«الموسيقى العربية»... من نمطية التطريب التقليدية إلى فضاء الحداثة

كتاب يتناول محطات مهمة في تاريخها وأبرز من أسهم في تطويرها

«الموسيقى العربية»... من نمطية التطريب التقليدية إلى فضاء الحداثة
TT

«الموسيقى العربية»... من نمطية التطريب التقليدية إلى فضاء الحداثة

«الموسيقى العربية»... من نمطية التطريب التقليدية إلى فضاء الحداثة

كان يوسف جريس من أوائل الرواد الذين طوّروا الموسيقى العربية فقدم لوناً جديداً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتراث العالمي
يتناول الباحث د. إيهاب صبري أبرز محطات رحلة الموسيقى العربية في تحررها من أجواء التطريب التقليدية على الطريقة التركية إلى فضاء التجديد والحداثة عبر كتابه «الموسيقى بين الفن والفكر»، كما يتوقف عند عدد من صناع تلك الرحلة ودورهم في مزج القوالب الغربية بنظيرتها العربية، وكيف أسهم كل ذلك في التعبير عن متغيرات الحياة الحديثة.
الكتاب صدر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويستهله المؤلف بتناول دور الموسيقى في صناعة الحضارات والتقدم، لافتاً إلى أنها استطاعت أن تتخطى حواجز اللغة والأنماط السائدة لتعزيز التفاهم بين الشعوب وتحقيق الحوار الثقافي بين الحضارات.

- سيد درويش
ويرصد المؤلف بدايات تحرر الموسيقى العربية من الرتابة والتطريب التقليدي على الطريقة التركية العثمانلية و«أمان يالا لي» و«يا عين يا ليل» إلى الحداثة والتعبيرية، مشيراً في هذا السياق إلى الموسيقار سيد درويش (1892 – 1923) ودوره الكبير في تطوير الموسيقى لتصبح صورة صادقة لتصوير ما يجيش في صدور الملايين من أفراد الشعب. وطوّر أيضاً الموشّح والدور والمسرحيات الغنائية والأغاني الحماسية بشكل يجعل من الصعب القول بأن كل هذا التأثير ينبع من رجل واحد، بل يمكن القول إنه حرّر الموسيقى العربية من الالتزام بالنماذج القديمة التقليدية وتجاوب مع البيئة المصرية الصميمة فعبّر عنها في ألحانه عبر مسرحياته الغنائية. وعندما انتفض الشعب المصري مطالباً بالاستقلال كانت تلك الأعمال خير معبِّر عن أماني الأمة، بالإضافة إلى أنه قد لحّن بعض الأناشيد الوطنية استجابةً إلى رغبات القوى السياسية. ومن أشهر أغانيه نشيد «قوم يا مصري» من كلمات الشاعر بديع خيري، وقد لحّنه درويش في وقت كان الشعب المصري يكافح في سبيل استقلاله من الاحتلال الإنجليزي.

- جريس وخيرت
ويضرب المؤلف المثل كذلك بيوسف جريس (1899 – 1961) كنموذج للمؤلف الموسيقي المصري الذي يعد من الرواد الأوائل للموسيقى العربية المتطورة من خلال تزاوجها بنظيرتها الأوروبية الجادة لتقديم لون جديد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتراث العالمي وفي نفس الوقت يظل طابعه العربي واضح المعالم والقسمات. ويذكر المؤلف أن جريس نجح في تقديم هذا اللون المتطور وشمل إنتاجه سيمفونيتين وأربع قصائد سيمفونية ومقطوعات عديدة للآلات المختلفة. ومن أهم مؤلفاته «ثلاث صور موسيقية» على النحو التالي: الصورة الأولى بعنوان «تمهيد» وكتبها جريس في عام 1944 وتبدأ باستهلال تؤديه آلة الفلوت في أسلوب غنائي يُبرز عطر الشرق وسحره. أما الصورة الثانية فعنوانها «البدوي» وهي صورة معبّرة عن شخصية البدوي وكتبها 1931 في أول الأمر للفيولينة المفردة ثم أعاد كتابتها للأوركسترا 1934، وخلال هذه الصورة يعرض لنا جريس صورة موسيقية للصحراء والبيئة البدوية وتبرز خلالها الإيقاعات العربية الراقصة. وتأتي الصورة الثالثة والأخيرة بعنوان «الفلاحة» حيث يستهلها بأداء منفرد من آلة التشيللو، ويلاحظ خلال هذه الصورة الموسيقية التوزان الكامل بين الأوركسترا وتلك الآلة كما يلاحظ تتابع الأوزان الثلاثية والثنائية حين يعبر المؤلف عن الريف وما فيه من سحر وجمال.
ويشير المؤلف إلى أن وجود ودعم أوركسترا الإذاعة المصرية كان له أثره الكبير في الحياة الموسيقية ليس في مصر فحسب ولكن في العالم العربي بصفة عامة، فقد كانت هذه الأوركسترا بمثابة النافذة الوحيدة التي يطلّ من خلالها المؤلفون العرب على الأنماط الموسيقية العربية في أساليب وقوالب لم تكن معروفة من قبل. من هنا أصبحت لدينا السيمفونية والكونشرتو والقصيد السيمفوني والمتتابعة الموسيقية والرابسودي وغيرها من القوالب البنائية التي لم تعد مقتصرة فقط على الموسيقى الأوروبية بل أصبحت تتصل كذلك بنظيرتها العربية.
ويذكر صبري أن المؤلف الموسيقي أبو بكر خيرت (1910 – 1963) استغل وجود هذه الأوركسترا الكبيرة وكتب أول أعماله السيمفونية وهي السيمفونية رقم (1) من مقام «فا» صغير وأطلق عليها اسم «سيمفونية الثورة» لكنه لم يقدمها في الحفلات العامة حيث كان النشاط الفني في ذلك الوقت مقتصراً على الإذاعة سواء البرنامج العام أو بالإذاعة الأوروبية المحلية. ويعد خيرت أول من وضع الموسيقى العربية في إطار سيمفوني، وأول من استخدم الألحان الشعبية المصرية في مؤلفات أوركسترالية.
ويوضح أن البدايات الأولى لخيرت ترتبط أشد الارتباط بالأسلوب الكلاسيكي في حركات السيمفونية الأربع التي تُستهل بحركة سريعة تليها حركة بطيئة ثم حركة ثالثة سريعة، ويُختتم العمل كالعادة بحركة سريعة. وتتميز هذه السيمفونية باللغة الهارمونية البسيطة إلى حد ما، فلم يعتمد خيرت على استخدام المتنافرات وتمسّك بالهارمونية الكلاسيكية، كذلك فهو يكتب للأوركسترا بأسلوب المجموعات طبقاً للنمط المعهود في موسيقى هايدن وموتسارت.

- الشوان وجرانة
ويذكر المؤلف أن مسرحية «عنترة» لأمير الشعراء أحمد شوقي (1868 – 1932) والتي تعد من أشهر أعمال مسرحه الشعري، لا يعرف كثيرون أنها كانت مصدر وحي وإلهام للمؤلف الموسيقي عزيز الشوان (1916 – 1993) حين استوحى «أوبرا عنترة» من هذه المسرحية. ورغم أن الشوان قد لحّن الأوبرا منذ مدة طويلة فإنه لم يقدم منها سوى الافتتاحية الموسيقية التي اعتمد في صياغتها على عدة ألحان مختارة من ألحان الأوبرا نفسها أعاد مزجها وتوظيفها ببراعة.
للشوان أيضاً «أوبرا أنس الوجود» التي كتب النص الشعري لها سلامة العباسي، مستوحياً شخصياتها وأحداثها من أجواء «ألف ليلة وليلة». عُرضت الأوبرا لأول مرة -على شكل كونسير موسيقي- على مسرح أوبرا القاهرة في يوليو (تموز) 1994 بقيادة المايسترو يوسف السيسي. أما حلم الشوان بتقديمها كعرض مسرحي متكامل فلم يتحقق إلا بعد مرور سنوات على رحيله لتكون أول محاولة لتقديم أوبرا عربية متكاملة العناصر فكراً وألحاناً وتقنية.
ويتوقف المؤلف عند تجربة محمد رفعت جرانة (1929 – 2017) والذي اشتهر بتوثيقه للأحداث الوطنية في مصر والعالم العربي عبر المؤلفات الموسيقية. ومن بين أعماله في هذا المجال «سيمفونية 23 يوليو» وهي تسجل أحداث تلك الثورة التي أسهمت في تغيير الحياة السياسية في الشرق الأوسط، والقصيد السيمفوني «بورسعيد» الذي يسجل من خلاله بطولات المدينة الباسلة خلال العدوان الثلاثي والقصيد السيمفوني «السادس من أكتوبر» والذي سجل فيه المؤلف وقائع أول انتصار عربي على إسرائيل، ورغم الطابع التصويري لسيمفونية الثالث والعشرين من يوليو فقد تمسك المؤلف بأسس الصياغة الموسيقية الكلاسيكية وصاغ الحركة الأولى كالعادة من نموذج الحركة السريعة للسوناتا التي تعبّر عن الثورة على الاستعمار. أما الحركة الثانية البطيئة فتجسد خروج الجيش البريطاني المستعمر من أرض مصر، يلي ذلك الحركة الثالثة وهي مصوغة من نموذج «السكرتسو»، وهي تفيض بالمرح، حيث تعبّر عن فرحة الشعب بالحرية وبالثورة. وأخيراً نصل إلى الحركة الرابعة والأخيرة وهي مصاغة من نموذج «الروند» حيث ترمز إلى القضاء الذي لا رجعة فيه على الاستعمار والإقطاع وانتصار الشعب.
ويذكر المؤلف أن أسلوب جرانة الموسيقي اتسم بالوضوح والتركيز، فخطوطه اللحنية تتابع في تسلسل منطقي ولغته الهارمونية تقدم مساندة فعّالة للخطوط اللحنية دون محاولة من المؤلف لاستخدام المقاطع المتنافرة. أما أسلوبه في الكتابة الأوركسترالية فهو يميل بطبعه إلى استخدام الأساليب الكلاسيكية، وهو يجيد الكتابة لآلات النفخ والوتريات على السواء حيث درس العزف على الترومبيت. وفي فجر حياته الفنية قدم رفعت جرانة السيمفونية الثانية من مقام «دو» صغير والمعروفة باسم سيمفونية الثالث والعشرين من يوليو في إحدى حفلات أوركسترا القاهرة بقيادة المايسترو الألماني خوزيه فريز.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.