قضايا الدفاع والهجرة والعقوبات والعلاقة مع واشنطن

مَن يدير النفوذ؟ ولماذا تُستهدَف فرنسا؟

وفق متابعين، تظهر منظومة «ماغا» في صورة شبكة واسعة تضم مسؤولين أميركيين، ورجال أعمال، ومنصّات رقمية، ومؤسسات بحثية، وناشطين محافظين، ووسائل إعلام وشخصيات سياسية أوروبية. ويرى هؤلاء أن فرنسا تشكّل هدفاً مهماً لهذه الشبكة؛ لأنها الدولة الأوروبية التي يمكن لتحوّلها السياسي أن يغيّر توازنات «الاتحاد الأوروبي» في قضايا الدفاع والهجرة والعقوبات والعلاقة مع واشنطن.

وحقاً، أشار تحليل نشرته صحيفة «لوموند» أخيراً إلى أن المرشحين الفرنسيين المنافسين لمارين لوبان بدأوا ينقلون معركتهم إلى مجال السياسة الخارجية؛ لأنهم يعتقدون أن قرب «التجمع الوطني» من الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين يمثل نقطة ضعف يُمكن استثمارها. وفي هذا الاتجاه قالت زعيمة حزب «الخضر» مارين تونديلييه، في كلمة لها بمدينة ستراسبورغ - بأقصى شمال شرقي فرنسا - إنه سيكون للانتخابات الفرنسية أثر كبير في أوروبا، وبالتالي، «ليس من قبيل المصادفة أن يبدي إيلون ماسك وفلاديمير بوتين ودونالد ترمب هذا القدر من الاهتمام بها».

كذلك، جاء في مقال نشرته صحيفة «لوموند» في موقعها الناطق باللغة الإنجليزية، أن فرنسا تُعد الآن هدفاً رئيساً للحملة الآيديولوجية التي تقودها حركة «ماغا» في أوروبا. ورأت أن التقارب بين حزب «التجمّع الوطني» والحركة اليمينية الأميركية لم يعُد مجرّد إعجاب متبادل، بل بات يظهر في المواقف المتعلقة بالهجرة، والسيادة، والاتحاد الأوروبي.

مارين لوبان (أ.ف.ب)

ثلاثة دوافع

وتتقاطع هنا ثلاثة دوافع:الدافع الأول «جيو - سياسي»؛ لأن صعود حكومة فرنسية قومية قد يضعف مشروع «التكامل الأوروبي» ويعزّز فكرة أوروبا مؤلفة من دول قومية متصارعة، وهي رؤية أكثر انسجاماً مع تصوّر ترمب للعلاقات الدولية.

والدافع الثاني اقتصادي وتكنولوجي؛ لأن ماسك وشركات التكنولوجيا الأميركية في صدام مستمر مع القواعد والأنظمة الأوروبية المتعلّقة بضبط المنصّات الرقمية وحماية البيانات والمنافسة؛ ومن ثم، فإن دعم القوى التي تصف التنظيم الأوروبي بأنه «رقابة» يمكن أن يخدم مصالح تجارية إلى جانب أهداف سياسية.

والدافع الثالث آيديولوجي؛ إذ تريد الدوائر المحافظة الأميركية نقل معركتها ضد الليبرالية الثقافية، والهجرة، والمؤسسات القضائية، ووسائل الإعلام التقليدية إلى الساحة الأوروبية.

في الواقع، لا يعني هذا أن مشاكل الهجرة أو أزمة الثقة بالمؤسسات الفرنسية... «صناعة أميركية».

طبعاً، لا، فهذه قضايا حقيقية متجذّرة في المجتمع الفرنسي. لكن الخبراء يميّزون بين إنتاج الأزمة واستثمارها. فالقوة الأجنبية لا تحتاج إلى اختراع الانقسام، بل يكفيها أن تضخّمه، وتمنحه لغة موحّدة، وتربطه بشبكات إعلامية ورقمية قادرة على الوصول السريع إلى الناخبين.

«المناطق الرمادية»

تأتي التحذيرات الحكومية في وقت تتزايد فيه مخاوف الباحثين من استغلال الذكاء الاصطناعي والمنصّات الرقمية في الانتخابات؛ إذ ترى أوفيلي كويلو، الباحثة المرتبطة بـ«معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» (إيريس) والمتخصصة في الجغرافيا السياسية الرقمية، أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتسريع إنتاج الأخبار الكاذبة، بل يخفّض كلفة تصنيعها وتخصيصها لجمهور معين. ومن ثم، يسهل إنتاج آلاف الرسائل المختلفة حول المرشح نفسه، بحيث يتلقى كل جمهور الرواية التي تناسب مخاوفه: الهجرة للناخب القلِق من الأمن، والرقابة للناخب المحافظ، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات الغاضبة من الحكومة.

أما جولي مارتينيز، المديرة العامة لمركز «فرنسا الإيجابية» ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي والأخبار الكاذبة»، فقد شاركت في نقاش برلماني، وحذّرت من أن المواطن قد يجد نفسه أمام محتوى يبدو صحافياً أو شخصياً، لكنه في الحقيقة مُنتج آلياً ومصمّم للتأثير في اختياره. ويكمن الخطر في أن «الرسالة الكاذبة» لا تحتاج إلى إقناع الجميع، بل يكفي أن تصل إلى فئة صغيرة في دوائر انتخابية متقاربة، أو أن تزرع شبهة مستمرة حول نزاهة مرشح أو مؤسسة.

وبالفعل، في يوليو الماضي، أثار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي جدلاً حول «المناطق الرمادية في الإعلام»، واقترح إنشاء مرصد مستقلٍّ للتضليل الداخلي، إلى جانب تعزيز صلاحيات «الهيئة الناظمة لتنظيم السمعي البصري والرقمي» (أركوم). ولفت التقرير إلى أن فرنسا تملك جهاز «فيجينوم» لرصد التلاعبات الرقمية الأجنبية، لكنها لا تملك آلية مماثلة لرصد العمليات المنظمة التي تنطلق من الداخل أو تختلط فيها مصادر داخلية بأموال وشبكات خارجية.

تحذيرات ...

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو حاول طمأنة الأحزاب إلى أن الدولة لا تستهدف تياراً سياسياً بعينه، لكنه حذّر في مؤتمر صحافي من «تهديدات ثقيلة» يمكن أن تطال الانتخابات الرئاسية. وأضاف أن الحكومة ستقترح مشروع قانون يضاعف ثلاث مرّات العقوبات المفروضة على نشر المحتويات الكاذبة خلال الفترة الانتخابية، مع استحداث إجراء قضائي عاجل للتعامل مع المواد المزيفة المنتشرة على الشبكات الاجتماعية. وفي جلسات لمجلس الشيوخ، ربط نواب من اليمين والوسط بين حماية الانتخابات وتقليل اعتماد المرشحين على الأموال الأجنبية.

واستجابةً لمخاوف تتعلق بتمويل الحملات، بحثت الحكومة مع المصارف الفرنسية تسهيل حصول المرشحين على القروض، لأن الاستعانة بمؤسّسات مصرفية فرنسية أو أوروبية تقلّل احتمال تعرّض الحملات لضغوط أو تمويل خارجي. ولقد أكدت مصالح رئيس الوزراء أن توفير تمويل فرنسي لجميع المرشحين، بصرف النظر عن انتمائهم السياسي، ضروري لضمان سلامة العملية الانتخابية.

لكن بعض أصوات اليمين حذّرت من أن تتحوّل مكافحة التدخل إلى ذريعة للرقابة السياسية. وظهر هذا في الجدل الذي أثاره تقرير مجلس الشيوخ حول «التدخلات الداخلية»؛ إذ اعترض عدد من أعضائه على توسيع تعريف «التضليل» بحيث يشمل الآراء المثيرة للجدل أو الحملات المحلية، خشية أن تتحول هيئة جديدة إلى أداة لمراقبة الخطاب السياسي.

في المقابل، يدفع اليسار باتجاه رقابة أشد على المنصّات. وكانت مارين تونديلييه زعيمة «الخضر» قد دعت صراحةً إلى منع منصة «إكس» من التأثير في الحملات الانتخابية، أو إلى فرض قيود قوية على عملها إبّان الفترة الانتخابية، فردّ عليها ماسك مطالباً، وفق ما أوردته الصحافة الأوروبية، بـ«إسكاتها» بعدما اتهمها بـ«الخيانة»، وهو ما كشف عن أن النفوذ ما عاد يقتصر على تأييد مرشح، بل بات يشمل مهاجمة خصومه مباشرة.

ناخب يدلي بصوته بالجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية المبكرة بفرنسا داخل مركز اقتراع في باريس (إ.ب.أ)

اختبار مزدوج للديمقراطية الفرنسية

تثبت الوقائع المتاحة حتى الآن ثلاثة أمور:

أولاً، أن شخصية أميركية ذات نفوذ عالمي دعمت علناً مرشحة فرنسية بعينها على منصة تملك خوارزمياتها.

وثانياً، أن الحكومة الأميركية درست تمويل منظمات أوروبية ذات أجندة قريبة من أولويات اليمين المحافظ، ثم استبعدت المنظمات الفرنسية بسبب مخاوف التدخل الانتخابي.

وثالثاً، أن الحكومة الفرنسية والبرلمان وأجهزة الرصد يتعاملون مع البيئة الرقمية بوصفها مجالاً فعلياً لمحاولات التأثير والتلاعب. لذلك تبدو انتخابات 2027 اختباراً مزدوجاً لفرنسا: فهو من جهة اختبار لقدرة المؤسسات على حماية الناخب من التلاعب، ومن جهة ثانية اختبار لقدرتها على فعل ذلك من دون مصادرة حرية التعبير. إن القاعدة الديمقراطية لا تقتضي، حتماً، بإسكات إيلون ماسك أو مارين لوبان أو خصومهما، لكنها تقتضي الكشف عن مصادر التمويل، ومراقبة الخوارزميات، وتمييز الإعلان السياسي عن الخبر الصحافي، وإلزام المنصّات بإتاحة المعلومات عن الحملات المنسّقة. بيد أن الخطر الأكبر، كما رأى محللو «لوموند»، ليس أن يفرض طرف أجنبي مرشحاً بعينه، بل أنْ يقنع الفرنسيين بأن الانتخابات نفسها ما عادت قادرة على إنتاج إرادة حرة.