الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

«الشرق الأوسط» تنشر رسائل سرية بين الرئيسين السوري والعراقي في منتصف التسعينات

الرئيس صدام حسين (أ.ف.ب)  -  الرئيس حافظ الأسد (أ.ف.ب)
الرئيس صدام حسين (أ.ف.ب) - الرئيس حافظ الأسد (أ.ف.ب)
TT

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

الرئيس صدام حسين (أ.ف.ب)  -  الرئيس حافظ الأسد (أ.ف.ب)
الرئيس صدام حسين (أ.ف.ب) - الرئيس حافظ الأسد (أ.ف.ب)

في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، بادر الرئيس صدام حسين إلى فتح قناتي تواصل سريتين مع الرئيس حافظ الأسد. لكن الأسد قابل ذلك بـ«شكوك» في نوايا صدام، في ضوء تجارب الماضي، ودوره في إحباط تنفيذ «ميثاق العمل الوطني المشترك» بين سوريا والعراق عام 1979. قرر المضي في فتح الحوار، لكنه أخضع صدام لاختبارات عدة لتمهيد الأرضية مع الدول العربية والمعارضة العراقية، قبل الوصول إلى خطوات علنية تنهي القطيعة بين نظامي «البعث» في بغداد ودمشق، عبر تبادل رسائل سرية، تكشف «الشرق الأوسط» عنها للمرة الأولى.
هذه الرسائل جزء من الوثائق الكثيرة التي حملها نائب الرئيس السوري الراحل عبد الحليم خدام من مكتبه إلى باريس، لدى مغادرته سوريا في عام 2005 وإعلان انشقاقه في نهاية ذاك العام. واتصلت «الشرق الأوسط» بالمبعوث العراقي السفير أنور صبري عبد الرزاق القيسي، الذي أكد صحة الوثائق.
وبدا صدام في أولى رسائله في أغسطس (آب) 1995، إلى الأسد مستعجلاً بإعادة فتح السفارتين اللتين أغلقتا في 1982، وعقد لقاءات سياسية رفيعة وعلنية، وفتح الحدود. لكن الأسد قرر إجراء مشاورات عربية قبل الاستجابة الملموسة لمقترحات الرئيس العراقي، لـضمان «تحقيق مصلحة الأمة العربية والقطرين الشقيقين»، حسب خدام.
في أغسطس (آب) 1995، طلب السفير العراقي رافع التكريتي لقاءً مع السفير السوري عبد العزيز المصري، والتقاه في اليوم ذاته، وأبلغه أنه تلقى رسالة شخصية من رئيسه صدام لنقلها إلى الأسد، جاء فيها: «أؤكد أن الخطوة التي نتقدم بها نحو سوريا بهدف بناء الثقة والتقارب بين البلدين هي خطوة جدية جداً، وبأن أي حساسية من حساسيات الماضي لن تعاد. إن تجارب الماضي لها ظروفها وملابساتها، وعلينا أن ننساها وأن نبدأ بانفتاح حقيقي وجدي وبقلوب مفتوحة حيال هذه المرحلة الخطيرة».
وفي أواخر أغسطس من العام 1995، اتصل أنور صبري عبد الرزاق القيسي، السفير العراقي في قطر، بالمدير العام لـ«المنظمة العربية للتنمية الزراعية» يحيى بكور، طالباً منه إبلاغ دمشق برغبته في القيام بزيارة حاملاً رسالة من صدام.
ناقش الأسد الرسالتين معي ووزير الخارجية فاروق الشرع، وقرر الموافقة على حضور السفير العراقي بصورة سرية وحصر اتصالاته معي. وكان الحرص على أن تتم الاتصالات مع السفير العراقي في قطر وليس في أنقرة، لأسباب كثيرة بينها أمن المعلومات، لاحتمال أن تكون السفارتان (السورية والعراقية) في أنقرة مخترقتين بوسائل الاستماع من أجهزة مخابرات عديدة، ذلك لعدم قناعتنا بجدية النظام العراقي في تغيير جوهري في سياساته، وفي بناء علاقات جدية معنا، لأن مخزون العلاقات مليء بالسلبيات والأذى والأضرار الكبيرة التي لحقت بسوريا وبالأمة العربية، إضافة إلى حرصنا على استمرار علاقاتنا مع المعارضة العراقية... وعلاقاتنا العربية التي تقوم بينها وبين النظام العراقي حالة من العداء العميق.
في 5 سبتمبر (أيلول) 1995، استقبلت مساءً أنور صبري عبد الرزاق، وكان لقاءً ودياً جرى خلاله استعراض العلاقات بين البلدين ودور بغداد في تعطيل هذه العلاقات، بما في ذلك المؤامرة المزعومة في يوليو (تموز) العام 1979. أبلغني ما يلي: «تحيات حارة من الرئيس العراقي إلى الرئيس حافظ ولي، وإن صدام يؤكد أن رغبة العراق في إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع سوريا لم يكن حدثاً طارئاً أو مرتكزاً آنياً بسبب ما يتعرض له العراق من ضغوط أميركية وإصرار مقصود لاستمرار الحصار، بل إن هذه الرغبة تنطلق من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي العربي والمصالح العربية المصيرية».
وقال السفير: «يحيي الرئيس صدام والعراقيون جميعاً تصريحات الرئيس حافظ وتصريحاتك في إيران ويثمنونها تثميناً عالياً، والتي أكدت حرصه على وحدة العراق أرضاً وشعباً، ورافضاً أي تدخل أجنبي».
وأضاف أن صدام يقول إن المخطط الأميركي– الصهيوني واضح، وأصبح الأردن جزءاً منه، وهو يعد طبخة تهدف للإضرار ليس بالعراق فقط، وإنما بسوريا وبكل المصالح العربية، وليس الهدف إضعاف العراق وتقسيمه، وإنما استباحة المنطقة العربية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
كما نقل عن صدام قوله إن العراق يسعى بعقل مفتوح ونية صادقة إلى الحوار مع كل الأطراف العربية، وبدون استثناء، من أجل تصفية الأجواء وعقد المصالحات العربية على أسس موضوعية، تضع في اعتبارها المصلحة العربية العليا ومواجهة التحديات التي تتهددنا جميعاً، إضافة إلى إبعاد المنطقة عن دائرة التعقيد والابتزاز. و«لهذا فإن الرئيس يقترح أن يقوم محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية (العراقي) بزيارة دمشق لإجراء حوار سياسي واسع تتحدد فيه رؤى وتقييم الجانبين للأحداث، وهو مستعد للمجيء فوراً، بصورة سرية أو علنية».
وتابع: «يؤكد الرئيس صدام أن الأوضاع في الداخل لم تتأثر من قريب أو بعيد بالضجة الإعلامية التي أثارها الأردن بعد فرار المرتد حسين كامل، وهو الذي يقود الأوضاع في العراق والمؤسسات الرسمية والحزبية، وكل ما يثار من إشاعات هي من صنع خيال الأردن، وكان الرئيس حافظ مصيباً ودقيقاً عندما أكد ذلك. رفاقكم في العراق صامدون منذ خمس سنوات».

عرضت الرسالة على الرئيس حافظ، وناقشها معي مطولاً في ضوء صورة الماضي الأسود في العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، فقد رأى أن يكون الجواب إيجابياً وودياً، يطلب فيه لقاءً لمعرفة جدية الموقف العراقي.
وفي 13 سبتمبر (أيلول) 1995، استقبلت السفير العراقي وأمليت عليه الرسالة التالية: «تحيات الرئيس حافظ وتحياتي للرئيس صدام. يؤكد الرئيس حافظ أن المرحلة التي تمر بها الأمة العربية والتهديدات التي يتعرض لها كل من العراق وسوريا، تقتضي أن يبادر الطرفان، ومن دون تأخير، إلى ضرورة تجاوز العقبات وتجاوز الخلافات، لإيقاف حالة التدهور في الوضع العربي وانقسامه إلى شلل ومحاور، يحاول فيه كل محور أن يلعب على الآخر ضماناً لمصالح خاصة ومعروفة، تبتعد كلياً عن المصالح العليا للأمة العربية، إرضاءً لهذا الطرف الدولي أو ذاك. لذلك فإن قدر سوريا والعراق يفرض عليهما انتشال الوضع العربي من حالة الزيف والتردي، لأنهما يشكلان قوة هائلة في مواجهة الأخطار المحدقة بالوطن العربي. وأبرز هذه المخاطر الدور الأردني، الذي كما قلنا سابقاً، أصبح جزءاً مهماً من الاستراتيجية الأميركية - الصهيونية، والمحاولات المشبوهة التي يحاول التحرك بها سواء مع واشنطن أو تركيا أو مع الكيان الصهيوني، وما يتردد عن الأحلاف التي أخذت تتشكل وتظهر إلى العلن، وخطورتها ليست فقط على سوريا والعراق، وإنما على الأمة العربية. لذلك، فعودة العلاقات إلى طبيعتها في هذا الوقت بالذات بين البلدين الشقيقين، العراق وسوريا، التي هي بحد ذاتها قادرة على بناء موقف عربي موحد وفاعل وقادر على مواجهة التحديات التي بدأت تتفاعل يوماً بعد يوم، والتي من ضمنها التحدي الصهيوني الذي يحاول إلغاء الهوية العربية، وكذلك الخطر التركي بمشاريعه المائية والعسكرية التي تتمتع بغطاء أميركي - صهيوني».
وقلت إنه من المفيد قبل أن يحصل لقاء معرفة وجهة نظر الإخوان في العراق، حول كيفية استئناف العلاقات والتعاون، وفي ضوء ذلك يمكن تحديد مستوى اللقاء.
تلقى السفير العراقي بارتياح كبير الرسالة، وبدا شديد الحماس لعودة فورية إلى العراق.
وفي 19 سبتمبر (أيلول)، التقى السفير العراقي في أنقرة نظيره السوري، وأبلغه أن القيادة في بغداد تلقت استفسارات القيادة السورية هذه بكل الارتياح، وهي تترك للقيادة السورية تحديد طبيعة ومستوى ومدى الحوار والتعاون، فهي على استعداد للقاء سوري على الحدود السورية - العراقية، تحدد القيادة السورية درجة سريته والمستوى والتاريخ «كما ترغب القيادة العراقية في إعادة العلاقات الدبلوماسية، على مستوى رعاية مصالح أو قائم بالأعمال أو سفير».
كان الوضع بالنسبة لنا مقلقاً بسبب التحرك الأميركي والأردني من جهة، ومن جهة ثانية فإن تجارب الماضي مع القيادة العراقية وما عانيناه من مرارة وآلام، شكل عامل حذر. إضافة إلى أن التقارب السريع، دون تحضير عربي له، سيؤدي إلى تشويش علاقاتنا العربية وإلى قيام حالة من البرود مع التيار القومي في المعارضة العراقية، وشكوك بيننا وبين التيار الإسلامي والجبهة الكردية التي تربطنا بها علاقات جيدة.
وفي 2 فبراير (شباط) 1996 استقبلت أنور صبري، وأبلغني رسالة نصها: «الرئيس صدام حملني تحياته إلى أخيه الرئيس حافظ ولكم، وهو يكرر شكره وتقديره العالي لموقف الرئيس الأسد وموقفكم من الدعوة المشبوهة لإقامة الكونفدرالية أو أي فيدرالية يتبناها النظام الأردني ويحاول الترويح لها في إطار اللعب على حبال السياسة والمصالح الذاتية التي تتناغم مع المشروع الصهيوني الاستعماري القديم لتقسيم المنطقة والهيمنة عليها.
إن استمرار الحصار على العراق، تحت حجة عدم التزام العراق بالقرارات الدولية، أصبح يطرح أكثر من تحد، وتجاوز موضوع الكويت والضغط الذي يمارس على العراق سيصل إلى كل العرب لتنفيذ طلبات أميركية لتطويع العالم العربي، وذلك باستخدام الشرعية الدولية في إطار ما يسمى النظام الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. إن الوضع العربي الذي تمر به الأمة العربية حالياً، لا يشكل تهديداً للأمن القومي العربي فقط، وإنما هو تهديد لمواقع ومستقبل الهوية العربية، من خلال طروحات مفهوم الشرق أوسطية الذي أصبحت تتبناه وتعمل له أكثر من دولة عربية، ما زاد وكرس حالة التمزق العربي، وبالتالي قد فتح المجال أمام القوى الأجنبية لفرض الهيمنة الشاملة السياسية والاقتصادية، وهذا ما يحدث بالتحديد في منطقة الخليج العربي».
وأضاف السفير: «يؤكد الرئيس صدام أن المطلوب من العراق وسوريا، وهما جناحا الأمة العربية في هذه المرحلة، التحرك بسرعة وقبل فوات الأوان، لإيقاف حالة التدهور العربي، من خلال عودة العلاقات الأخوية والمبدئية، مهما كان عمق الخلافات. فالمسؤولية التاريخية تحتم عليهما رأب الصدع. العالم العربي مهدد بالتفكك والاختراق الشامل، خصوصاً إذا رصدنا التصريحات الأميركية الأخيرة، والتي وجدت صدى وحماساً من طرف عربي أصبح جزءاً من المخطط الأميركي - الصهيوني، ويعني بذلك الأردن الذي أخذ يتبنى فكرة إقامة حلف عسكري تقوده أميركا وتلعب الدور فيه إسرائيل والأردن وتركيا، تحت ذريعة حماية مكتسبات السلام، وكذلك الإعلان الأميركي عن تقديم المعدات العسكرية للأردن في هذا الوقت بالذات، دليل عملي لهذا التوجه الذي يقصدون به العراق وسوريا».
وحسب محضر الاجتماع، قال السفير: «رغم الإيجابيات التي تحققت في اللقاءات العراقية - السورية الأخيرة، فإن الرئيس صدام يعتقد أنها لا تستجيب لمستوى التحديات التي نواجهها في هذه المرحلة، والمتمثلة بالدور الأردني المشبوه، وطبيعة التحالف مع الكيان الصهيوني، في إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة، بما يتلاءم وظروف التحول السياسي المتسارع الذي تعيشه الأمة العربية منذ بداية المفاوضات مع إسرائيل».
وأضاف: «سيبقى العراق العمق العسكري والسياسي والاقتصادي لسوريا مهما كانت الظروف والتحديات، ويعتقد الرئيس صدام أن عودة العلاقات مع سوريا إلى سابق عهدها سيكون عامل قوة لموقفها التفاوضي مع إسرائيل، من أجل تحقيق الثوابت القومية فيما يتعلق بالصراع العربي - الصهيوني والعودة بالتضامن العربي إلى دائرة الفصل السياسي في مواجهة استحقاقات الوضع الجديد في المنطقة وحماية المصالح العربية. وإن السياسة التركية، بما يتعلق بالتحكم بالموارد المائية، تشكل خطراً حقيقياً على العراق وسوريا في الزمن المنظور، وتركيا تستفيد في سياستها هذه من الحالة الراهنة للعلاقات السورية - العراقية. ولمواجهة هذا التحدي، لا بد من التحرك بسرعة لتوحيد المواقف والضغط على بعض الأطراف العربية التي ساهمت وتسهم في الجهد التركي لبناء السدود، من خلال المساعدات التي قدمت وتقدم تحت غطاء تحديث الجيش التركي، والذي خصص له أكثر من أربعة مليارات دولار، تدفع دول الخليج معظمها. العراق سيقبل عرض الأمين العام للأمم المتحدة فيما يتعلق بتصدير النفط مقابل الغذاء والدواء، فيما لو ابتعدت آلية التنفيذ عن الإخلال بسيادة العراق ولفترة محددة لجهة تنفيذ الفقرة 22 من القرار 586».

وعليه، فإن الرئيس صدام، حسب الرسالة التي نقلها السفير العراقي في الدوحة، «يقترح على سوريا ضرورة فتح أنبوب النفط الذي يمر عبرها، واتخاذ الخطوات الفنية لتهيئة هذا الأنبوب ليكون من المنافذ الخمسة التي سوف يعتمد عليها العراق في تصدير النفط خلال تنفيذ عرض الأمم المتحدة، أو بعد رفع الحصار، وكذلك بالنسبة للموانئ السورية، لتكون المنفذ التجاري للعراق. وفي ضوء الأمور التي تم التعرض لها، فالرئيس صدام يقترح على وجه السرعة ما يلي:
1 - إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الشقيقين، وسيبادر العراق للإعلان عن ذلك.
2 - بدء اتصالات سياسية على أعلى المستويات، لتحديد أولويات لبناء العلاقات بين البلدين.
3 - المباشرة في إجراء مباحثات أمنية بين البلدين الشقيقين على مستوى رئيسي الجهاز الأمني.
4 - فتح الحدود وفق إجراءات يتفق عليها الجانبان».
بعد أن اطلعت على الرسالة، شرحت للسفير موقفنا من المشروع الأردني الذي يشكل خطراً حقيقياً على الأمة العربية ويفتح الطريق أمام المكاسب الإسرائيلية، كما شرحت له الإجراءات والخطوات التي قمنا بها لتعطيل هذا المشروع، بما في ذلك اتصالاتنا مع أطراف المعارضة العراقية وعدد من الدول العربية وإيران، كما أننا سنجري اتصالات مع بعض الدول العربية، حتى لا تؤدي اتصالاتنا مع بعضنا إلى زيادة تعقيد الوضع العربي. وأبلغت السفير أني سأطلع الرئيس الأسد على رسالة الرئيس صدام.
عرضت الرسالة على الرئيس حافظ، وكان واضحاً أن ما تعرضه القيادة العراقية فيه نفع كبير لسوريا وسياستنا، وفي الوقت نفسه كان الخوف من التراجع العراقي، لأنه سيؤدي إلى خسارتين: خسارة كتلة عربية تقف إلى جانبنا وترفض السلام مع إسرائيل قبل أن يتحقق مع سوريا، وخسارة العراق ستكون مضاعفة بما يتحمله من انتكاسات كبرى.
اتفقت مع الرئيس حافظ على إعداد مشروع رد يبقي طريق الحوار مفتوحاً، لسبر إمكانية الوصول إلى اتفاق جدي من جهة، وتهيئة المناخ، لا سيما مع السعودية والكويت اللتين كانتا الأشد تضرراً من اجتياح الكويت والأكثر حساسية بين دول الخليج لهذه المسألة، من جهة ثانية.
في 4 فبراير (شباط) 1996، عرضت مشروع الرسالة على الرئيس فوافق عليه، ثم استدعيت السفير العراقي وأمليتها عليه، وهذا نصها: «السيد الرئيس يهدي تحياته إلى أخيه الرئيس صدام، ويعبر عن ارتياحه لمبادرته، ويشاركه القلق حول الوضع في المنطقة وحول المؤامرة الهادفة إلى تفكيك العرب وإلغاء الهوية العربية (...) والمشروع الأردني - الإسرائيلي هو جزء من هذه المؤامرة التي تستهدف العرب في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم... وقلقنا بدأ منذ فترة، وكنا نتوقع مثل هذه التطورات الجارية في الساحة العربية. لذلك، فإن الرئيس حافظ تحدث عن حول وجوب تحقيق المصالحة العربية وتجاوز أحداث الماضي، وأن الجميع مهدد من الخارج. وفي كل اتصالاتنا العربية التي أجريناها، كنا نركز على هذا الأمر وعلى معاناة العراق ووجوب إيجاد مخارج لإنهاء هذه المعاناة، وبالتالي استعادة التضامن العربي. وكذلك فعلنا في اتصالاتنا الدولية، وآخرها اتصالنا مع فرنسا».
وأضاف الأسد: «تشكلت لدينا، بعد إعلان الملك حسين عن مشروعه، توجهات نعتقد أنها في مصلحة الأمة العربية ومصلحة العراق وسوريا، وكنا بصدد إجراء اتصال مع عدد من الدول العربية من أجل أن نوسع شمولية هذه التوجهات، ثم جاءت مبادرتكم (صدام). ولذلك، خلال الأيام القادمة، ستجرى اتصالات مع هذه الدول على مستوى رفيع، بهدف إقناعهم بتوجهاتنا المشار إليها».

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
TT

بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)

لم يعد تأمين الغذاء والدواء التحدي الوحيد الذي يواجه آلاف الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين؛ إذ برزت أزمة أقسى، تتمثل في العجز عن دفع إيجارات المنازل؛ مما وضع أعداداً متصاعدة من السكان أمام خطر فقدان المأوى والتشرد، في ظل تدهور اقتصادي مستمر، وتراجع فرص العمل، واستمرار أزمة الرواتب.

وتؤكد مصادر حقوقية أن ظاهرة التهديد بالإخلاء القسري للمستأجرين تشهد تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في العاصمة المختطفة صنعاء، حيث تعجز أعداد متصاعدة من الأسر عن سداد الإيجارات المتراكمة؛ نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية المستمر منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن أزمة السكن لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، بل تحولت قضيةً إنسانيةً تهدد الاستقرار الاجتماعي لعشرات آلاف الأسر، التي تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستدانة لتسديد الإيجارات، وإما مواجهة خطر الطرد من مساكنهم.

وفي أحد أحياء مديرية شعوب شرق صنعاء، تنتظر أم محمد انتهاء المهلة الأخيرة التي منحها لها مالك المنزل لسداد الإيجارات المتراكمة. وتقول إن زوجها فقد مصدر دخله المنتظم منذ فترة طويلة، وإن الأسرة باتت عاجزة عن توفير المبلغ المطلوب رغم محاولاتها المستمرة.

عائلات يمنية تضطر إلى السكن في دكاكين مهجورة داخل الأحياء (إكس)

وتعكس قصتها واقعاً متكرراً تعيشه آلاف الأسر التي فقدت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية، في وقت يزداد فيه الضغط من قبل ملاك العقارات، الذين يواجهون بدورهم ظروفاً اقتصادية صعبة تدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم المالية.

ويشير سكان في المدينة إلى أن كثيراً من ملاك العقارات أصبحوا أقل قدرة على منح المستأجرين مهلاً إضافية، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة وتآكل المدخرات؛ مما فاقم من حدة الخلافات بين الطرفين.

ويقول «سعيد»، وهو موظف حكومي يقطن صنعاء، إنه لم يتقاضَ راتباً منتظماً منذ سنوات، وإنه اضطر إلى بيع بعض مقتنيات منزله لتغطية النفقات الأساسية. ويضيف أن مالك العقار يطالبه باستمرار بدفع المتأخرات أو إخلاء الشقة، دون أن يملك أي بديل سكني يؤويه مع أسرته.

أما «عبد الملك»، وهو سائق أجرة، فيشير إلى أن دخله اليومي بالكاد يغطي احتياجات أسرته الغذائية، فيما تراكمت عليه إيجارات أشهر عدة، مؤكداً أن صاحب المنزل لم يعد يقبل مزيداً من التأجيل.

أزمة متفاقمة

وأسهمت سنوات الصراع في تدهور مصادر الدخل وإضعاف النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق اليمنية؛ مما أثر بشكل مباشر في قدرة المواطنين على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية.

فإلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، فقد تراجعت فرص العمل بصورة حادة، بينما استمرت أزمة الرواتب التي طالت مئات آلاف الموظفين؛ مما أدى إلى استنزاف المدخرات المحدودة، ودفع بمزيد من الأسر نحو الفقر.

ويؤكد اقتصاديون أن السكن بات أحد أكبر الأعباء المالية التي تواجه الأسر اليمنية، خصوصاً في المدن الكبرى التي يعتمد معظم سكانها على الإيجار. وفي ظل غياب أي تحسن اقتصادي ملموس، تزداد المخاوف من اتساع دائرة العجز عن السداد خلال الفترة المقبلة.

الحوثيون ينفقون الأموال على الدعاية العقائدية ويتجاهلون معاناة اليمنيين (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع المساعدات الإنسانية الموجهة إلى اليمن في زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، التي كانت تعتمد جزئياً على تلك المساعدات لتغطية بعض احتياجاتها الأساسية، بما فيها تكاليف السكن.

ووفق مصادر مطلعة، فقد شهدت أقسام الشرطة والمحاكم في صنعاء خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً في أعداد النزاعات المرتبطة بالإيجارات؛ نتيجة تعثر المستأجرين في السداد، وإصرار بعض الملاك على استعادة عقاراتهم أو تحصيل مستحقاتهم المالية.

وتوضح المصادر أن معظم القضايا يتعلق بأسر فقدت مصادر دخلها أو تعتمد على أعمال يومية غير مستقرة؛ مما جعلها غير قادرة على الالتزام بدفع الإيجارات بشكل منتظم.

اتساع دائرة الإخلاء

وتحذر تقارير أممية من تفاقم أزمة السكن في اليمن، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من السكان معرضون لخطر فقدان المأوى بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإيجارات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 308 آلاف نازح يواجهون مخاطر الإخلاء القسري نتيجة عدم قدرتهم على تسديد الإيجارات، في ظل تراجع فرص العمل، وفقدان مصادر الدخل، وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

ويخشى ناشطون يمنيون في المجال الإنساني أن يؤدي اتساع ظاهرة الإخلاء إلى زيادة معدلات التشرد والنزوح الداخلي، خصوصاً بين الأسر التي لا تمتلك مساكنَ بديلة أو أراضيَ يمكن العودة إليها.

كما يحذرون من التداعيات الاجتماعية والإنسانية لهذه الأزمة على الأطفال والنساء وكبار السن، بصفتهم الفئات الأكبر عرضة للضرر في حال فقدان المأوى.


مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.