«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

عدنية شبلي ترسم صورة شجية لعائلة تحت الاحتلال

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


مقالات ذات صلة

أين اختفى المثقف الكبير؟

ثقافة وفنون أين اختفى المثقف الكبير؟

أين اختفى المثقف الكبير؟

لا تعاني الثقافة العربية من قلة الكتّاب ولا من ندرة الباحثين. بل لعل عدد المؤلفين والأكاديميين والمنابر الثقافية يفوق ما عرفته.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي

ندى حطيط
ثقافة وفنون تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي

«الشرق الأوسط» (عمّان)
كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أين اختفى المثقف الكبير؟

أين اختفى المثقف الكبير؟
TT

أين اختفى المثقف الكبير؟

أين اختفى المثقف الكبير؟

لا تعاني الثقافة العربية من قلة الكتّاب ولا من ندرة الباحثين. بل لعل عدد المؤلفين والأكاديميين والمنابر الثقافية يفوق ما عرفته. الجامعات تتوسع، والكتب تتكاثر، والمنصات تتيح لكل صاحب رأي أن يصل إلى جمهور واسع. يظل سؤال ملحّ يفرض نفسه: لماذا نفتقد حضور المثقف الكبير؟

والمقصود بالمثقف الكبير ليس الكاتب الأشهر، ولا الأكاديمي الأشد تخصصاً، ولا صاحب الحضور الإعلامي الأوسع، بل الشخصية التي تتجاوز حدود مجالها لتصبح مرجعاً فكرياً. إنه المثقف الذي لا يكتفي بالتعليق على الوقائع، بل يمتلك رؤية تتيح له تفسيرها، وربط بعضها ببعض، ووضعها داخل سياق التاريخ والمجتمع والثقافة.

عرفت الثقافة العربية نماذج بارزة. اختلف هؤلاء في المرجعيات والمواقف والمناهج، لكنهم اشتركوا في سمة أساسية؛ أن لكلٍّ مشروعاً كبيراً يتجاوز الكتاب الواحد والمقالة الواحدة. لم يكونوا منتجين للنصوص، بل أصحاب أسئلة كبرى حول النهضة والتراث والحداثة والعقل والتاريخ والهوية.

لم يكن القارئ يعود إليهم بحثاً عن رأي في قضية طارئة، بل لأنه يريد أن يرى القضية من داخل منظومة فكرية متماسكة. كانت كتبهم تتراكم عبر العقود لتشكّل مشروعاً واضح المعالم، وكانت مواقفهم، حين يختلف الناس معها، تنطلق من تصور محدد للعالم. نشأت سلطة ثقافية لم يكن مصدرها الشهرة وحدها، بل الاستمرار والعمق والقدرة على التأثير في طريقة طرح الأسئلة.

أما اليوم فقد تغيرت طبيعة المشهد الثقافي. أصبح التخصص الأكاديمي أكثر دقة وتشعباً، وهو مكسب معرفي مهم، لكنه أضعف نموذج المثقف الموسوعي الكبير صاحب الرؤية العامة. نجد باحثاً ممتازاً في جزئية محددة من التاريخ أو الفلسفة أو علم الاجتماع، لكنه يظل محصوراً داخل تخصصه. لقد ازداد عدد الخبراء، لكن الخبير ليس بالضرورة مثقفاً بالمعنى الواسع.

فالخبير يزوّدنا بتفاصيل دقيقة عن موضوع، أما المثقف فيسعى إلى وصل هذه التفاصيل بصورة أكبر.

ووظيفته ليست أن يعرف كل شيء، فهذا لم يكن ممكناً في أي زمن، بل أن يمتلك القدرة على الركض بين الحقول، واكتشاف الروابط الخفية بينها، وتحويل المعارف المتفرقة إلى رؤية تساعد الناس في فهم عصرهم.

تغيرت وسائل إنتاج الشهرة الثقافية. كان المثقف يبني حضوره ببطء؛ كتاب يتبعه كتاب، ومقال يثير نقاشاً، وسجالات تمتد أعواماً. وكانت السلطة الرمزية تحتاج إلى وقت طويل حتى تتشكل. أما في زمن المنصات الرقمية، فقد أصبحت الشهرة أسرع، لكنها أكثر هشاشة. يمكن لاسم أن يتصدر المشهد خلال أيام، ثم يختفي بالسرعة نفسها، في فضاء تقني يستهلك الأسماء والأفكار بلا توقف، كما يفعل مع كل شيء آخر.

والمنصات لا تكافئ دائماً الفكرة الأعمق، بل تكافئ غالباً الفكرة الأسرع انتشاراً؛ فالعبارة القصيرة الحادة أقدر على التداول من الحجة الطويلة، والموقف المثير أكثر جذباً من التحليل المركب. وهكذا، اتسعت المسافة بين الشهرة الفكرية والقيمة الفكرية. وقد يكون الشخص حاضراً في كل مكان من دون أن يترك وراءه فكرة واحدة قابلة للبقاء.

كما أدت سرعة الأحداث إلى تحويل بعض المثقفين من أصحاب مشاريع إلى معلقين يوميين. يلاحق الكاتب الخبر السياسي والاجتماعي والثقافي، ويبدي رأيه في كل ما يحدث، حتى يصبح إنتاجه سلسلة من الاستجابات المتعاقبة. لكنه، وهو يلاحق التفاصيل، قد يفقد السؤال الأكبر الذي يمنح كتابته معناها واستمرارها.

فالمثقف الكبير لا تتحدد قيمته بكثرة مواقفه، بل بقدرته على ابتكار سؤال أو مفهوم يظل صالحاً بعد أن ينتهي الحدث الذي استدعاه. الخبر يموت سريعاً، أما الفكرة فقد تعيش للأبد. وما أبقى أسماء كبار المفكرين لم يكن قدرتهم على التعليق على أحداث عصرهم فحسب، بل إنهم أنتجوا أدوات فكرية استُخدمت لفهم أحداث جاءت بعدهم أيضاً.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة؛ أزمة المثقف الكبير هي، إلى حد بعيد، أزمة المشروع الفكري. فالمشروع يعني وجود سؤال مركزي يرافق الكاتب سنوات طويلة، وتتجمع كتبه ومقالاته حوله. أما حين يصبح كل كتاب منفصلاً عن الآخر، وكل مقالة استجابة لمناسبة طارئة، فقد يكون الإنتاج غزيراً من دون أن يتحول إلى بناء متماسك. وربما ينبغي الاعتراف أيضاً بأن العالَم الذي صنع المثقف الكبير بصورته القديمة قد تغير. لم يعد هناك مركز ثقافي واحد، ولا جمهور موحد. السلطة المعرفية موزعة بين الجامعات ووسائل الإعلام والمنصات ومراكز البحث، والجمهور نفسه انقسم إلى جماعات صغيرة، لكل منها اهتماماته ومراجعه. ولهذا، أصبح ظهور شخصية واحدة تفرض حضورها على المجال الثقافي كله أكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي.

لكن هذا لا يعني أن الحاجة إلى المثقف الكبير قد انتهت، بل ربما ازدادت؛ فمشكلتنا لا تكمن في نقص المعلومات، وإنما في فائضها وتضخمها. ولهذا نحتاج إلى من يميز المهم من العابر، ويربط بين ما يبدو متفرقاً، ويمنح الفوضى شكلاً يمكن فهمه.

المثقف الكبير ليس من يملك جواباً عن كل سؤال، ولا من يظهر في كل مناسبة، ولا من يفتعل الاستفزاز طلباً للشهرة، بل من يجعلنا نطرح أسئلة لم نكن نعرف كيف نصوغها، ويمنحنا مفاهيم جديدة نرى بها واقعاً كان أمامنا دائماً، لكننا لم نكن نراه بالطريقة نفسها.

ولعل استعادة حضور المثقف الكبير لا تكون بالحنين إلى صورته القديمة، بل بإعادة بناء الشروط التي تسمح بظهور صاحب المشروع الفكري. نحتاج إلى كاتب يتحرر، قدر الإمكان، من ضغط التعليق اليومي، ويمنح نفسه وقتاً لملاحقة سؤال مركزي يتطور عبر كتبه ومقالاته. ونحتاج كذلك إلى جامعات ومراكز بحث ومنابر ثقافية تشجع العبور بين التخصصات، وتفسح المجال للأفكار التي تحتاج إلى زمن حتى تنضج؛ فالمثقف الكبير لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تصنعه أيضاً بيئة تحمي استقلاله، وتمنحه فرصة التراكم والاستمرار.

* كاتب سعودي


إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا
TT

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبةً يافعةً قادمةً من أوساط الغرب الأوسط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذةً بسحر الأفكار الآتية من باريس، والتي شكلت الشيفرة السرية والرمز الثقافي المميز للنخب الفكرية المتمردة في الثلث الأخير من القرن الماضي.

جيل دولوز

ترسم إيكين عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة من الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الفرنسيين الذين أحدثوا زلزالاً معرفيّاً في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والذات، متتبعةً تفاصيل الرحلة المعقدة التي قطعتها هذه الأفكار من مقاهي حي السوربون وأروقة المدرسة العليا للأساتذة بباريس إلى قاعات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا.

وتصف الكاتبة حالة الانجذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنماط شديدة الخطورة والمفعمة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كان تعلّم المفردات التي تتضمنها هذه النظرية أشبه باستبدال للهوية والموطن الأصلي بمنظومة معجمية شاسعة تمنح صاحبها بطاقة عبور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية.

وتعبّر عن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الذي ينتاب المرء عند رؤية الواقع واللغة والنفس البشرية وهي موضع التفكيك والتشريح جهاراً، حيث كانت مفردات مثل «المفارقة» - أي التناقض الظاهري -، و«الدال العائم» - أي المفهوم أو الرمز المنفصل عن مدلول محدد، مما يجعله قابلاً للامتلاء بأي معنى يُسقط عليه مثل مصطلحات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانفصال عن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية.

لوي ألتوسير

يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان ولوي ألتوسير وجيل دولوز وفيلكس غوتاري وبول دي مان، مع استحضار كاشف لرموز مبكرة من قماش جان بول سارتر وكلود ليفي ستروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبةً «موت المؤلف» واعتبروا السيرة الشخصية مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياةً طافحةً بالدراما والفضائح المدوية والمآسي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صوراً تفصيلية لهؤلاء الأعلام، كاشفةً عن جوانب شديدة التناقض في سلوكياتهم اليومية التي تجاور في غرابتها نصوصهم الأشد تعقيداً واستغلاقاً.

ثمّة تفاصيل مفجعة عن حياة ألتوسير الذي أقدم في لحظة جنون عاصفة على خنق زوجته في سكنه بالجامعة وتجنب المحاكمة بسبب اضطرابه العقلي، في حين تشير السيرة إلى ارتباكه العاطفي العميق في شبابه الأولي واحتفاظه بعزلة نفسية حادة. هناك كذلك تفاصيل الرحلات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طقوس التجريب الذهني والجسدي واختبر المشروبات الأميركية، وانهمك في تقطيع حطب التدفئة مع الطلاب في الجبال، بالتوازي مع تطويره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. وينقلنا النص إلى العالم المسرحي للمحلل النفسي جاك لاكان الذي ابتدع أسلوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها في غضون دقائق معدودة ليحصد من ورائها ثروات هائلة، واضعاً مريديه في حالة ذهول دائم عبر رسم عقد ورموز مبهمة على السبورة ثم المغادرة الفورية القاطعة للقاعة.

ميشيل فوكو

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجاً نحو واقعة اعتقاله المأساوية في براغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد النص مساحةً واسعة للسقوط المدوّي لبول دي مان، الأب الروحي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة للاحتلال النازي في بلجيكا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفضيحة التي وجهت ضربةً قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية في أميركا، وأعطت الخصوم السياسيين والفكريين أسلحةً فتاكة لتقويض الهالة الحصينة التي أحاطت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة.

وتعتمد إيكين منهجاً أنثروبولوجياً فريداً في تفكيك هذه الشخصيات عبر تقسيم الفصول وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والكلمات والمناورات، مفضلةً استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمبدعيها ومجاوزة التحليل الأكاديمي الصرف، مظهرة قدرةً فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «السلطة الحيوية» و«البانوبتيكون» و«الاستجواب الآيديولوجي»، فتفسر كيف أضحت هذه الطروحات مفاتيح أساسية لفهم التحولات الثقافية والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حول البانوبتيكون أو «المراقبة الشاملة» كتشخيص فصيح ومبكر لشبكات المراقبة الرقمية التي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكياته وأفكاره.

يمتد التحليل إلى تنبؤات رولان بارت في مقالته الشهيرة «موت المؤلف»؛ إذ يجد القارئ المعاصر أن فكرة إنتاج النصوص المستقلة عن وجود الذات الإنسانية قد تجسدت واقعياً عبر نماذج اللغويات الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والخطابات في هيئة نصوص متدفقة تعمل فيها اللغة لذاتها وبذاتها. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كنزعة تمردية في المحترفات الجامعية المغلقة قد انحلت تدريجياً في النسيج الثقافي العام، فأصبحت الفرضيات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الحركات الاجتماعية ورجال التسويق وأقسام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيديولوجيين في الحروب الثقافية المحتدمة.

وينطوي عمل إيكين على ثغرات منهجية تستدعي التوقف النقدي عندها، وفي مقدمتها اقتصار دراستها المكثفة على ثمانية أعلام من الرجال حصراً، وتهميش الدور التأسيسي الذي لعبته الفيلسوفات والمفكرات الفرنسيات البارزات في تلك الحقبة مثل هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وسارة كوفمان ومونيك فيتيغ، وهن اللاتي قدمن إسهامات مفصلية في نقد المركزية الذكورية وإعادة صياغة مفاهيم الجسد والكتابة المتمردة.

ويلاحظ القارئ الفاحص أيضاً غياباً تاماً لرمز فكري محوري بحجم رينيه جيرار الذي أطر في مؤتمر جونز هوبكنز التاريخي عام 1966 بداية دخول النظرية إلى أميركا، والذي تتيح نظريته حول «الرغبة المحاكاتية» تفسيراً عميقاً للخصومات الشرسة وحالة التنافس الرهيب التي سادت بين أعلام البنيوية والتفكيك وهم يسعون لتحقيق التمرد والفرادة الذاتية عبر تقليد الأنماط المتصارعة.

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية

ويتعلق مأخذ آخر بطبيعة المنهج الذي اعتمدته الكاتبة؛ إذ غلب اهتمامها بالطرائف البايوغرافية والتفاصيل الشخصية على حساب الفحص الفلسفي الغائر للمتون والاحتجاجات النظرية، الأمر الذي قد يمنح انطباعاً مضللاً بأن الفلسفة مجرد صرعة ثقافية عابرة أو موضة فكرية ترتبط بزمن محدد. ويبدو أنها في محاولتها للتوفيق بين موقعها السابق كطالبة مأخوذة بالنظريات وموقعها الحالي بوصفها محررة صحافية مرموقة في جريدة «نيويورك تايمز»، قد فضلت تبسيط الأفكار لصالح الحبكة السردية المشوقة، متخليةً عن التعمق العلمي الذي تتطلبه مساجلات عاتية من وزن المناظرة التاريخية بين فوكو ودريدا حول فلسفة ديكارت وسؤال العقلانية.

ومع ذلك، فإن للفرنسيين قيمة استثنائية تستمدها من قدرة إيكين الباهرة على صياغة مراجعة فكرية ممتعة تجمع الرشاقة الصحافية إلى العمق الثقافي، متجنبةً السقوط في فخ الإدانة السطحية أو التبجيل الأعمى لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ الفكر البشري.

في نهاية هذه الرحلة الممتدة عبر الأفكار والسير نخلص إلى أن القيمة الباقية للنظرية الفرنسية تكمن في منحنا أدوات النقد اليقظ والتفحص الصارم للغة، وإيقاظ التشكك الدائم أمام الشعارات السياسية التي تتزين بزي الحقائق السرمدية. وسيظل عمل إيكين دعوةً مفتوحةً لإعادة اكتشاف هؤلاء المفكرين المعقدين واستعادة روح المساءلة الفكرية الحرة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى بناء وعي نقدي متماسك ومحصن ضد التبسيط والتضليل والسطحية المعرفية.


تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة
TT

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي بين سحر الذاكرة الحميمة وأطماع الاستثمار العقاري الجاف. ويأخذنا الكاتب في رحلة لاستكشاف تفاصيل الحياة اليومية في جبل اللويبدة العريق، وتحديداً عمارة «جيهان 4» في شارع كلية الشريعة، رابطاً بين مصائر أبطاله وحركة النجوم والأبراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، ليعكس من خلالها تقلبات النفس البشرية ومشاعر العجز البشري أمام ويلات الواقع وقسوة التغيير.

ويمكن إدراج هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في 135 صفحة من القطع المتوسط، في إطار الرواية الاجتماعية الفلسفية التي تتوسل بالفلك الأسطوري لتفكيك الواقع؛ حيث تُسلط الضوء على قصص إنسانية متشابكة لجيران يتقاسمون المكان والذكريات، كالسيدة أليس بركات الشغوفة بعالم الفلك، وصديقة طفولتها الدكتورة سعاد الصبّان التي تقع ضحية لشَرَك عقاري يقوده أحد السماسرة المغامرين بهدف هدم دارتها التراثية، ليمثّل الكتاب صرخة أدبية تدافع عن أصالة الأحياء العريقة في مواجهة زحف الأسمنت الحداثي.

بدأت الرواية التي صمم غلافها «عيد بنات»، باستهلال أسطوري لافت مستوحى من الموروث الفلكي العربي حول قصة مقتل رجل غدراً في الأسواق البعيدة، فيأخذك في رحلة بحث وثأر أبدية من القاتل «سهيل» الذي فرّ نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء السديمي الفسيح، يهبط المدادحة بسرديته بسلاسة نحو جغرافية عمّانية شديدة الواقعية والدقة، ليتجول بالقارئ بين شارع كلية الشريعة، وكلية تيراسانتا، وساحة باريس، ومستشفى لوزميلا، عارضاً تفاصيل دراسة بطلته للطب في القاهرة، ومسترجعاً أحداثاً تاريخية وإقليمية مأساوية تركت ندوباً في وعي الشخصيات ونفسياتها.

من أجواء الرواية

«تتعدد رغباتنا وتتنوع وربما تتناقض، فليست كل رغبة ثبت وجودها، يثبت عدم وجود رغبات أخرى معاكسة لها في الاتجاه، فالحياة كأنها ميدان حرب وساحة صراع بين رغباتنا من جهة وما ينازعها ويعارضها من جهة أخرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا.

ثم تضيف: كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئاً يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحياناً تصبح الفكرة مثل العادة أيضاً، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها.

نفرح ونشعر بوجودنا عند زيادة قدرتنا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم سعياً وراء الفرح أو هرباً من حزننا الذي يشعرنا بالعجز».

وكان قد صدر للمدادحة: «قالت لي العرافة»، قصص (2015)، «على جمر الغضا.. قراءة في تاريخ الحكومات الأردنية»، دراسة سياسية، (2016)، «هوامش البساط الأحمر»، رواية، (2018)، «كرك موبا... رسائل المدينة»، رواية، (2021)، و«حارسة»، رواية، (2022)، و«رعاش المدينة»، رواية، (2026).