«معركة» الأمن السيبراني تحدّد مسار الحوارات الروسية الغربية

موسكو تدرج «التحديات الرقمية» في استراتيجية الأمن القومي

«معركة» الأمن السيبراني تحدّد مسار الحوارات الروسية الغربية
TT

«معركة» الأمن السيبراني تحدّد مسار الحوارات الروسية الغربية

«معركة» الأمن السيبراني تحدّد مسار الحوارات الروسية الغربية

لم يكن مستغرباً أن يظهر في النسخة المعدلة لاستراتيجية الأمن القومي الروسي التي أقرّها الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً، بند خاص بالتحديات الجديدة في عالم أمن المعلومات. وهذا أمر لم تكن تطرقت إليه النسخ السابقة من استراتيجية الأمن الروسي.
المفارقة هنا أن موسكو، التي وُضعت في قفص الاتهام على مدى السنوات الماضية للاشتباه بوقوفها وراء عمليات تدخل وتخريب إلكتروني استهدفت التأثير على مزاج الناخبين والرأي العام في الولايات المتحدة وغالبية الدول الغربية الأخرى، هي التي تبادر حالياً إلى دق ناقوس الخطر، وتطالب بالحوار.
موسكو تدعو اليوم إلى معاهدة دولية مُلزِمة تنظم آليات الرقابة والمحافظة على أمن المعلومات. وبدا واضحاً من جولات الحوار الروسي الأميركي الأخيرة أن «معركة» الأمن السيبراني صارت تشغل مكانة بارزة، إن لم تكن تحظى بأولوية مطلقة على جدول أعمال النقاشات الجارية بين موسكو وواشنطن، وموسكو وعواصم غربية أخرى.
كشفت جولات الحوار الروسي الأميركي التي جرت خلال الأسابيع الأخيرة في مدينة جنيف السويسرية، أن الاهتمام الرئيس لم ينصبّ على ملفات الأزمات الإقليمية الساخنة، رغم أهمية وحضور هذه الملفات على طاولة البحث، ولا على ملفات التسلح والمعاهدات التي عملت موسكو وواشنطن بدأب وبشكل متبادل على تقويضها تدريجياً خلال السنوات الأخيرة. بل إن الملف الأساسي المطروح على «أجندة» النقاشات، كما برز من تصريحات الجانبين، يتعلق الآن بأمن المعلومات الذي بات يتخذ في الآونة الأخيرة بشكل متزايد صفة العنصر الرئيس للاستقرار الاستراتيجي.
جولات الحوار هذه باتت ممكنة بعد فترة طويلة من انقطاع قنوات الاتصال بين الطرفين، والمحرّك الأساسي لها كانت القمة الروسية الأميركية التي انعقدت منتصف الشهر الماضي في جنيف. وبات واضحاً بعدها أن لدى الجانبين حرصاً واضحا على توجيه الأمور نحو الاستقرار والقدرة على التنبؤ في واحدة من أبرز التحديات المعاصرة أمام العالم.
وبعد الجولة الأخيرة التي انعقدت قبل أيام، كشف سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي جانباً من تفاصيل الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في جنيف. إذ قال ريابكوف إن المفاوضات ركّزت على الأمن السيبراني، وفي إشارة واضحة إلى صعوبة المباحثات، تابع الدبلوماسي الروسي أنه «من السابق لأوانه الحديث عن أي اتفاقات ملزمة في هذا المجال».
- قضايا أمن المعلومات
الواضح هنا تأكيد الجانب الروسي أن لدى موسكو إدراكاً بأن «قضايا أمن المعلومات، ابتداء من استخدام البرمجيات الخبيثة، ووصولاً إلى استهداف المواقع الحيوية للبنية التحتية، تتطلب مناقشة ثنائية معمقة ومحترفة، وهذا الحوار قد بدأ». ووفقاً للدبلوماسيين الروس المشاركين في الحوار، فإن الدعوة تنصب أساساً على ضرورة أن تكون المفاوضات حول الأمن السيبراني منتظمة، وأن يجري توسيع جدول الأعمال حول هذا الملف على طاولة النقاش، و«ليس الاكتفاء بمناقشة الهجمات المنفردة».
وكشفت العبارة الأخيرة جانباً مهماً من الخلاف الروسي الأميركي حول آليات مناقشة هذه المشكلة، إذ ترى موسكو أن واشنطن وحليفاتها الغربيات تدفع باتجاه أن ينحصر النقاش حول «الهجمات التي تعرّضت لها مواقع في الغرب من جانب قراصنة روس»، في حين تدعو موسكو إلى مناقشة أسس للتعاون المستقبلي في هذه القضية، عبر وضع آليات دولية ملزمة على شكل معاهدة خاصة بالأمن السيبراني. أيضاً ترى موسكو أن المدخل الأميركي للحوار، ليس فقط مجتزأ، بل أيضاً «يركز على قضية الهجمات السيبرانية بغرض الابتزاز السياسي، ولتوجيه الأنظار فقط إلى ملاحقة من يقفون وراء تلك الهجمات»، كما قال ريابكوف أخيراً.
الفارق بين المطلبين الروسي والأميركي في هذا الملف واضح. فروسيا لا تريد الخوض في الاتهامات المباشرة التي وُجِّهت ضدها، ولا تريد فتح تحقيق يؤدي إلى الكشف عن أشخاص محددين متورّطين - وفقاً للادعاءات الأميركية والغربية - بمهاجمة مواقع غربية، بل تريد تحويل النقاش نحو تأسيس القاعدة القانونية... وفي الوقت ذاته، تسعى إلى الرد على اتهام باتهام. والخلاصة هنا، كما يقول دبلوماسيون روس: «نريد من الأميركيين أن يفهموا أننا بحاجة إلى ردودهم على طلباتنا بشأن مختلف الحالات، بما في ذلك محاولات التأثير الخبيث على بنيتنا التحتية وعلى شخصياتنا الاعتبارية من مناطق الاختصاص القضائي الأميركي». وهذا الكلام يوضح أن جولات الحوار لم تحقق حتى الآن كثيراً في هذا المجال، إذ ما زالت موسكو تشكو من أن «الجانب الأميركي ما زال لا يتعامل مع وجهة النظر الروسية بشكل مطلوب».
- مسألة الأمن الاستراتيجي
اللافت أن موسكو ذهبت خطوة أبعد في الحوارات. إذ إنها لا تريد أن ينحصر النقاش على بعض الهجمات الإلكترونية التي استهدفت لجاناً انتخابية أو وسائل إعلام أو مراكز بهدف التأثير على الناخبين، باعتبار أن هذه «هجمات فردية» تسعى إلى لفت الأنظار إلى مخاطر أوسع محدقة بالأمن الاستراتيجي بسبب انعدام آليات لضمان الأمن السيبراني على المستوى الدولي، ومن بينها كما يقول دبلوماسيون روس «محاولات لاستخدام الإنترنت للتأثير على أنظمة التحكّم بالأسلحة، بما فيها الطائرات المسيرة».
أما عندما تعلق الأمر بطلبات محددة لتسليم أشخاص اتهموا بالوقوف وراء هجمات سيبرانية محدّدة - وهو مطلب مهم بالنسبة إلى الداخل الأميركي - فإن موسكو تصرّ على موقفها بأن «روسيا لا تسلّم مواطنيها، وعلى الولايات المتحدة أن تعمل مع روسيا بناء على اتفاقية المساعدة القانونية الموقعة عام 1999. بدلاً من إطلاق اتهامات وإثارة الضجة الإعلامية». لكن منطق الحوار بين الطرفين رغم اختلاف المداخل، لم يمنع من طرح موضوع تشكيل «فرق عمل خاصة» مشتركة لمواصلة النقاشات حول ملفات الأمن الاستراتيجي، وعلى رأسها الأمن السيبراني. ومع أن هذا التفاهم لم يرقَ بعد إلى مستوى الاتفاق على وضع آليات تنفيذية ضرورية لتنفيذ هذه المهمة، فإنه يشكل تطوراً مهماً يمكن البناء عليه.
- «قواعد لعبة» جديدة
هنا تجدر الإشارة، إلى أن واشنطن تجنّبت الكشف عن تفاصيل الحوارات الجارية، ورفض البيت الأبيض الكشف عن أجندة الحوار حول الأمن السيبراني تحديداً، وكذلك قائمة المشاركين في الحوار. وكما قالت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، فإن «اللقاءات والمناقشات على مستوى الخبراء مع الجانب الروسي مستمرة. والأهم هو الحفاظ على المجال لمثل هذه المناقشات، ولتحقيق التقدم كما نأمل»... قبل أن تضيف: «لا نعتزم الكشف عن أجندة تلك اللقاءات أو قائمة المشاركين فيها».
وكشف هذا الموقف من الجانب الأميركي درجة صعوبة الحوارات، ومستوى الخلافات المتواصلة، وهو أمر سعت موسكو إلى لفت الأنظار إليه علناً، عبر فاسيلي نيبينزيا، مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي اتهم «بعض الدول بمحاولة فرض قواعد لعبة في المجال المعلوماتي، وتبريرها بأنها ضربات سيبرانية استباقية ضد دول أخرى». وقال نيبينزيا أثناء اجتماع عقده مجلس الأمن الدولي أخيراً، لمناقشة موضوع الأمن السيبراني، إن ثمة أطرافاً تحاول أن تفرض على المجلس «قراءات أحادية الجانب» لاتفاقات سبق التوصل إليها في المنصات المعنية بالأمن المعلوماتي الدولي والتابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة. ثم أردف أن الكلام يدور عن توجه بعض الدول إلى «تبرير ممارسة ضغوط أحادية الجانب على دول أخرى، وفرض عقوبات عليها... وكذلك استخدام القوة المحتمل ضدها، وذلك عبر التلاعب بالاتفاقات السابقة، بما في ذلك حول الجوانب القانونية الدولية من استخدام تقنيات الإعلام والاتصالات».
وأضاف نيبينزيا أن ما يثير القلق البالغ لدى روسيا هو «تطلع بعض الدول المتقدمة من الناحية التكنولوجية إلى عسكرة المجال المعلوماتي عبر الترويج لمفهوم توجيه ضربات سيبرانية استباقية، بما في ذلك إلى البنى التحتية الحيوية». وأشار إلى أن «هذه النظريات المتسمة بروح المواجهة تناقض التمسك المعلن للدول الأعضاء في مجلس الأمن بمنع حدوث نزاعات في مجال استخدام تقنيات الإعلام والاتصالات»... وأن موسكو ترى فيها سعي الدول المعنية لفرض «قواعد اللعبة» الخاصة بها في المجال المعلوماتي، مؤكداً أن موسكو ستتصدى لمحاولات استخدام مجلس الأمن في مراجعة ما جرى الاتفاق عليه في منصات الجمعية العامة.
- استراتيجية الأمن القومي أولوية للأمن السيبراني
وخلافاً للنسخ السابقة من استراتيجية الأمن القومي الروسي، أعارت النسخة المحدثة منها التي وقّعها الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً، اهتماماً خاصاً بملف الأمن السيبراني. وبهذا المعنى، فإن أمن المعلومات بات يشغل أولوية على جدول أعمال روسيا، ليس فقط على المستوى الخارجي، بل على المستوى الداخلي أيضاً.
وعموماً، يمكن بالاستناد إلى نص الوثيقة، اختصار التوجهات الرئيسة، أو المهام المحددة، التي برزت في الاستراتيجية الجديدة بأنها تشمل التحذير من أن التطور السريع لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات يفاقم من احتمال ظهور مخاطر على أمن المواطنين والمجتمع والدولة. وأن توسيع نطاق استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات للتدخل في شؤون دول وتقويض سيادتها ووحدة أراضيها بات يشكل خطراً على الأمن والسلام الدوليين. وهنا توقفت الاستراتيجية عند «تزايد عدد الهجمات على الموارد المعلوماتية الروسية، ومعظمها ينفّذ من خارج البلاد»، لتلفت الأنظار إلى أن «المبادرات الروسية الرامية إلى ضمان الأمن المعلوماتي الدولي تواجه معارضة من قبل دول أجنبية تسعى إلى الهيمنة في الفضاء المعلوماتي العالمي».
وبطبيعة الحال، يظهر نص الوثيقة معارضة روسيا الكاملة للاتهامات الغربية لموسكو، وفي المقابل، تردّ الرؤية الروسية باتهام أجهزة استخباراتية أجنبية بتكثيف أنشطتها الرامية إلى تنفيذ عمليات في المجال المعلوماتي الخاص بروسيا.
كذلك ترى الوثيقة أن روسيا تواجه «حملات تضليلية وتخريبية» في الإنترنت تستهدف بالدرجة الأولى الشباب، (منها تداول أنباء كاذبة عن خطر تنفيذ هجمات إرهابية ودعوات للانتحار ونشر مواد متطرفة والتحريض على ارتكاب أعمال غير قانونية وترويج تناول المخدرات وغيرها). وكما كان متوقعاً توقفت الوثيقة عند اتهام شركات دولية عملاقة مثل «غوغل»، ادّعت أنها «تسعى إلى ترسيخ احتكارها في الإنترنت، والسيطرة على كل الموارد المعلوماتية من خلال فرض الرقابة غير القانونية وإغلاق موارد معلوماتية بديلة». ورأت أيضاً أن «رواد الإنترنت الروس يواجهون محاولات تهدف إلى فرض رؤية مشوّهة عليهم إزاء الحقائق التاريخية والتطورات في روسيا والعالم لدواعٍ سياسية». وخلُصت إلى التحذير من أن «استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الأجنبية في روسيا يزيد من خطر تعرّض الموارد المعلوماتية في البلاد لمحاولات التأثير عليها من الخارج».
- «الحماية» من الغرب
بهذه «الرزمة» من التحذيرات والاتهامات للغرب، تدفع استراتيجية الأمن القومي الروسي عملياً إلى وضع ملف المواجهة السيبرانية وأمن المعلومات في مقدمة معركتها الحالية مع الغرب، رافعة شعار «حماية روسيا من التأثير الغربي الضار على المجتمع». ولذلك يظهر الهدف الرئيس في «تعزيز سيادة البلاد في المجال المعلوماتي». ويدفع هذا الهدف المعلن، إلى سلسلة من التدابير التي حددتها الوثيقة لحماية روسيا وتعزيز «سيادتها» الرقمية، وهنا يبدو أن منحى رفع جدران من «العزلة الرقمية» يتجسّد أكثر وأكثر في توجهات الاستراتيجية الروسية.
لتوضيح ذلك، يكفي أنه من بين الآليات التي وضعتها الاستراتيجية لتحقيق الهدف...
- إنشاء فضاء آمن لتداول المعلومات الموثوق بها
- تحصين البنى التحتية الخاصة بالمجال المعلوماتي في روسيا
- منع التأثير التخريبي بالوسائل المعلوماتية والتكنولوجية على الموارد المعلوماتية الروسية
- تهيئة الظروف الملائمة لكشف ومنع الجرائم في الإنترنت
- زيادة تحصين القطاع الروسي لشبكة الإنترنت ومنع أي سيطرة أجنبية على أنشطته.
كل هذا، مع أهداف أخرى، تمثلت في تقليص عدد حالات تسرب بيانات سرية وشخصية إلى أدنى حد ممكن، وتعزيز الأمن المعلوماتي الخاص بقوات الجيش الروسي ومنتجي الأسلحة والمعدات العسكرية، وتطوير وسائل وأساليب ضمان الأمن المعلوماتي باستخدام تكنولوجيات حديثة، منها الذكاء الاصطناعي، وإعطاء الأفضلية إلى استخدام التكنولوجيات محلية الصنع في البنى التحتية المعلوماتية في روسيا... وأخيراً، تعزيز التعاون مع الشركاء الأجانب في مجال ضمان الأمن المعلوماتي، بما يخدم خاصة إنشاء نظام دولي جديد خاص بهذا الشأن.
- استعداد مشروط للتعاون
كان لافتاً أن الإشارات التي وجّهتها موسكو حول مدى استعدادها للتعاون مع الغرب في مجال أمن المعلومات، ارتبطت دائماً بشروط واضحة تفرض على كل الأطراف الالتزام بتعهدات مسبقة. وكمثال، مهّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقائه مع نظيره الأميركي جو بايدن في جنيف أواسط الشهر الماضي، بالإشارة إلى أن موسكو مستعدة لتسليم مرتكبي الجرائم السيبرانية إلى واشنطن في حال إبرام الطرفين اتفاقية رسمية تنصّ على التزاماتهما المتبادلة في هذا الصدد.
ولفت الرئيس الروسي إلى أن هذه الالتزامات في الغالبية الساحقة من الاتفاقيات المماثلة متساوية، مضيفاً: «إذا اتفقنا على تسليم المجرمين فإن روسيا بطبيعة الحال ستفعل ذلك، لكن فقط إذا وافق الجانب الآخر - وفي هذه الحالة الولايات المتحدة - على الشروط نفسها، وستسلم المجرمين المطلوبين إلى روسيا». وشدد بوتين على أن مسألة الأمن السيبراني تعد من أهم القضايا اليوم، لأن هجمات سيبرانية قد تؤدي إلى إطفاء منظومات بأكملها، ما يجلب عواقب وخيمة للغاية.
هذا الحديث الروسي، مع المبادرات الروسية المتكرّرة لوضع آلية دولية أو معاهدة ملزمة على صعيد الأمن السيبراني، يتم إقرارها في مجلس الأمن، قوبلت دائماً من جانب الخبراء، بنقاشات موسعة حول آليات تنفيذها عملياً وعلى أرض الواقع.
- الخبيرة لايما جيرمانوفا: في تنظيم تدفق المعلومات مصلحة للمجتمع الدولي كله
> في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قالت الخبيرة لايما جيرمانوفا، مديرة مؤسسة «كريبروم»، وهي شركة أبحاث رائدة في روسيا، إنه إذا ما اعتُمدت المسودة النهائية للاقتراح الذي قدّمته روسيا إلى مجلس الأمن بشأن تبني معاهدة دولية لأمن المعلومات ستصبح هذه أول معاهدة عالمية لمكافحة الجريمة السيبرانية.
وأشارت الخبيرة - التي تشارك مؤسستها في دراسة العمليات الاجتماعية والسياسية القائمة على رصد وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي - إلى أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها روسيا مثل هذه المبادرات، لكن إذا كان جوهر السؤال يكمن في البحث عن الحلول التكنولوجية الممكنة، سيكون ضرورياً توضيح أن جميع هذه القرارات أولاً، وقبل كل شيء، يجب أن تنفذ مبدأ السيادة الرقمية. بموجب هذا المبدأ، على الدولة ضمان أمن المعلومات وتنظيم تدفق المعلومات، وهذه ليست مصلحة روسية فقط، بل مصلحة للمجتمع الدولي. وتابعت: «هذا هو التحدي الذي يقف أمام جميع البلدان المشاركة في مجال المعلومات. ولحل هذه المشكلة، هناك حاجة إلى أدوات تكنولوجية لتتبع تدفق المعلومات والتحكم في امتثالها للتشريعات الحالية. إن التبادل اليومي للمعلومات، يحتوي على كمٍ هائل من البيانات الواجب تلقيها بطريقة ما، وفي مكان ما، بشكل منظم وآمن، كي تكون قادرة على تحديد ما ينتهك قوانين الدولة ويهدد أمن المعلومات ويشكل خطراً على المواطنين في تدفق المعلومات».
وحول فرص تقريب وجهات النظر مع الغرب، قالت جيرمانوفا: «لا توجد حدود في فضاء المعلومات. انتشار الإنترنت مرتفع في جميع أنحاء العالم تقريباً. والنشاط الإرهابي المدمر والمتطرف على الإنترنت يهدد جميع البلدان. ولمواجهة هذه التهديدات العالمية بشكل فعال، فإن أنجحها هو التعاون بين الدول وتجميع الجهود والمهارات من مختلف البلدان». وأضافت: «في رأينا، سيكون من المنطقي توحيد الجهود في مكافحة هذه التهديدات والتصدي لها بشكل مشترك. سيكون التفاهم المتبادل بين الدول الاستراتيجية الأنجع، والاستجابة الفضلى للتحدي. وهذا ما تهدف إليه المبادرة الروسية في الأمم المتحدة، وهذا ما تحدث عنه فلاديمير بوتين عندما أشار إلى استعداد روسيا لإبرام التزامات مماثلة مع الدول الأخرى في مكافحة الجرائم الإلكترونية».
في الوقت ذاته، أقرت الخبيرة الروسية أن جهود روسيا لتعزيز «السيادة الرقمية» تواجه اليوم تحدياً قوياً، لأنه «لا توجد حلول قادرة على تنفيذ وصيانة نظام مغلق تماماً غير متصل بالعالم الخارجي. فضاء المعلومات لا حدود له، ومستوى التطور التكنولوجي لا يسمح بعزلة كاملة للبلد بأكمله. لقد أصبح العالم شفافاً للغاية». ومع ذلك، تقول الخبيرة إن «الحاجة إلى شبكة إنترنت وطنية ملحّ بالطبع - وليس فقط في روسيا. هذا الموضوع مطروح على أجندة جميع البلدان، وهو يضعها في حيرة حيال هذه المشكلة». ثم تضيف أن روسيا «تعمل بالطبع في هذا الاتجاه، وفي الآونة الأخيرة نسبياً، جرى تبنّي مجموعة من القوانين التي تنظم الإجراءات في الجزء الروسي من الإنترنت وتجعله أكثر أماناً»، مشيرة إلى أن حكومات الدول الأخرى تتخذ خطوات مماثلة. قبل أن تقول: «هل هذا يعني العزلة؟ بالطبع لا، نحن نتحدث في المقام الأول عن حماية المواطنين ومصالحهم».


مقالات ذات صلة

«ترمب موبايل» تحقق في تسريب محتمل لبيانات آلاف العملاء

تكنولوجيا هاتف «تي 1» من صنع شركة «ترمب موبايل» (موقع ترمب موبايل الإلكتروني)

«ترمب موبايل» تحقق في تسريب محتمل لبيانات آلاف العملاء

تتزايد المخاوف العالمية بشأن أمن البيانات، وحماية الخصوصية الرقمية، وتجد شركة «ترمب موبايل» نفسها في مواجهة تدقيق متصاعد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية، حالة من الذعر، عقب تداول مقطع فيديو لثلاثة من أبنائهم.

علاء حموده (القاهرة)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب) p-circle

لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

لم يكن بإمكان ترمب استخدام هاتفه الشخصي أثناء وجوده في الصين، وهو ما شكّل أحد أبرز التحديات اللوجستية التي واجهها إلى جانب فريق البيت الأبيض على الأرض.

«الشرق الأوسط» (بكين - واشنطن)
شمال افريقيا إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

تتزايد حالة القلق والترقب داخل أسر بحارة مصريين اختطفهم قراصنة صوماليون أثناء وجودهم على متن ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري دورية لقوارب عسكرية صومالية في ميناء مقديشو البحري (رويترز)

تحليل إخباري بعد حادث البحارة المصريين... مطالب عربية بتكثيف الجهود الدولية للتصدي للقرصنة

توالت المواقف العربية الداعمة لجهد دولي يهدف للتصدي للقرصنة في البحر الأحمر بعد عدة حوادث بالمنطقة كان أحدثها اختطاف ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية

محمد محمود (القاهرة )

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.