«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

عدنية شبلي ترسم صورة شجية لعائلة تحت الاحتلال

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


مقالات ذات صلة

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

ثقافة وفنون  بدرية البشر

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي،

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

شجرة ديوان قصر هشام

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة.

محمود الزيباوي

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر
TT

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي في العثور على النسخة الورقية منها، كما لم تنجح النسخة الإلكترونية في إغرائي بقراءتها، لأنني لم أكن، في الحقيقة، في حاجة إلى قراءة رواية كننغهام مرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بنيوية، أو تفكيكية، أو تشريحية، لا للرواية، ولا للفيلم... أما مشاهدة الفيلم فكانت تنفيذاً لفكرة خطرت في ذهني خلال استرجاع بعض ما تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«السينما والواقع»، وفيها تكشف وولف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفلام سينمائية. على سبيل الدعابة، أقول إن من يشاهد «الساعات» على خلفية تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والرواية «السيدة دالاوي» مثلما أن رواية «الساعات» هي أيضاً كذلك.

سلسلة من الانقضاضات

صحيح أن السينما «انقضّت» من قبل على روايات وولف «السيدة دالاوي»، و«أورلاندو» و«الأمواج»، و«إلى المنار»، لكن انقضاضها على الرواية «الساعات» شيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالاً بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الرواية، قامت في الأصل على مشروع انقضاض على «السيدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نفسها. فالروائية التي لا تتقبل تحويل الروايات إلى أفلام، أصبحت، ويا للمفارقة، شخصيةً سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركت السينما وولف ورواياتها وكانت قد خالت أن «المنتأى» عن السينما واسع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقضّ ومشتقاتها» لاحقاً.

موقف وولف من السينما

في 3 يوليو (تموز)، و4 أغسطس (آب) 1926، نُشِرَتْ مقالة وولف بالعنوانين المذكورين سابقاً في صحيفة «The Nation and Athenaeum» البريطانية، ومجلة «The New Republic» الأميركية على التوالي. أعتقد أن موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لماذا لم تخطر ببال أحد فكرة ترجمة إحدى رواياتها سينمائياً وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفاً في فترة شهدت تجذر وترسخ التكييف ممارسة، ومصدراً للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّرُ ما ذكرته وولف عن السينما ونشوء علاقتها المبكرة بالأدب عن موقف مضاد للسينما؛ إنما هو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلاً من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الواقع» بالإضافة إلى ازدرائهم لما حولهم، مثل «تحليق النوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شك، طموحاً ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلى السهولة تحت إغراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات.

وتشير وولف إلى الروايات الشهيرة على نحو خاص، مضيفةً أن السينمائيين يرونها في حالة انتظار للنقل إلى الشاشة الصامتة آنذاك. وتكتب متسائلةً: «ما الذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط من ذلك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً.

التكييف والتحويل

على الرغم من عدم احتواء المقالة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيليةً تثيرُ الاستغراب، نظراً لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظاهرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فــقد «نقل شكسبير قصص الثقافة من الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لجمهور متلقين جدد. وأعاد إسخيلوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصاً مألوفة في أشكال جديدة» (2). وتشير في موضع آخر إلى أن الفيكتوريين اعتادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولوحات، وأغانٍ ورقص. يبدو أن كل شيء كان قابلاً للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الفيكتوريين. وما لم تقله هتشيون هو أن السينما، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كانت تقتدي بالمسرح، أو هكذا أظن؛ فبالنظر إليه بعيون وولف، فإن المسرحي، وليس صانع الأفلام، هو الطفيلي المعلم والقدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مثل «روبنسون كروسو» لدانيال ديفو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«توم جونز» لهنري فيلدينغ، أما روايات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها.

الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل

في سياق سرده قصة نشوء علاقة الصبي هنري جيمس بالفنون والأدب، وشغفه بهما، يروي فرِدْ كابلان في الفصل الأول من السيرة الغيرية «هنري جيمس: خيال العبقرية، 1999»: «بالنسبة للصبي الصغير، لم تقتصر هيمنة ديكنز على الروايات، إنما على خشبة المسرح أيضاً. وكان هنري الأب... يصرّ على أن يكون ارتياد المسرح تجربةً عائلية، وأن يتعرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائعة، ودراما، ولغة، وغناء». (23) ويذكر كابلان أن هنري الصغير شاهد في مسارح «برودواي» و«بارك رو» مسرحيات مبنية على العديد من روايات ديكنز، خصوصاً «نيكولاس نِكلبي»، ومسرحيات مبنية على رواية «كوخ العم توم» التي ترجمت مسرحياً بُعَيْدَ نشرها.

في ضوء ما سبق، ليس مستغرباً أن يكون الفيلم الصامت «غاتسبي العظيم، 1926» مبنياً على المسرحية «غاتسبي العظيم، 1926». المسرح سبق السينما إليها، فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَتْ فيه مقالة وولف (1926).

غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط

كان المخرج هربرت برينون سريعاً في «انقضاضه» على رواية فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لتضاف إلى قائمة الترجمات السينمائية الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربع قصص) سبقت «غاتسبي العظيم» إلى الشاشة الصامتة. وتمثل الترجمتان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت من 1926 إلى 2024 في قائمة اشتملت على طيف عريض من الفنون: مسرحيات، أفلام، مسرحيات إذاعية وتلفزيونية، مسرحيات استعراضية، أوبرا، وباليه، وعدة نسخ من روايات مصورة «graphic novels»، وألعاب فيديو. طاف بعض هذه الأعمال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ كونغ للباليه» في 2019.

إن «غاتسبي العظيم» نموذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنه أوسع مجالاً من ذلك، ومتعدد بتعدد الأجناس، والأشكال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة للوسائط «transmedial phenomenon»، وتمنح النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومتعددة بتعدد مرات تكييفه، وتهيئ له مناخات، وفضاءات تلقٍ، وأنماط تفاعل «modes of engagement» مختلفة يفرضها نوع الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومن البديهي ازدياد النص المُكَيَّف شهرةً وانتشاراً. فرواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» -على سبيل المثال المحلي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل. وستتسع شهرتها بعبورها إلى وسائط أخرى عند ترجمتها مسرحياً، أو بصدورها نسخة مصورة، أو بنسخة سينمائية جديدة أفضل من السابقة التي كانت جزءاً من مشروع الغلاف الثالث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!».

والأسئلة: لم لا تدخل روايات سعودية أخرى تجربة التكييف ولو لمرة واحدة، أو التكييف عابر الوسائط «transmedial adaptation» ؟ ما الذي يمنع ذلك؟ وماذا سيحدث؟

*كاتب وناقد سعودي

رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل


«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب
TT

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألعاب رياضية، حيث يمارسن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تلتف كل لاعبة حول عمود معدني في وسط الغرفة تتمسك به وترقص، وسط مخاوف من الانزلاق والسقوط من أعلاه. هذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعاً جسدياً في البداية، وتترك في الجسد ندوباً وكدمات، لكنها مع ذلك تكون سبباً في تعافي الروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجاعهن القديمة، وتمنح أجسادهن كتلاً عضلية تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحتماله، وبالقدر نفسه تمنح أرواحهن قوة على المواجهة، وثقة بالنفس، ما يمنحهن قدرة على مواجهة مخاوفهن والندوب الروحية والنفسية اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً.

الرواية، الصادرة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بأن تجعل صالة الألعاب مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث؛ بل تصوغ هذا المكان بوصفه محركاً سردياً لمصائر الشخصيات، وفاعلاً في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة رياضية تمارس فيها الشخصيات المروي عنها نشاطاً رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى علاقة نفسية، فيغدو رفيقاً ومعالجاً نفسياً وصديقاً بديلاً، ورغم معدنيته وصلابته، فإنه أقل قسوة من البشر الذين تعاملت معهم هذه الشخصيات في الخارج، ويساعدهن في التطور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فالمكان هنا ملاذ، وفضاء للتعافي، وهو المركز الذي تلتقي فيه هذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلى هذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط.

لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بدءاً من «غادة»، التي تتأذى من فقر عائلتها وإقامتها في منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فتشعر بأن جزءاً من جسدها غريب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلاً عن إحساسها بالخجل من الندوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أما «شيماء»، رغم ثراء عائلتها، فتعاني من النبذ بسبب بدانتها المفرطة، بداية من إحساسها بأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مروراً بتنمر زميلاتها ومدرسيها عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولاً إلى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها.

الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بعقدة قديمة منذ طفولتها المبكرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخرى، فصارت تخشى أن تصبح مثل أمها، وتعاني من هجر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة في أن تكون مثل زوجة الأب المرغوب فيها، وليس الأم المرغوب عنها. أما «ريم» فمنذ طفولتها تعاني من سفر أبيها بحثاً عن المال، وموته في الغربة، وبخل أمها وجشعها المادي، ثم زواج ريم بأمر أمها من رجل ثري، اكتشفت بعد ذلك أنه عنين، وكان يضربها بقسوة وعنف كل ليلة تاركاً ندوباً في كل جسدها. الشخصية الخامسة «حلا»، صاحبة الصالة الرياضية، تعاني من كراهية كل من ينافسها، وتشعر منذ طفولتها بأنها ليست جميلة، خصوصاً بعد وفاة والدتها متأثرة بالسرطان، وزواج والدها من امرأة أخرى، لديها ابن وابنة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمجرد أنها جميلة وشعرها طويل، مقارنة بشعر حلا التي تخشى من سقوطه كما حدث مع أمها في أيامها الأخيرة.

تتبقى شخصية واحدة هي «فريدة»، مدربة اللعبة، الأكثر بروزاً في الرواية، والمعادل لعمود البول، فهي عمود الرواية، وكل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حولها، فهي الأكثر شعوراً بآلام كل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومحاولة تجاوزها والتعافي منها، حيث تمتلك من الرهافة وحدة الشعور ما يجعلها تنصت للألم والأوجاع الكامنة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني من متلازمة عدم الشعور بالألم منذ ولادتها، فلو اشتعلت بها النيران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيراً ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت.

قسمت الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، كل منها يحمل اسم إحدى الرقصات على البول، مثل «brass monkey» و«butterfly»، و«drama queen»، و«hello boys»، و«suicide spin»، ويبدو اسم كل فصل ولعبة دالاً على أزمة الشخصية المحكي عنها داخله، فهذه الرقصات أو الألعاب موظفة فنياً لتتناسب مع أزمة كل شخصية، والنجاح في اللعبة يأتي متناغماً مع تجاوز الأزمات. وكل فصل ينقسم إلى قسمين؛ الأول يحمل اسم إحدى الشخصيات، وتروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تماماً من أوجاعها، والقسم الثاني عن فريدة، التي تأتي حكايتها مجزأة عبر كل الفصول، ومتخللة كل الحكايات؛ فهي مركز الحكي، وهي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المتكلم، في حين أن كل الشخصيات الخمس الأخرى تحكي عنهن الساردة بضمير الغائب، عبر تقنية الراوي العليم.

تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها في صالة الرقص، ثم تعود الساردة عبر تقنية الاسترجاع إلى تاريخ المحكي عنها، لنتعرف على حكايتها منذ طفولتها، وكيفية وصولها إلى هذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في البداية مع اللعبة التي تبدو عنيفة وصعبة عليهن، ويبدو التوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والسقوط في الحياة والأوجاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتفاع بعيداً عن الأرض، بالتوازي مع الانفلات من جاذبية الماضي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لذلك، يبدو الزمن داخل هذه الصالة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمن للمتعة والتعافي والتجاوز، في حين أن الزمن خارجها يبدو زمناً للآلام.


«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»
TT

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.

ويرى الناقد والأكاديمي المغربي دكتور سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) أن رحاحلة «انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية»، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من «تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاً جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة».

ويقول يقطين إن خصوصية الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة «سردية - أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.

ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.

ويبحث الكتاب في ظاهرة «الاستطرادات الثقافية» التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، مركزاً على السؤال الأساسي، وهو: «متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟».

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، يحمل الفصل الأول عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري»، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية: تأسيس وتأصيل»، حيث يرصد مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم «الاستطراد الثقافي الروائي»، أما المبحث الثاني في الفصل الأول فجاء بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتداخل الأجناسي»، ويتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية من جهة، وظاهرة الاستطراد الثقافي من جهة أخرى، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين، وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي، ويختتم الفصل الأول بمبحث بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتناص»، حيث يقارب الكتاب العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.

وينتقل الفصل الثاني إلى الجانب التطبيقي تحت عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار التطبيقي»، حيث يقوم الباحث بتحليل نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها بنية سردية – نماذج دالة»، ويركز على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما المبحث الثاني فجاء بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها زخرفة معرفية»، ويتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.

ويخصص الفصل الثالث والأخير لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويحمل عنوان «الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية: تحليل وتركيب»، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويختتم الفصل الثالث بمبحث بعنوان «الاستطرادات الثقافية والنص»، حيث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.