ديماراي غراي... من مقاعد البدلاء في ليستر إلى جناح أساسي في إيفرتون

اللاعب في طريقه لإثبات أنه أفضل صفقة في الدوري الإنجليزي هذا الموسم

غراي بعد أن ختم ثلاثية إيفرتون في شباك بيرنلي (غيتي)
غراي بعد أن ختم ثلاثية إيفرتون في شباك بيرنلي (غيتي)
TT

ديماراي غراي... من مقاعد البدلاء في ليستر إلى جناح أساسي في إيفرتون

غراي بعد أن ختم ثلاثية إيفرتون في شباك بيرنلي (غيتي)
غراي بعد أن ختم ثلاثية إيفرتون في شباك بيرنلي (غيتي)

عاد ديماراي غراي إلى الدوري الإنجليزي الممتاز في صفقة أحدثت ضجة كبيرة عند انضمامه إلى إيفرتون خلال الصيف الحالي. وبعد سنوات من الركود في ليستر سيتي، أصبح غراي مستعداً لإثبات القدرات والإمكانات الكبيرة التي أظهرها عندما كان يلعب بقميص برمنغهام. ويقدم اللاعب مستويات استثنائية في الفترة الحالية وسجل 3 أهداف في 4 مباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز. وفي الوقت الحالي، ربما لا يحتاج غراي دافعاً إضافياً للاستمرار في تقديم نفس المستويات الرائعة التي يقدمها منذ انضمامه لإيفرتون قادماً من باير ليفركوزن مقابل 1.7 مليون جنيه إسترليني.
لقد رشحت غراي ليكون أحد أفضل الصفقات في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة، وأنا سعيد للغاية لأنه أثبت أنني كنت على صواب. وبالنظر إلى المبالغ المالية الهائلة التي أنفقها إيفرتون على مدار العقد الماضي، فإن التعاقد مع لاعب بهذه القدرات الهائلة مقابل هذا المبلغ الزهيد هو أمر مثير للإعجاب، وقد أضاف اللاعب الشاب كثيراً للفريق وترك بصمة كبيرة، سواء بأهدافه أو بتحركاته الخطيرة على الأطراف. لقد كان المدير الفني لإيفرتون، رافائيل بينيتز، ذكياً للغاية فيما يتعلق بمساعدة اللاعبين الموجودين لديه بالفعل على تقديم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر من خلال التعاقد مع لاعبين قادرين على تقديم الدعم الهجومي اللازم للمهاجم دومينيك كالفيرت لوين، فبالإضافة إلى غراي، تعاقد النادي مع الجناح المميز أندروس تاونسند في صفقة انتقال حر، وأظهر اللاعب للجميع أنه قادر على خلق فرص تهديفية خطيرة لكالفيرت لوين.
من الواضح للجميع أن غراي يمتلك كل القدرات والإمكانات التي تجعله جناحاً من الطراز العالمي، فهو لاعب قوي ومهاري ويمكنه تسجيل الأهداف، ناهيك عن قدرته على اللعب بكلتا القدمين، وهو الأمر الذي لفت انتباه وإعجاب جميع جمهور وعشاق إيفرتون. من الرائع دائماً أن ترى لاعباً من أكاديمية الناشئين بناديك وهو يتألق في صفوف الفريق الأول. وبصفتي مشجعاً لنادي برمنغهام، كان لدينا من قبل جاك بوتلاند وناثان ريدموند، كما كان غراي هو اللاعب التالي الذي يتم تصعيده للفريق الأول. لقد جذب غراي في سنوات مراهقته أنظار الجميع بمهارته الفذة وإمكاناته الهائلة بالنسبة للاعب في مثل هذه السن الصغيرة، لكن، كما هو الحال دائماً مع اللاعبين الصغار الذي يمتلكون قدرات كبيرة، فإن أصعب شيء هو مواصلة العمل بقوة وتقديم مستويات ثابتة على مدار فترات طويلة.
لقد قرر غراي الانضمام إلى ليستر سيتي، لأنه كان متفائلاً بشأن قدرته على أن يصبح لاعباً أساسياً في صفوف الفريق. لقد شعرت بالإحباط عندما رحل عن برمنغهام، لكنك تريد دائماً أن يستمر لاعبيك في التقدم، وقد نجح غراي في تقديم مستويات تتناسب مع بدايته الواعدة. ولسوء الحظ، لم يتمكن غراي من حجز مكان في التشكيلة الأساسية لليستر سيتي، لكنه على أي حال يمكنه التفاخر بأنه حصل على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع الفريق. لقد شارك بديلاً 80 مرة خلال السنوات الخمس التي لعبها مع ليستر سيتي، ولم يشارك أساسياً إلا في 53 مباراة فقط.
قد يكون الجلوس على مقاعد البدلاء أمراً محبطاً لأي لاعب، لأنه لا يوجد لاعب يريد أن يكون بديلاً أو يلعب دوراً محدوداً مع الفريق. وقد يجعل ذلك اللاعب يشارك في التدريبات وهو يعتقد أن ما يقوم به ليس مهماً لأن النتيجة ستكون واحدة في جميع الأحوال وهي الجلوس على مقاعد البدلاء. وبالتالي يدخل اللاعب في حلقة مفرغة معتقداً أنه لا يمكنه تغيير وضعه في الفريق مهما فعل في التدريبات، وهو الأمر الذي لا يحتاج إليه أي لاعب يسعى للتطور.
ومن المهم للغاية أن يتمكن اللاعب من كسر هذه الحلقة المفرغة. لقد استفاد جيسي لينغارد، على سبيل المثال، من فترة إعارته إلى وستهام، كما أعاد غراي تنشيط نفسه في إيفرتون بعد فترة في الخارج لكسر حالة الملل والركود التي عانى منها مع ليستر سيتي. قد يرى البعض أن الفترة التي لعبها في الدوري الألماني الممتاز لم تكن ناجحة، لكنها قد تكون جزءاً من خطة أكبر للعب مزيد من الدقائق، واستعادة الثقة والعودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.
وسيحصل غراي على دفعة كبيرة للغاية وسيتعلم كثيراً من خلال اللعب تحت قيادة مدير فني يحظى باحترام كبير مثل رافائيل بينيتز. من المؤكد أن اللاعب أصيب بإحباط كبير بسبب عدم مشاركته أساسياً، لكن سيكون حافزه أكبر بكثير الآن وهو يعلم أنه يحظى بدعم كبير وثقة هائلة من المدير الفني الإسباني المخضرم الذي سبق له الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا. لقد أظهر بينيتز أنه يثق تماماً في غراي، وقد كافأه اللاعب على هذه الثقة بالفعل من خلال المستويات الرائعة التي قدمها حتى الآن.
وعلى المستوى الاحترافي، فإن الفرق بين أن تكون لاعباً جيداً جداً وأن تكون لاعباً استثنائياً هو الثقة، ومن الواضح أن غراي قد اكتسب هذه الثقة عندما سجل هدفاً في بداية مسيرته مع إيفرتون هذا الموسم. صحيح أن لمسته الأولى أمام ليدز يونايتد لم تكن جيدة، لكنه أثبت أنه قادر على استغلال أنصاف الفرص. وبمجرد أن وصلت إليه الكرة أمام بيرنلي كان من السهل أن ينتابك شعور بأنه سيسجل، بسبب الطريقة التي يلعب ويتحرك بها. إن أي لاعب يمتلك الثقة في قدراته وإمكاناته يلعب بهدوء ويتحكم في الكرة بسهولة، وهو الأمر الذي يمكننا جميعاً رؤيته مع غراي في الوقت الحالي.
ومن الواضح أن هذه الثقة الكبيرة قد تساعد غراي على الانضمام للمنتخب الإنجليزي قبل نهاية الموسم الحالي، إذا استمر في تقديم هذه المستويات العالية. ويحب المدير الفني للمنتخب الإنجليزي الأول، غاريث ساوثغيت، اللاعبين الذي شاركوا مع المنتخب الإنجليزي في الفئات العمرية الأقل لأنهم يعرفون النظام جيداً. وإذا كنت تلعب بشكل جيد مع ناديك، فسوف يمنحك ساوثغيت الفرصة بكل تأكيد.
لقد أظهر غراي أنه قادر على اللعب في أكثر من مركز عندما لعب في مساحات ضيقة بسبب غياب دومينيك كالفرت لوين، وهو ما يعني أنه لم تكن هناك حاجة كبيرة للكرات العرضية داخل منطقة الجزاء في ظل مشاركة ريتشارليسون في مركز المهاجم الصريح. ومن الواضح أن ساوثغيت يحب اللاعبين الذين لديهم مرونة تكتيكية ويمكنهم اللعب في أكثر من مركز، وقد رأينا أمام أندورا كيف كان المنتخب الإنجليزي يلعب بمرونة كبيرة وتغيير في المراكز، وهو أمر جيد لغراي بكل تأكيد.
لقد بدأ كل شيء في برمنغهام بالنسبة لغراي، ومن المؤكد أن أداءه حتى الآن خطوة أخرى في رحلة تسير في الاتجاه الصحيح بعد بضع عقبات في الطريق. الثقة هي أهم شيء بالنسبة لغراي في الوقت الحالي، كما أن استمرار تقديمه أداء جيداً سيجعله يشعر بثقة أكبر، لكي يثبت أنه أفضل صفقة في هذا الموسم.


مقالات ذات صلة


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.