نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

مخاوف من انهيارها وضعف في مراقبتها

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة
TT

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة

خلال السنوات بين 2013 و2017، كان سد الفرات موضع اشتباك بين القوات المتقاتلة على الأراضي السورية، وجرى التلويح باستخدامه سلاحاً يهدد انهياره ثلث مساحة البلاد. ومع انتهاء العمليات العسكرية في محيط السد، جرى تأهيل بعض أقسامه المتضررة، كمجموعات التوليد والمباني الإدارية، بالاعتماد على الخبرات المحلية، فيما تبقى السلامة الهيكلية للسد الذي جاوز عمره الاستثماري خمسين سنة أمراً معلقاً بانتظار تقييم المختصين.
- ثلث السدود خارج الخدمة
المخاطر المحتملة للسدود لا تقتصر على آثارها البيئية، إذ يزداد القلق في جميع أنحاء العالم بشأن نقص المفتشين القادرين على تقييم مخاطر تقادم السدود، مما يؤدي إلى تراكم عمليات المراقبة الدورية، وزيادة المخاطر التي تستوجب الرصد. وكان تحقيق جرى في الولايات المتحدة بعد انهيار سد «أوروفيل» قد وجد أن عمليات التفتيش السابقة في السد فشلت في تحديد العيوب الهيكلية. ويتطلب تقييم سلامة هذه المنشآت أدوات قياس متقدمة وخبرات عالية، فليس كل شيء في عالم السدود مرئياً أو يسهل قياسه.
ويحذر تقرير صدر عن جامعة الأمم المتحدة مطلع هذه السنة من أن الإرث المتزايد من السدود المتهالكة التي تجاوزت عمرها التصميمي يتسبب في زيادة هائلة في حالات انهيار السدود، أو حصول تسرب أو إطلاق طارئ للمياه يهدد مئات ملايين الأشخاص الذين يعيشون في اتجاه مجرى النهر. ويؤكد التقرير أن مفتشي السلامة العامة حول العالم لا يستطيعون مواكبة عبء العمل للتحقق من سلامة جميع السدود.
وحسب قاعدة بيانات «اللجنة الدولية للسدود الكبيرة» التي تضم 104 بلدان أعضاء، يوجد 58.713 سداً كبيراً يزيد ارتفاع كل منها عن 15 متراً، أو تتجاوز سعته التخزينية 3 ملايين متر مكعب. ومن بين هذه السدود هناك نحو 20 ألف سد أصبح دورها هامشياً أو خرجت من الخدمة.
ويشير تحليل بيانات اللجنة إلى وجود 19 ألف سد كبير قيد العمل يزيد عمره على 50 سنة، وهو العمر المعتاد الذي يستلزم القيام بإصلاحات واسعة أو الإزالة. وبمقاربة معقولة، يمكن القول إن نصف السدود الكبيرة الموضوعة في الاستثمار عالمياً دخلت مرحلة الشيخوخة.
وفي العالم العربي، يبلغ عدد السدود الكبيرة 287 سداً، يقع أكثرها في منطقة المغرب العربي وسوريا والسعودية، انتهى بناء نصفها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، يوجد 65 سداً تجاوز عمرها الخمسين سنة، أضخمها السد العالي في أسوان الذي افتتح عام 1970، ويبلغ ارتفاعه 111 متراً.
وتستطيع السدود أن تصمد لفترة تزيد على 50 أو حتى 100 سنة، إذا تم تصميمها على نحو جيد، وجرت صيانتها ومراقبتها بطريقة حسنة. وعلى سبيل المثال، اكتمل بناء سد «مايغروج» الخرساني في سويسرا سنة 1872، ومن المتوقع أن يصل عمره الاستثماري الآمن حتى 200 سنة.
وما يعزز مخاطر السدود ليس تقادمها فحسب، وإنما زيادة عدد الأشخاص الذين يستوطنون حوضها الأدنى. ويشير تقرير جامعة الأمم المتحدة إلى أنه بحلول سنة 2050، سيعيش معظم البشر في اتجاه مجرى النهر أمام السدود الكبيرة التي تم بناؤها في القرن العشرين.
وتُبنى السدود عادة من الردميات الترابية والحجارة والخرسانة، وتزداد مخاطر انهيارها مع الزمن بسبب تحلل الخرسانة وتشققها، وتسرب المياه، واتساع الشقوق الخفية في الصخور، وزيادة الحمولات عليها. كما يمكن أن تتضرر النواة الغضارية للسدود، أو يفقد السد استقراره نتيجة الزلازل أو التخريب المتعمد أو الانجراف بفعل خلل في تفريغ التدفق الطارئ للفيضانات.
وسد الموصل في العراق الذي يعد رابع أضخم سد في العالم العربي، من حيث السعة التخزينية، يمثل حالة دراسية عن السدود الخطرة حول العالم. فالسد الذي بني في 1984 على صخور كلسية تتعرض للذوبان بفعل الضغط وتخزين المياه يتطلب سنوياً حقناً بنحو 200 طن من الإسمنت والغضار لإغلاق التجاويف التي تتشكل في قاعدته.
وكان حقن سد الموصل بالمواد الداعمة قد توقف لأشهر طويلة نتيجة ضعف التمويل، وذلك بعد عملية تحريره في أغسطس (آب) 2014. وتؤكد التصريحات الرسمية الحالية سلامة السد وتشغيله على نحو آمن بخبرات محلية، فيما تراجعت مساحته السطحية بمقدار 60 في المائة منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب دورات الجفاف القاسية ومشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي تنفذه تركيا على نهري دجلة والفرات.
ومن ناحية أخرى، يؤدي تراكم الرواسب خلف السدود إلى إضعاف جدواها، ويجعلها في بعض الأحيان أكثر خطورة. وينتج ذلك عن تناقص السعة التخزينية لبحيرة السد مما يجعله أكثر عرضة للغرق في أثناء هطول الأمطار الغزيرة. ومن أجل حماية بنى السد قد يضطر القائمون على تشغيله لإجراء تفريغ مفاجئ في قنوات المفيض خلال ذروة الفيضانات.
وبعد أن اجتاح إعصار «ميتش» أميركا الوسطى سنة 1998، لقي مئات الأشخاص حتفهم داخل منازلهم في تيغوسيغالبا، عاصمة هندوراس، عندما اجتاح جدار من الماء عدداً من أحياء المدينة الفقيرة الواقعة على ضفاف نهر شولوتيكا. وأظهر التحقيق أن هذا الجدار المائي تشكل عندما قام مشغلو السدين الرئيسيين في المدينة بتحرير مفاجئ للمياه في ذروة الفيضان. وعلى الرغم من أن السدين شُيدا في سبعينيات القرن الماضي، فإن الرواسب خلفهما أفقدتهما كثيراً من سعتهما التخزينية المجدية.
وتؤدي دورات الجفاف المتكررة التي تترافق مع تدفق ضعيف وارتفاع في معدلات التبخر إلى زيادة إشكالية الإطماء خلف السدود في العالم العربي. ففي الأردن، انخفضت السعة التخزينية للسدود من 46 في المائة في 2010 إلى 33 في المائة في 2011. وفي المغرب، تراجعت السعة من 75 في المائة إلى 20 في المائة خلال الفترة بين 1986 و2004. وفي مصر، يحتجز السد العالي 100 مليون طن من الرواسب والطمي خلفه سنوياً، ويرى بعضهم أن المكسب الوحيد لمصر من بناء سد النهضة في إثيوبيا هو تقليل هذه الكمية الهائلة من الطمي التي تؤثر على جدوى السد العالي، في حين تبقى آثاره الأخرى كارثية على الأمن المائي والغذائي في مصر.
وتتضاعف مخاطر السدود أيضاً تحت تأثير تغير المناخ الذي يتسبب بحصول مزيد من الفيضانات المفاجئة نتيجة الهطولات الومضية في كثير من الأماكن. ومما يزيد الطين بلة أن تصميم وبناء أغلب السدود القائمة كان على أساس السجلات الهيدرولوجية في حقبة ما قبل تغير المناخ.
- تكاليف باهظة لتأهيل السدود أو إزالتها
تواجه السدود مجموعة من التحديات والاحتياجات؛ أولها الحاجة الكبيرة في أجزاء كثيرة من العالم إلى مزيد من الموارد المائية العذبة والطاقة الكهربائية؛ تتبعها الحاجة إلى خليط من مصادر الطاقة المختلفة، وتوفير تخزين ملائم للطاقة، فيما العالم يطور مزيداً من مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة التي تتعذر السيطرة عليها. ويعد توليد الكهرباء من التوربينات على السدود المائية المصدر الأكبر للطاقة المتجددة في معظم أنحاء العالم اليوم.
ولم تعد صناعة السدود تقدم نفسها بصفتها خياراً مستقلاً لتوليد «الكهرباء النظيفة»، بل أصبحت منتجاً مكملاً لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة الاختلافات الموسمية في هطول الأمطار من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية خلال موسم الجفاف، والطاقة الكهرومائية خلال موسم الأمطار، أو ضخ المياه بالطاقة الشمسية إلى مناطق أعلى نهاراً، واستخدامها لتوليد الكهرباء بالتوربينات المائية ليلاً.
وأصبح المطلوب أن تساهم السدود في التخفيف من تغير المناخ والتكيف مع آثاره، خاصة ما يتعلق بإمدادات المياه، والتحكم في الفيضانات وإنتاج الطاقة. وهي تواجه أيضاً التحديات المرتبطة بقيود التنمية، كالتمويل والالتزامات البيئية والمسؤولية الاجتماعية.
ويرى الخبراء أن كثيراً من السدود المتقادمة لا تزال آمنة. ومع ذلك، يجب إجراء فحص أكثر صرامة للسدود كلما زاد عمرها الاستثماري. وغالباً ما يستلزم الأمر القيام بإصلاحات باهظة الثمن، خاصة إذا جرى تأهيل السدود للتعامل مع تدفقات الأنهار الشديدة التي تختلف عن تلك التي تم افتراضها عند بنائها أول مرة.
ويشير تقرير جامعة الأمم المتحدة إلى ازدياد السدود التي لم تعد تحقق أهدافها التصميمية الأساسية، بسبب تراكم الطمي أو نتيجة توفر مصادر أقل كلفة للطاقة. وفي أغلب الحالات، تبقى هذه السدود قائمة في مكانها لأن إزالتها مكلفة صعبة من الناحية الفنية، مما يجعلها تهديداً كامناً للسلامة العامة، وعائقاً أمام استعادة النظم البيئية للأنهار.
وفيما تُعد الولايات المتحدة الرائدة عالمياً في إزالة السدود، حيث أزالت أكثر من ألف سد خلال 30 سنة مضت، فإن السدود التي أزيلت حتى الآن صغيرة يقل ارتفاعها عن 5 أمتار. ويُستثنى من ذلك سد غلينز كانيون في ولاية واشنطن الذي أزيل سنة 2014، حيث يعد هذا السد الخرساني الذي افتتح سنة 1927، ويبلغ ارتفاعه 70 متراً، أضخم سد تجري إزالته على الإطلاق. وقد استغرقت عملية الإزالة عقدين من الزمن للتخطيط والتنفيذ.
وبحلول سنة 2050، سيكون هناك نحو 240 سداً كبيراً في العالم العربي دخل مرحلة التهالك، وأصبح بحاجة إلى إصلاحات واسعة. ومع تغير المناخ وزيادة الرواسب، سيخفق كثير منها في تحقيق الغاية من تصميمه، ويصبح تشغيله خاسراً. ويصعب تخيل التعامل مع هذه المشكلة مستقبلاً، ولكن الأمل يبقى في ابتكار تقني يسترجع جدوى هذه السدود أو يبسط عملية إخراجها من الخدمة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».