هادي: جئتكم من اليمن الجريح مصممًا على الحضور رغم فقد إخوة ورفاق

الرئيس اليمني يشكر القادة العرب على دعم استقرار بلاده ويدعوهم لاستمرار «عاصفة الحزم»

الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
TT

هادي: جئتكم من اليمن الجريح مصممًا على الحضور رغم فقد إخوة ورفاق

الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)

دعا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي القادة العرب خلال اجتماع القمة العربية الـ26 المنعقد في مدينة شرم الشيخ أمس إلى استمرار عملية «عاصفة الحزم» التي تقود فيها المملكة العربية السعودية تحالفا مكونا من 10 دول إقليمية لمواجهة الانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن، «حتى تعلن العصابة استسلامها»، على حد قوله. ساردا معاناته كرئيس شرعي لليمن في الوصول إلى قمة العرب في شرم الشيخ، وكذلك جرائم «ميليشيا الحوثي» في اليمن، مطالبا إياهم بالعودة إلى رشدهم، مؤكدا إصراره على الحضور في القمة قادما من «اليمن الذبيح» رغم فقده شخصيا «إخوة ورفاقا» جراء تعرضه لأكثر من هجوم أثناء رحلته.
وأكد هادي في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية أن حضوره اجتماعات القمة العربية «هو حضور لليمن بشرعيته الدستورية ومشروعه الوطني الجامع لهذه القمة المهمة، ولإيصال صوت الشعب اليمني لأمته العربية، شعب يحلم أبناؤه بوطن آمن ومستقر ويطمح لغد أجمل وأروع في ظل دولة مدنية اتحادية حديثة، تستلهم أسسها من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انقلبت عليه ميليشيات الحوثي وحلفاؤها في الداخل والخارج». وقال إن اليمن سلك طريق الحوار، وعقد مؤتمرا وطنيا شاملا في مارس (آذار) عام 2013، بمشاركة كل الأحزاب والمكونات السياسية اليمنية بأطيافها المختلفة، انطلاقا من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ووصل إلى توافق على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في يناير (كانون الثاني) عام 2014. وأضاف: «اعتقدنا أننا قد تجاوزنا كثيرا من الصعاب بعد الانتهاء من إعداد مسودة الدستور للدولة اليمنية الجديدة، إلا أن القوى الظلامية عادت مجددا لتجر البلد إلى الخلف، متحدية بذلك الإرادة الشعبية وقرارات الشرعية الدولية، وواجهت كل أبناء الشعب وقواه الحية السلمية بقوة السلاح وعملت على عسكرة العاصمة صنعاء واجتياح كثير من المحافظات ومحاصرة قيادات الدولة العليا وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية من خلال السيطرة المسلحة، وبدعم وشراكة وتأييد من أطراف محلية ناقمة وحاقدة وعابثة ومن أطراف إقليمية لا تريد لليمن والمنطقة العربية ككل الأمن والاستقرار». ووجه هادي الشكر إلى مصر على استضافة القمة، وللشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ولدولة الكويت على ما بذلته من جهود مشكورة وعمل دؤوب خلال ترؤسها للقمة السابقة. وكذلك للأمين العام لجامعة الدول العربية وأمانتها العامة على ما بذلوه ويبذلونه من جهود متواصلة في سبيل النهوض بدور الجامعة وتفعيل العمل العربي المشترك والانطلاق به صوب آفاق واسعة.
كما شكر القادة العرب على تعاطفهم مع شعب اليمن ودعمهم لشرعيته وأمنه واستقراره ووحدته، قائلا: «لقد أتيت إليكم اليوم من اليمن الجريح مشاركا في القمة العربية، ولو تعلمون ما واجهته من صعاب وتحديات حتى أحضر معكم، ومن فقدتهم شخصيا من إخوة ورفاق جراء تعرضي لأكثر من هجوم أثناء رحلتي إليكم.. إلا أنني كنت مصمما على الحضور، ليس للحضور الشخصي ولكن لحضور اليمن بشرعيته الدستورية ومشروعه الوطني الجامع لهذه القمة المهمة ولإيصال صوت الشعب اليمني لأمته العربية. حضرت إليكم وقلبي يعتصر ألما وحسرة على وطني وشعبنا العظيم الذي يحلم أبناؤه بوطن آمن ومستقر ويطمح لغد أجمل وأروع في ظل دولة مدنية اتحادية حديثة تستلهم أسسها من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انقلبت عليه ميليشيات الحوثي وحلفاؤها في الداخل والخارج». وأكد هادي: «اعتقدنا أننا قد تجاوزنا كثيرا من الصعاب بعد الانتهاء من إعداد مسودة الدستور للدولة اليمنية الجديدة، إلا أن القوى الظلامية عادت مجددا لتجر البلد إلى الخلف، متحدية بذلك الإرادة الشعبية وقرارات الشرعية الدولية، وواجهت كل أبناء الشعب وقواه الحية السلمية بقوة السلاح، وعملت على عسكرة العاصمة صنعاء واجتياح كثير من المحافظات ومحاصرة قيادات الدولة العليا وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية من خلال السيطرة المسلحة وبدعم وشراكة وتأييد من أطراف محلية ناقمة وحاقدة وعابثة ومن أطراف إقليمية لا تريد لليمن والمنطقة العربية ككل الأمن والاستقرار».
وتابع: «ونتيجة لتلك الأوضاع التي شهدتها العاصمة صنعاء، وبعد حصارنا شخصيا لقرابة الشهرين، وبتوفيق من الله وعونه وتعاون الشرفاء من أبناء شعبنا استطعنا الخروج من صنعاء والوصول إلى مدينة عدن الباسلة ومارسنا منها سلطاتنا الشرعية كرئيس للجمهورية لتجنيب اليمن الخراب والدمار وويلات الحروب. وقد قررنا نقل العاصمة السياسية مؤقتا إلى العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن لممارسة مؤسسات الدولة وظائفها بشكل طبيعي. وكنت قد عقدت العزم على مواصلة مهامي كرئيس للدولة لإنجاز ما تبقى من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وصولا إلى إقرار الدستور وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مدة زمنية محددة، حتى يتمكن شعبنا من تجاوز الأزمة والانتقال إلى بناء الدولة الاتحادية الحديثة، وهي مهمة تاريخية ومفصلية يطمح شعبنا إلى تحقيقها. وفي سبيل ذلك فقد وجهنا الدعوة في الـ21 من شهر مارس الحالي لكل القوى والمكونات السياسية بما في ذلك منفذو الانقلاب على الشرعية الدستورية، لحضور مؤتمر في مقر مجلس التعاون الخليجي بالرياض، صاحب المبادرة الخليجية، والهدف الرئيسي لذلك المؤتمر هو الاتفاق على خارطة طريق لتنفيذ ما سبق أن اتفق عليه».
وأوضح الرئيس اليمني: «إلا أن تلك الميليشيات وحلفاءها بالداخل المصابين بهوس السلطة والاستبداد، وحلفاءهم في الخارج الذين يريدون استخدام اليمن لإقلاق المنطقة والأمن والسلم الدوليين، قد أدمنت العنف الدمار واجتياح المحافظات، فقادت حربا دموية لاجتياح محافظات تعز ولحج والضالع، وقبلها صعدة وعمران والبيضاء ومأرب، وأخيرا مدينة عدن، فسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وعبثت بالمؤسسات والمنشآت وأوجدت فوضى عارمة استهدفت أمن واستقرار وسكينة أبناء الشعب في معظم محافظات الجمهورية، وفي تحدٍّ واضح لكل أبناء شعبنا في الجنوب وقبله في الشمال.. إلا أن أبناء شعبنا العظيم بشبابه ورجاله ونسائه جابهوا ذلك العدوان والانقلاب في كل الأقاليم والمحافظات».
ودعا هادي «كل أبناء الشعب للالتفاف حول الشرعية الدستورية ومؤسساتها الرسمية، ولمقاومة تلك الميليشيات بشجاعة وإباء، والخروج إلى الشوارع والساحات للتعبير في مظاهرات سلمية تعبر عن إرادة اليمنيين الحرة»، مؤكدا أن إرادة الشعب اليمني «هي التي دفعتني، وفي إطار مسؤوليتي الدستورية والشرعية، إلى توجيه رسالة إلى إخواني الأعزاء ملوك وأمراء ورؤساء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وجامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي لتقديم المساعدة الفورية بكل الوسائل والتدابير اللازمة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المدمر، وذلك استنادا إلى ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.. وهو الأمر الذي تم الاستجابة له فورا من قبل أشقائنا وأصدقائنا من خلال عملية (عاصفة الحزم)، وهي تطبيق عملي للدعوة الجادة بتشكيل قوة عربية مشتركة تسهم في المحافظة على أمننا القومي العربي».
وأكد الرئيس اليمني أن «عاصفة الحزم» عملية هدفها الرئيسي والوحيد حماية الشعب اليمني من عدوان غاشم يستهدف هويته العربية وقيمه الإسلامية وتراثه المجتمعي القائم على التعايش والتسامح مع نفسه ومع محيطه العربي والإسلامي طوال تاريخه، وقال: «لأولئك الذين يدغدغون مشاعر شعبنا بالحديث عن انتهاك السيادة، فإن من انتهك السيادة هم من فجّر دور العبادة ودور تحفيظ القرآن ومن نهب المعسكرات والمؤسسات المدنية ومن احتل المدن والمحافظات ومن حاصر رئيس الدولة الشرعي، بل وتجرأ على ضرب القصر الجمهوري في عدن بالطيران الحربي، أوَليس ذلك صورة صارخة لانتهاك السيادة وتدمير للدولة اليمنية؟.. قلنا مرارا وتكرارا إنها جماعة لا عهد لها ولا ذمة، فقد تنكرت لكل الاتفاقات التي أبرمتها مع شركاء العمل السياسي، وأمعنت في تمردها، متعاملة مع صبر اليمنيين وحلمهم على أنه ضعف وهوان، لكن المسؤولية العظيمة التي حملناها فرضت علينا الصبر على مرارته، فالصبر شيمة لا يتمتع بها إلا الحريصون على وطنهم، والتهور من طباع الحمقى وعديمي المسؤولية والمتهربين من تعهداتهم وواجباتهم الوطنية».
ووجه هادي حديثه إلى الانقلابين قائلا: «وعليه أقول لدمية إيران وألعوبتها ومن معه، أنت من دمر اليمن بمراهقتك السياسية وافتعالك للأزمات الداخلية والإقليمية، ومن يعتقد أنه بالزعيق والخطابة يمكن أن تبنى الأوطان فهو مخطئ ألف مرة، فأنت من انتهك السيادة وأنت من يتحمل مسؤولية كل ما جرى وكل ما سيجري إذا استمررت بمراهقتك السياسية وأحلامك الضيقة، فعد إلى رشدك أنت وحلفاؤك، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين). صدق الله العظيم».
ثم خاطب القادة العرب قائلا: «إنني أدعو إلى استمرار عملية (عاصفة الحزم) حتى تعلن هذه العصابة استسلامها، وترحل من جميع المناطق التي احتلتها في مختلف المحافظات، وأن تغادر مؤسسات الدولة ومعسكراتها وتسلم كل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، سواء التي نهبتها من معسكرات ومخازن الدولة، أو التي سبق أن أمدتها بها إيران للحرب على الدولة والشعب اليمني على مدار الأعوام السابقة. وحتى يسلم قادة هذه العصابة أنفسهم للعدالة، الذين سبق أن تقدمنا بقائمة أسمائهم لإدراجهم على قوائم مجرمي وزعماء الإرهاب الدولي، وعدم السماح لهم بمواصلة جرائمهم ضد الأمن والسلم الدوليين، وكذلك حلفاؤهم الآخرون العابثون بأمن وسيادة واستقلال اليمن وكبح طموحهم لإخضاع اليمن لرغباتهم وتعقبهم وتجفيف مصادر تمويلهم، حتى يتوقفوا عن التآمر جهرا وسرا مع إيران ضد اليمن وجمهوريته ووحدته واستقراره، وإعلان تخليهم عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية».



«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)