جنوب شرقي آسيا يشهد ارتفاعاً مقلقاً في الإصابات والوفيات

عوامل بشرية وصحية ساهمت في طفرة انتشار الفيروس

موظفون يتفقدون منطقة سكنية معزولة في بيتالينغ جايا بماليزيا الأحد الماضي (د.ب.أ)
موظفون يتفقدون منطقة سكنية معزولة في بيتالينغ جايا بماليزيا الأحد الماضي (د.ب.أ)
TT

جنوب شرقي آسيا يشهد ارتفاعاً مقلقاً في الإصابات والوفيات

موظفون يتفقدون منطقة سكنية معزولة في بيتالينغ جايا بماليزيا الأحد الماضي (د.ب.أ)
موظفون يتفقدون منطقة سكنية معزولة في بيتالينغ جايا بماليزيا الأحد الماضي (د.ب.أ)

حوّلت إندونيسيا جل إنتاجها من الأكسجين تقريباً إلى الاستخدامات الطبية لتلبية حاجة مرضى «كوفيد - 19» الذين يكافحون من أجل التنفس، بينما اضطرت المستشفيات المكتظة في مختلف أنحاء ماليزيا إلى اللجوء لعلاج المرضى على الأرض، بعدما امتلأت الأسرة. أما في أكبر مدينة بميانمار، فقد بات عمال المقابر يعملون ليل نهار لمواكبة الطلب المتزايد على حرق الجثث والدفن، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
أرعبت مشاهد الجثث التي يجري حرقها في محارق الهواء الطلق خلال ذروة الوباء في الهند العالم في مايو (أيار)، لكن في الأسبوعين الماضيين تجاوزت دول جنوب شرقي آسيا الثلاثة، إندونيسيا وماليزيا وميانمار، ذروة معدل الوفيات في الهند في إطار موجة جديدة من فيروس «كورونا»، يغذيها متحور «دلتا» الذي اشتدت قبضته على المنطقة.
جاءت الوفيات في أعقاب الأرقام القياسية للحالات الجديدة التي تم الإبلاغ عنها في دول المنطقة، والتي جعلت أنظمة الرعاية الصحية تكافح من أجل التأقلم، فيما أقدمت الحكومات على فرض قيود جديدة في محاولة لإبطاء انتشار الوباء.
- مستشفيات ماليزيا تحت الضغط
عندما ثبتت إصابة إريك لام بـ«كوفيد - 19»، وجرى نقله إلى المستشفى في 17 يونيو (حزيران) في ولاية «سيلانجور» الماليزية، التي تُعدّ مركز تفشي المرض في البلاد، كانت ممرات المنشأة الحكومية مزدحمة بالفعل بالمرضى على جميع الأسرّة دون مكان واحد فارغ في الأجنحة.
كان الوضع لا يزال أفضل مما هو عليه في بعض المستشفيات الأخرى في سيلانجور، أغنى ولايات ماليزيا، وأكثرها اكتظاظاً بالسكان، حيث لم تكن هناك أسرّة متاحة على الإطلاق، وبحسب التقارير الواردة، عولج المرضى على الأرض أو على نقالات.
وسعت الحكومة منذ ذلك الحين لإضافة المزيد من الأسرّة في المستشفيات، وحوّلت المزيد من الأجنحة لاستقبال مرضى «كوفيد - 19».
وأفاد أبهيشيك رمال، المنسق الصحي للطوارئ في آسيا والمحيط الهادئ للصليب الأحمر ومقره في ماليزيا، أن مجموعة متنوعة من العوامل ساهمت في الطفرة الأخيرة في الإصابات في المنطقة، بما في ذلك تخلّي بعض الأشخاص عن الاحتياطات الوقائية، فضلاً عن معدلات التطعيم المنخفضة، وظهور متحور «دلتا» من الفيروس الذي تم اكتشافه لأول مرة في الهند. وأضاف رمال قائلاً: «فيما يخص الإجراءات التي تتخذها الدول، إذا اتبع الناس أساسيات غسل اليدين وارتداء الأقنعة والحصول على اللقاحات والتطعيم، فسنشهد انخفاضاً في الحالات خلال الأسبوعين المقبلين».
ومع ذلك، لم تؤدّ إجراءات الإغلاق الوطنية في ماليزيا حتى الآن إلى خفض المعدل اليومي للعدوى. وشهدت الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 32 مليون نسمة، ارتفاعاً يومياً فاق 100 ألف حالة في 13 يوليو (تموز) للمرة الأولى، وبقي الرقم على حاله منذ ذلك الحين.
ولا يزال معدل التطعيم منخفضاً، ولكنه آخذ في الارتفاع، حيث تم تلقيح ما يقرب من 15 في المائة من السكان بالكامل، وتأمل الحكومة في الحصول على التطعيم كاملاً بحلول نهاية العام. كان الأطباء والممرضات يعملون بلا كلل لمحاولة مواكبة التفشي، وكان إيريك لام أحد المحظوظين. فبعد أن تدهورت حالته في البداية، تم وضعه على جهاز التنفس الصناعي في وحدة العناية المركزة المملوءة بكامل سعتها وتعافى ببطء، وتم تسريحه منذ أسبوعين. لكن لام فقد والده وزوج أخته بسبب الفيروس، ولا يزال شقيق آخر على جهاز التنفس الصناعي في وحدة العناية المركزة. وقال: «أشعر أنني وُلِدت من جديد وأُتيحت لي فرصة ثانية للعيش».
- التجربة الهندية
مع عدد سكان الهند الذي يقارب 1.4 مليار شخص، تتصدّر البلاد دول جنوب شرقي آسيا من حيث حصيلة الوفيات الناجمة عن «كوفيد - 19». لكن معدل الوفيات في الهند لمدة 7 أيام، بلغ ذروته في مايو (أيار)، وفقاً لنشرة «Our World in Data»، الصادرة عبر الإنترنت.
وفيما شهدت الهند تراجعاً في معدل الوفيات خلال الأسابيع الماضية، تواجه كل من إندونيسيا وميانمار وماليزيا زيادات حادة منذ أواخر يونيو (حزيران)، فيما تعاني كمبوديا وتايلاند من زيادات حادة في كل من حالات الإصابة والوفيات بالفيروس.
وسجلت دول في مناطق أخرى معدلات أعلى من الإصابات والوفيات، لكن الزيادات باتت مقلقة بشكل خاص بالنسبة لمنطقة ظلت أعداد إصاباتها منخفضة على نطاق واسع عند بداية الوباء.
في هذا الصدد، قال رمال إنه في ضوء التجربة الهندية، فقد استجابت غالبية الدول بسرعة نسبية بعد فرض قيود جديدة لإبطاء الفيروس ومحاولة تلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين يتلقون العلاج في المستشفيات بأمراض خطيرة.
وفي مقابلة عبر الهاتف من كوالالمبور، قال رمال إن «الناس في هذه المنطقة حذرون لأنهم تابعوا مباشرة بلوغ عدد الإصابات 400 ألف حالة يومياً في الهند - وهم لا يريدون تكرار ذلك هنا». لكن هذه الإجراءات تستغرق وقتاً لتحقيق التأثير المنشود، وتكافح دول المنطقة الآن للتعامل معها.
- أزمة أكسجين في إندونيسيا
أعلنت إندونيسيا، رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بـ270 مليون نسمة، عن 1383 حالة وفاة، أول من أمس (الأربعاء)، في أعلى حصيلة منذ بداية الوباء في هذا البلد.
وكانت الحالات اليومية حتى منتصف يونيو نحو 8000. لكنها بدأت بعد ذلك في الارتفاع، وبلغت ذروتها الأسبوع الماضي مع أكثر من 50 ألف إصابة جديدة كل يوم. ونظراً لأن معدل الاختبار في إندونيسيا منخفض، يُعتقد أن العدد الفعلي للحالات الجديدة أعلى من ذلك بكثير.
ومع بدء نفاد الأكسجين في المستشفيات هناك، تدخلت الحكومة وأمرت المصنّعين بتحويل غالبية الإنتاج من الأغراض الصناعية وتخصيص 90 في المائة للأكسجين الطبي. قبل انطلاق أزمة «كورونا»، كانت البلاد بحاجة إلى 400 طن من الأكسجين للاستخدام الطبي يومياً، لكن مع الارتفاع الحاد في حالات «كوفيد - 19»، زاد الاستخدام اليومي خمسة أضعاف ليفوق 2000 طن، وفقاً لنائب وزير الصحة الإندونيسي، دانتي ساكسونو.
رغم أن إنتاج الأكسجين أصبح الآن كافياً، بحسب ليا بارتاكوسوما، الأمينة العامة لجمعية المستشفيات الإندونيسية، فإن هناك مشاكل في التوزيع، لذا لا تزال بعض المستشفيات تواجه نقصاً. وفي إندونيسيا أيضاً، تلقّى نحو 14 في المائة من السكان جرعة واحدة على الأقل من اللقاح، غالبيته من لقاح «سينوفاك» الصيني.
وهناك مخاوف متزايدة من أن لقاح «سينوافاك» أقل فعالية ضد «متغير دلتا»، وتخطط كل من إندونيسيا وتايلاند لجرعات معززة من لقاحات أخرى للعاملين الصحيين الذين جرى تطعيمهم بجرعات «سينوفاك».
- تدهور متوقّع في ميانمار
وفي ميانمار، عاد الوباء ليتصدّر المشهد إثر استيلاء الجيش على السلطة في فبراير (شباط)، مما أدى إلى موجة من الاحتجاجات والصراع السياسي العنيف الذي دمر نظام الصحة العامة.
وفي الأسابيع الأخيرة، عندما بدأ نظام اختبار حالات «كوفيد - 19» والإبلاغ عنها يتحسّن، بات من الواضح أن موجة جديدة من الفيروس بدأت في منتصف مايو (أيار) تدفع الحالات والوفيات بسرعة أعلى.
ومنذ بداية يوليو (تموز)، ارتفع معدل الوفيات بشكل كبير، ويعتقد على نطاق واسع أنه، رغم ذلك، لم يتم الإبلاغ عن الرقم الحقيقي للإصابات والوفيات.
وصرح الناطق باسم رابطة «برلمانيي آسيا من أجل حقوق الإنسان» الإقليمية، بأنه «مع قلة القدرة على الاختبار، وانخفاض أعداد اللقاحات في البلاد، ونقص الأكسجين والإمدادات الطبية الأخرى على نطاق واسع، وفي ظل نظام الرعاية الصحية المحاصر بالفعل تحت ضغط متزايد، من المتوقع أن يزداد الوضع سوءاً في الأسابيع والأشهر المقبلة».
أضاف بيان الرابطة: «وفي الوقت نفسه، فإن مصادرة المجلس العسكري لأسطوانات الأكسجين، والهجمات على العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرافق منذ الانقلاب، وانعدام الثقة في أي خدمات يقدمونها من قبل غالبية السكان، فإن الأزمة قد تتحول إلى كارثة».
وأبلغت الحكومة الثلاثاء عن 5860 حالة إصابة جديدة و286 حالة وفاة جديدة. ولا توجد أرقام مؤكدة عن التطعيمات، ولكن من خلال عدد الجرعات المتاحة، يُعتقد أن نحو 3 في المائة فقط من السكان قد تلقوا جرعتين من اللقاح.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟