نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

مخاوف من انهيارها وضعف في مراقبتها

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة
TT

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

خلال السنوات بين 2013 و2017، كان سد الفرات موضع اشتباك بين القوات المتقاتلة على الأراضي السورية، وجرى التلويح باستخدامه سلاحاً يهدد انهياره ثلث مساحة البلاد. ومع انتهاء العمليات العسكرية في محيط السد، جرى تأهيل بعض أقسامه المتضررة، كمجموعات التوليد والمباني الإدارية، بالاعتماد على الخبرات المحلية، فيما تبقى السلامة الهيكلية للسد الذي جاوز عمره الاستثماري خمسين سنة أمراً معلقاً بانتظار تقييم المختصين.
- ثلث السدود خارج الخدمة
المخاطر المحتملة للسدود لا تقتصر على آثارها البيئية، إذ يزداد القلق في جميع أنحاء العالم بشأن نقص المفتشين القادرين على تقييم مخاطر تقادم السدود، مما يؤدي إلى تراكم عمليات المراقبة الدورية، وزيادة المخاطر التي تستوجب الرصد. وكان تحقيق جرى في الولايات المتحدة بعد انهيار سد «أوروفيل» قد وجد أن عمليات التفتيش السابقة في السد فشلت في تحديد العيوب الهيكلية. ويتطلب تقييم سلامة هذه المنشآت أدوات قياس متقدمة وخبرات عالية، فليس كل شيء في عالم السدود مرئياً أو يسهل قياسه.
ويحذر تقرير صدر عن جامعة الأمم المتحدة مطلع هذه السنة من أن الإرث المتزايد من السدود المتهالكة التي تجاوزت عمرها التصميمي يتسبب في زيادة هائلة في حالات انهيار السدود، أو حصول تسرب أو إطلاق طارئ للمياه يهدد مئات ملايين الأشخاص الذين يعيشون في اتجاه مجرى النهر. ويؤكد التقرير أن مفتشي السلامة العامة حول العالم لا يستطيعون مواكبة عبء العمل للتحقق من سلامة جميع السدود.
وحسب قاعدة بيانات «اللجنة الدولية للسدود الكبيرة» التي تضم 104 بلدان أعضاء، يوجد 58.713 سداً كبيراً يزيد ارتفاع كل منها عن 15 متراً، أو تتجاوز سعته التخزينية 3 ملايين متر مكعب. ومن بين هذه السدود هناك نحو 20 ألف سد أصبح دورها هامشياً أو خرجت من الخدمة.
ويشير تحليل بيانات اللجنة إلى وجود 19 ألف سد كبير قيد العمل يزيد عمره على 50 سنة، وهو العمر المعتاد الذي يستلزم القيام بإصلاحات واسعة أو الإزالة. وبمقاربة معقولة، يمكن القول إن نصف السدود الكبيرة الموضوعة في الاستثمار عالمياً دخلت مرحلة الشيخوخة.
وفي العالم العربي، يبلغ عدد السدود الكبيرة 287 سداً، يقع أكثرها في منطقة المغرب العربي وسوريا والسعودية، انتهى بناء نصفها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، يوجد 65 سداً تجاوز عمرها الخمسين سنة، أضخمها السد العالي في أسوان الذي افتتح عام 1970، ويبلغ ارتفاعه 111 متراً.
وتستطيع السدود أن تصمد لفترة تزيد على 50 أو حتى 100 سنة، إذا تم تصميمها على نحو جيد، وجرت صيانتها ومراقبتها بطريقة حسنة. وعلى سبيل المثال، اكتمل بناء سد «مايغروج» الخرساني في سويسرا سنة 1872، ومن المتوقع أن يصل عمره الاستثماري الآمن حتى 200 سنة.
وما يعزز مخاطر السدود ليس تقادمها فحسب، وإنما زيادة عدد الأشخاص الذين يستوطنون حوضها الأدنى. ويشير تقرير جامعة الأمم المتحدة إلى أنه بحلول سنة 2050، سيعيش معظم البشر في اتجاه مجرى النهر أمام السدود الكبيرة التي تم بناؤها في القرن العشرين.
وتُبنى السدود عادة من الردميات الترابية والحجارة والخرسانة، وتزداد مخاطر انهيارها مع الزمن بسبب تحلل الخرسانة وتشققها، وتسرب المياه، واتساع الشقوق الخفية في الصخور، وزيادة الحمولات عليها. كما يمكن أن تتضرر النواة الغضارية للسدود، أو يفقد السد استقراره نتيجة الزلازل أو التخريب المتعمد أو الانجراف بفعل خلل في تفريغ التدفق الطارئ للفيضانات.
وسد الموصل في العراق الذي يعد رابع أضخم سد في العالم العربي، من حيث السعة التخزينية، يمثل حالة دراسية عن السدود الخطرة حول العالم. فالسد الذي بني في 1984 على صخور كلسية تتعرض للذوبان بفعل الضغط وتخزين المياه يتطلب سنوياً حقناً بنحو 200 طن من الإسمنت والغضار لإغلاق التجاويف التي تتشكل في قاعدته.
وكان حقن سد الموصل بالمواد الداعمة قد توقف لأشهر طويلة نتيجة ضعف التمويل، وذلك بعد عملية تحريره في أغسطس (آب) 2014. وتؤكد التصريحات الرسمية الحالية سلامة السد وتشغيله على نحو آمن بخبرات محلية، فيما تراجعت مساحته السطحية بمقدار 60 في المائة منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب دورات الجفاف القاسية ومشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي تنفذه تركيا على نهري دجلة والفرات.
ومن ناحية أخرى، يؤدي تراكم الرواسب خلف السدود إلى إضعاف جدواها، ويجعلها في بعض الأحيان أكثر خطورة. وينتج ذلك عن تناقص السعة التخزينية لبحيرة السد مما يجعله أكثر عرضة للغرق في أثناء هطول الأمطار الغزيرة. ومن أجل حماية بنى السد قد يضطر القائمون على تشغيله لإجراء تفريغ مفاجئ في قنوات المفيض خلال ذروة الفيضانات.
وبعد أن اجتاح إعصار «ميتش» أميركا الوسطى سنة 1998، لقي مئات الأشخاص حتفهم داخل منازلهم في تيغوسيغالبا، عاصمة هندوراس، عندما اجتاح جدار من الماء عدداً من أحياء المدينة الفقيرة الواقعة على ضفاف نهر شولوتيكا. وأظهر التحقيق أن هذا الجدار المائي تشكل عندما قام مشغلو السدين الرئيسيين في المدينة بتحرير مفاجئ للمياه في ذروة الفيضان. وعلى الرغم من أن السدين شُيدا في سبعينيات القرن الماضي، فإن الرواسب خلفهما أفقدتهما كثيراً من سعتهما التخزينية المجدية.
وتؤدي دورات الجفاف المتكررة التي تترافق مع تدفق ضعيف وارتفاع في معدلات التبخر إلى زيادة إشكالية الإطماء خلف السدود في العالم العربي. ففي الأردن، انخفضت السعة التخزينية للسدود من 46 في المائة في 2010 إلى 33 في المائة في 2011. وفي المغرب، تراجعت السعة من 75 في المائة إلى 20 في المائة خلال الفترة بين 1986 و2004. وفي مصر، يحتجز السد العالي 100 مليون طن من الرواسب والطمي خلفه سنوياً، ويرى بعضهم أن المكسب الوحيد لمصر من بناء سد النهضة في إثيوبيا هو تقليل هذه الكمية الهائلة من الطمي التي تؤثر على جدوى السد العالي، في حين تبقى آثاره الأخرى كارثية على الأمن المائي والغذائي في مصر.
وتتضاعف مخاطر السدود أيضاً تحت تأثير تغير المناخ الذي يتسبب بحصول مزيد من الفيضانات المفاجئة نتيجة الهطولات الومضية في كثير من الأماكن. ومما يزيد الطين بلة أن تصميم وبناء أغلب السدود القائمة كان على أساس السجلات الهيدرولوجية في حقبة ما قبل تغير المناخ.
- تكاليف باهظة لتأهيل السدود أو إزالتها
تواجه السدود مجموعة من التحديات والاحتياجات؛ أولها الحاجة الكبيرة في أجزاء كثيرة من العالم إلى مزيد من الموارد المائية العذبة والطاقة الكهربائية؛ تتبعها الحاجة إلى خليط من مصادر الطاقة المختلفة، وتوفير تخزين ملائم للطاقة، فيما العالم يطور مزيداً من مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة التي تتعذر السيطرة عليها. ويعد توليد الكهرباء من التوربينات على السدود المائية المصدر الأكبر للطاقة المتجددة في معظم أنحاء العالم اليوم.
ولم تعد صناعة السدود تقدم نفسها بصفتها خياراً مستقلاً لتوليد «الكهرباء النظيفة»، بل أصبحت منتجاً مكملاً لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة الاختلافات الموسمية في هطول الأمطار من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية خلال موسم الجفاف، والطاقة الكهرومائية خلال موسم الأمطار، أو ضخ المياه بالطاقة الشمسية إلى مناطق أعلى نهاراً، واستخدامها لتوليد الكهرباء بالتوربينات المائية ليلاً.
وأصبح المطلوب أن تساهم السدود في التخفيف من تغير المناخ والتكيف مع آثاره، خاصة ما يتعلق بإمدادات المياه، والتحكم في الفيضانات وإنتاج الطاقة. وهي تواجه أيضاً التحديات المرتبطة بقيود التنمية، كالتمويل والالتزامات البيئية والمسؤولية الاجتماعية.
ويرى الخبراء أن كثيراً من السدود المتقادمة لا تزال آمنة. ومع ذلك، يجب إجراء فحص أكثر صرامة للسدود كلما زاد عمرها الاستثماري. وغالباً ما يستلزم الأمر القيام بإصلاحات باهظة الثمن، خاصة إذا جرى تأهيل السدود للتعامل مع تدفقات الأنهار الشديدة التي تختلف عن تلك التي تم افتراضها عند بنائها أول مرة.
ويشير تقرير جامعة الأمم المتحدة إلى ازدياد السدود التي لم تعد تحقق أهدافها التصميمية الأساسية، بسبب تراكم الطمي أو نتيجة توفر مصادر أقل كلفة للطاقة. وفي أغلب الحالات، تبقى هذه السدود قائمة في مكانها لأن إزالتها مكلفة صعبة من الناحية الفنية، مما يجعلها تهديداً كامناً للسلامة العامة، وعائقاً أمام استعادة النظم البيئية للأنهار.
وفيما تُعد الولايات المتحدة الرائدة عالمياً في إزالة السدود، حيث أزالت أكثر من ألف سد خلال 30 سنة مضت، فإن السدود التي أزيلت حتى الآن صغيرة يقل ارتفاعها عن 5 أمتار. ويُستثنى من ذلك سد غلينز كانيون في ولاية واشنطن الذي أزيل سنة 2014، حيث يعد هذا السد الخرساني الذي افتتح سنة 1927، ويبلغ ارتفاعه 70 متراً، أضخم سد تجري إزالته على الإطلاق. وقد استغرقت عملية الإزالة عقدين من الزمن للتخطيط والتنفيذ.
وبحلول سنة 2050، سيكون هناك نحو 240 سداً كبيراً في العالم العربي دخل مرحلة التهالك، وأصبح بحاجة إلى إصلاحات واسعة. ومع تغير المناخ وزيادة الرواسب، سيخفق كثير منها في تحقيق الغاية من تصميمه، ويصبح تشغيله خاسراً. ويصعب تخيل التعامل مع هذه المشكلة مستقبلاً، ولكن الأمل يبقى في ابتكار تقني يسترجع جدوى هذه السدود أو يبسط عملية إخراجها من الخدمة.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.