تونس: خريطة طريق رئاسية تستبعد الأحزاب والنقابات

تحقيقات الفساد تطال قيادات في «النهضة» وحكومتي الشاهد والمشيشي

الرئيس التونسي يحيي مستقبليه خلال جولة في جادة الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مطلع أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي يحيي مستقبليه خلال جولة في جادة الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مطلع أغسطس (أ.ف.ب)
TT

تونس: خريطة طريق رئاسية تستبعد الأحزاب والنقابات

الرئيس التونسي يحيي مستقبليه خلال جولة في جادة الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مطلع أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي يحيي مستقبليه خلال جولة في جادة الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مطلع أغسطس (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد أمس، مجدداً، خلال محادثة مع الرئيس الفرنسي ماكرون ومع مسؤولين أجانب تمسُّكه بـ«الشرعية الدستورية والقانونية والسياسية» وبالقرارات التي اتخذها يوم 25 يوليو (تموز) الماضي. وقال سعيد خلال محادثات هاتفية مع مسؤولين غربيين، وعند استقباله أنور قرقاش مستشار رئيس دولة الإمارات، إنه تحمل «مسؤولية تاريخية» لإنقاذ البلاد من مخاطر كثيرة كانت تهددها، فبادر بـ«تعليق» عمل البرلمان وحل الحكومة وإصدار سلسلة من القرارات، ضمن «خريطة طريق» تهدف للإنقاذ.
وكتب نوفل سعيد الخبير في القانون الدستوري وشقيق الرئيس التونسي ومدير حملته الانتخابية، في صفحته الرسمية، ظهر أمس (السبت): «انطلق قطار25 جويلية (يوليو) وأُغلقت أبوابه... ولا عزاء للانتهازيين»، وهو ما اعتُبِر تهديداً لبعض الأطراف السياسية، خصوصاً لقيادة حركة «النهضة» التي تتجاذبها منذ أسبوعين مواقف دعاة التنديد بقرارات سعيد وتصريحات أنصار الحوار والتهدئة.
- رفض الحوار مع «الفاسدين»
وكان قيس سعيد رد على دعوات تنظيم حوار سياسي مع قيادات الأحزاب، وبينها «النهضة»، بأن شكَّك في نزاهتها، واتهمها مجدداً بالفساد، وشبَّهها بـ«المهربين المورطين في إدخال القمح المسرطن إلى تونس، لأنها تروج للمواقف السياسية المسرطنة». كما أعلن وليد الحجام مستشار الرئيس التونسي أن قيس سعيد ليس معنياً بالحوار مع الفاسدين بأنواعهم. وأوردت مجموعات «حراك 25 يوليو» و«تنسيقيات قيس سعيد»، في مؤتمر صحافي نظمته أمس في أحد فنادق العاصمة تونس، أنها تدعو الرئيس إلى عدم التعامل مع «الفاسدين من منظومات ما بعد «حراك 25 يوليو2021» وما قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، بما في ذلك رموز الحزب الحاكم في عهد بن علي، وبعض قيادات حزب «قلب تونس» برئاسة رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي، و«الحزب الدستوري الحر» الذي تتزعمه عبير موسي.
وفي سياق متصل أدلى القيادي في حزب الشعب (قومي عربي ناصري القريب من قصر الرئاسة بقرطاج) وعضو البرلمان بدر الدين القمودي بتصريحات معارضة بحدة لرئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي. وأورد القمودي، الذي رشحته بعض الصفحات لرئاسة الحكومة المقبلة أن حزبه «لعب فعلاً» دوراً كبيراً في تنظيم مظاهرات 25 يوليو الماضي مع «تنسيقيات الرئيس قيس سعيد»، بهدف «استبعاد قوى الإسلام السياسي، ووضع حد لسيطرتها على البرلمان، وعلى عدد من مؤسسات الدولة والإدارة». وأعلن القمودي أن رئاسة الجمهورية بدأت تنفيذ «خريطة طريق» لمحاربة الفساد وتكريس «الحوكمة الرشيدة»، دون إضاعة الوقت في «حوار عقيم مع قيادات سياسية وحزبية ونقابية ومن المجتمع المدني سبق للرئيس قيس سعيد أن اتهمها قبل انتخابه في 2019 وبعد ذلك بالفساد وبالحصول على (تمويل أجنبي) بهدف تكريس تدخل أطراف خارجية في القرارات الوطنية السيادية».
- خريطة طريق مستقلة عن الأحزاب
في سياق متصل أورد وليد الحجام مستشار الرئيس التونسي أن الرئيس قيس سعيد ومؤسسة الرئاسة بصدد استكمال «خريطة طريق» قد يُعلَن عنها لاحقاً. وقد بدأت الرئاسة التمهيد لها عبر سلسلة من القرارات والمراسيم الرئاسية التي صدرت خلال الأسبوعين الماضيين، وأدَّت خاصة إلى «تعليق» عمل البرلمان وتعييين مسؤولين جدد على رأس المناصب الرسمية في الدولة بعد إقالة حكومة هشام المشيشي، وأغلب مستشاريه ووزرائه وإحالة عدد منهم إلى التحقيق. وخلافاً لما كان متوقعاً لم يبدأ قيس سعيد بتعيين رئيس حكومة، بل عين وزراء ومشرفين على الوزارات والقطاعات الحساسة، ثم سيعلن عن اسم رئيس الحكومة الذي سيكون بمثابة «المنسق العام» بين الوزراء، ولا يتمتع بالصلاحيات التي تمتع بها رؤساء الحكومات السابقون الذين كانوا يخضعون أساساً لرقابة البرلمان أكثر من تبعيتهم لرئاسة الجمهورية.
وتسبق هذه الخطوات مرحلة إعداد «لجنة خبراء في رئاسة الجمهورية» لمشروعين لتعديل الدستور والقانون الانتخابي قد يعرضهما الرئيس قيس سعيد على الاستفتاء الشعبي للمصادقة. كما قد يعرضهما على البرلمان الحالي بعد إبعاد عشرات من أعضائه الحاليين «المتهمين بالفساد وتهريب مئات المليارات»، حسب تصريح لقيس سعيد.
- مركزة القرارات في قصر قرطاج
في هذا السيناريو، رجح الوزير السابق والقيادي في حزب الشعب محمد المسيليني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تتابع الرئاسة تسيير الأمور وتصريف الأعمال «عبر المراسيم والقرارات الرئاسية» على غرار ما بدأ به العمل منذ أسبوعين عند الإعلان عن عشرات من قرارات العزل والإقالة والتعيين في المناصب العليا. كما يتابع الرئيس بقية القضايا عبر وزير الداخلية الذي منحه القانون التونسي صلاحية إصدار قرارات (وضع تحت الإقامة الجبرية) والمنع من السفر لأسباب أمنية دون الحاجة إلى إذن قضائي. وقد أوضح محسن الدالي الناطق باسم القطب القضائي المالي أمس السبت أن بعض الوزراء وكبار السياسيين الذين شملتهم قرارات «الإقامة الجبرية» مثل الوزير السابق للنقل والقيادي في حزب «النهضة»، أنور معروف، ليس لديهم ملفات لدى القضاء حالياً، لكن وزارة الداخلية أمرت بالتحفظ عليهم أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية.
وكان معروف أُحيل إلى القضاء قبل أكثر من عام بعد اتهام ابنته البالغة 16 عاماً بالتسبب في أضرار مادية لسيارة الوزارة، بعد حادث مرور تسبب في خسائر مادية. من جهة أخرى، يتهم بعض السياسيين الوزير السابق أنور معروف بتقديم معلومات عن شبكة الناخبين لحزب «النهضة»، عندما كان وزيراً لتكنولوجيا الاتصال، عشية انتخابات 2019.
في السياق ذاته، أكد محسن الدالي الناطق باسم القطب القضائي التونسي، أمس (السبت)، للصحافة التونسية، أن المؤسسة القضائية قد تصدر قريبا قرارات إيقاف أو «وضع تحت الإقامة الجبرية أو حجر السفر» ضد عدد كبير من الوزراء وكبار السياسيين في الحكومة التي عزلها قيس سعيد قبل أسبوعين والحكومة التي سبقتها، أي حكومتي هشام المشيشي ويوسف الشاهد. وأكدت مصادر إعلامية أمس أن تحقيقات بتهم «الفساد واستغلال النفوذ» أعيد فتحها ضد رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد ومستشاره الوزير المهدي بن غربية، ومستشاره الإعلامي مفدي المسدي. لكن الناطق باسم القطب القضائي محسن الدالي أورد أنه لم تصدر بعد أي تعليمات رسمية من القضاء بإيقافهم أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية. وأعلن مجموعة من المحامين والسياسيين بينهم النائب عن كتلة حزب قلب تونس، جوهر المغيربي، أنهم قرروا التوجّه إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 25 يوليو الماضي. وأوضح المغيربي على صفحته بموقع التواصل «فيسبوك» أنه قرر «التوجه إلى القضاء الإداري ومن خلاله إلى القضاء كسلطة مستقلة عن باقي السلطات».
- قضايا جديدة ضد «النهضة»
في الأثناء روجت وسائل الإعلام وأطراف مقربة من قصر قرطاج أن «قضايا جديدة فتحت ضد قيادات حزب النهضة»، من بنيها ملفات «جديدة» تهم التمويل الأجنبي والتعاقد مع مؤسسات أوروبية وأميركية «للدعاية ضد تونس وضد الرئيس قيس سعيد».
وأكد ممثل وزارة العدل التونسية أن قضية جديدة فتحت فعلاً ضد قيادة النهضة، بعد الكشف عن عقد «لوبينغ» مع شركة ضغط دولية، أبرمته الحركة الأسبوع الماضي للقيام بحملة لصالحها في الولايات المتحدة الأميركية بغرض «تحسين صورتها والتلاعب بالرأي العام، من أجل تشكيل مجموعة ضغط ضد الرئيس قيس سعيد بعد قراراته الاستثنائية».
في هذه الأثناء، رفع عدد من المحامين والسياسيين قضايا استعجالية أمام عدد من المحاكم التونسية والأجنبية ضد عدد من الأطراف السياسية لمحاولة التأثير في «خريطة الطريق»، ومرحلة ما بعد موعد 25 أغسطس (آب)، أي موفى أجل الشهر الذي حدده قيس سعيد «لتفعيل الإجراءات الاستثنائية».



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.