كيف يمكن أن تساعدنا «إنفلونزا 1918» في التنبؤ بعالم ما بعد «كورونا»؟

يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
TT

كيف يمكن أن تساعدنا «إنفلونزا 1918» في التنبؤ بعالم ما بعد «كورونا»؟

يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)
يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائمًا من ترسانتنا ضد «كورونا» وغيره من الفيروسات (أ.ب)

أدت الطبيعة المروعة لجائحة إنفلونزا عام 1918 وعواقبها المميتة إلى إحساس بالحذر، كان له في بعض الأماكن آثار عميقة على كيفية استجابة الناس لتفشي الأمراض في العقود اللاحقة - مثل اللجوء للعزل والحجر الصحي.
وبالمثل، فمع تلاشي جائحة «كورونا»، «ستبقى بعض التدابير والاتجاهات الحالية معنا لبعض الوقت وقد تستمر للأبد، وفقاً لما نقلته شبكة «سي إن إن» الأميركية عن جاكلين جولان، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو.
وقالت جولان إن التسوق عبر الإنترنت والعمل عن بعد وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا التي تسمح بالتجمعات الافتراضية ستستمر.
وأضافت «نظراً لإدراكنا باحتمالية حدوث أزمات عالمية مفاجئة، مثلما حدث مع (كورونا)، فمن المحتمل أن نحتفظ بمخزون من مواد التنظيف ومستلزمات الحماية الشخصية. ومن المحتمل أيضاً أن نتبنى عادات تعمل على تحسين النظافة لتعزيز النظافة الشخصية أو الجماعية».
ونقلت «سي إن إن» عن عدد من خبراء الصحة قولهم إننا، بالنظر إلى جائحة إنفلونزا 1918 والتغيرات الناتجة عنها والتي استمرت معنا حتى الآن، يمكن أن نرسم صورة تقريبية لحياتنا مع ما بعد «كورونا»، والتي سيتغير فيها عدد من الإجراءات التي اعتدنا عليها مثل:
1- طريقة تحية الآخرين:
قالت نانسي تومز، أستاذة التاريخ المتميزة في جامعة ستوني بروك «في حين أن مسؤولي الصحة العامة لم يشجعوا الناس على التواصل غير الضروري مع الآخرين خلال إنفلونزا عام 1918، فقد خرق بعض الأشخاص هذا التدبير في ذروة هذا الوباء، وبعد انتهائه لم يستمر الالتزام به نهائياً، ما يعني أن طريقة التحية القديمة، والتي تعتمد على المصافحة باليد، يمكن أن تعود مرة أخرى في عالم ما بعد (كورونا)».
وأضافت «مع تخفيف قيود (كورونا) في عدد من البلدان، شعر بعض الأشخاص، بمن في ذلك خبراء الأمراض المعدية، بعدم وجود ضرر من المصافحة باليد مرة أخرى إذا كان الآخرون الذين نصافحهم حذرين أو تم تطعيمهم بالكامل».
وتابعت: «ولكن دعونا نعترف بأن هناك أشخاصاً كانوا يكرهون هذه العادة الاجتماعية قبل الوباء، وهؤلاء الأشخاص قد يرون الآن فرصة لعدم القيام بها مرة أخرى».
2- السفر:
كتب عالم الجراثيم الراحل إدوين جوردان في عام 1925: «لقد كانت حماية الجماهير بعد إنفلونزا عام 1918 أمراً صعباً، لكن التقليل من فرص تفشي المرض من بلد لآخر، عبر العزل والحجر الصحي، بدا أنه يوفر أفضل فرصة لدينا للسيطرة على ويلات الإنفلونزا».
ومنذ ذلك الوقت، اعتمدت عدد من الدول نظام العزل والحجر الصحي للمسافرين للتصدي لتفشي عدد من الأمراض المختلفة بما في ذلك وباء «كورونا».
وقالت الدكتورة لينا وين، طبيبة الطوارئ بجامعة واشنطن، إن «معدلات السفر واختيار وجهات بعينها ستعتمد على المعدلات المستقبلية لحالات الإصابة بفيروس (كورونا) حيث أصبح لدى الناس الآن اعتبارات ربما لم يفكروا بها في الماضي».
وقال الخبراء إن قرارات المسافرين الأخيرة بالقيادة إلى وجهات قريبة من منازلهم، بدلاً من السفر إلى أماكن بعيدة، قد تشير إلى وجود مخاوف متبقية بشأن مخاطر «كورونا»، وهذه المخاوف قد تستمر لسنوات.
3- ارتداء الأقنعة والاحتياطات الأخرى:
قالت تومز: «إن احتياطات السلامة مثل السعال في المناديل أو عزل المصابين والمشتبه بهم أو تجنب الازدحام لمحاولة السيطرة على إنفلونزا عام 1918 لم تستمر مع بعض الأفراد على مدار العقد التالي، حيث تخلى بعض الناس عن مثل هذه الممارسات. ومع ذلك، فقد أثرت بعض السلوكيات على كيفية استجابة الأفراد والمؤسسات لتفشي الأمراض في وقت لاحق».
وأضافت «عندما ظهرت الإنفلونزا في عام 1928، على سبيل المثال، قامت بعض الكليات والجامعات على الفور بعزل الأشخاص المصابين بالإنفلونزا، وقللت الازدحام بالمدرجات عن طريق السماح بحضور 15%فقط من الطلاب بكل مدرج».
وتابعت تومز: «علاوة على ذلك، قدمت بعض رياض الأطفال في العشرينات من القرن الماضي مناهج تعليمية صحية تدرب الطلاب على السلوكيات الصحية السليمة التي يجب اتباعها عند الإصابة بالعدوى مثل ضرورة السعال والعطس في المناديل والحفاظ على نظافة أيديهم».
وأضافت أستاذة التاريخ في جامعة ستوني بروك أنه «بعد أكثر من عام من ارتداء الأقنعة للحفاظ على سلامتنا وسلامة الآخرين خلال جائحة (كورونا)، يتوقع بعض الخبراء أن تصبح الأقنعة جزءاً دائماً من ترسانتنا ضد فيروس (كورونا) وغيره من الفيروسات أو البكتيريا».
4- التقدم العلمي:
قالت وين: «في عام 1918، كانت البنية التحتية للبحث العلمي متناهية الصغر مقارنة اليوم. فبعد تفشي (كورونا)، كانت استجابة المجتمع العلمي قوية جداً، حيث تخلى الجميع عن كل ما يفعلونه وحاولوا العمل على إيجاد لقاح للمرض. بالطبع حاول الخبراء تطوير لقاحات لإنفلونزا 1918 لكنهم لم يعرفوا ما هو العامل الممرض».
وأضافت وين أن ما حدث خلال وباء (كورونا) سيدفع الدول والحكومات إلى زيادة الاهتمام بالبحث العلمي وزيادة الإنفاق في مجالات الطب والتكنولوجيا على وجه الخصوص.
5- مستقبل العمل:
خلال الموجة الثانية القاتلة من إنفلونزا عام 1918، أوصت الهيئات الصحية الأميركية المتاجر والمصانع بتقسيم الموظفين على ساعات عمل مختلفة، مؤكدة على ضرورة أن يحاول الناس السير إلى العمل على الإقدام لمنع الاكتظاظ في وسائل النقل العام.
ولا يبدو أن هذه التوصيات قد استمرت لفترة طويلة بعد هذا الوباء.
في المقابل، أجبر (كورونا) الكثير من الشركات على الإغلاق أو السماح للموظفين بالعمل من المنزل، وأحد أهم المجالات التي من المحتمل أن نرى فيها تغييرات دائمة في عالم ما بعد فيروس (كورونا) هو كيفية أداء العمل، كما قال رافي غاغيندران، الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة فلوريدا.
وقال غاغيندران: «من المرجح أن تفكر الشركات في العمل عن بُعد كاستراتيجية جديدة، خصوصاً مع احتمالية ظهور أنواع جديدة من الفيروسات في المستقبل، أو ظهور طفرات جديدة من (كورونا) لا يمكن للقاحات التصدي لها».
وأضاف «العمل عن بعد يوفر المرونة ليس فقط في التعامل مع الوباء ولكن أيضاً في ضمان استمرار العمل أثناء حالات الطوارئ الأخرى مثل الكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.


قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.