اختبار لـ«كورونا» يحلل أكثر من ألف عينة في وقت واحد

يحقق دقة تصل إلى 98 %

المنصة الجديدة المبتكرة لاكتشاف الأجسام المضادة (الفريق البحثي)
المنصة الجديدة المبتكرة لاكتشاف الأجسام المضادة (الفريق البحثي)
TT

اختبار لـ«كورونا» يحلل أكثر من ألف عينة في وقت واحد

المنصة الجديدة المبتكرة لاكتشاف الأجسام المضادة (الفريق البحثي)
المنصة الجديدة المبتكرة لاكتشاف الأجسام المضادة (الفريق البحثي)

يمكن أن يكون اختبار الأجسام المضادة أداة قوية لتتبع انتشار فيروس «كورونا» المستجد، المسبب لمرض «كوفيد - 19»، حيث طوّر علماء سويسريون من معهد الهندسة الحيوية بمدرسة لوزان للفنون التطبيقية وجامعة جنيف ومستشفيات جامعة جنيف، اختبارا موثوقا ورخيصا للأجسام المضادة يمكنه تحليل أكثر من 1000 عينة في وقت واحد، ويتطلب قطرة صغيرة من الدم، مثل تلك التي يتم الحصول عليها من وخز الإصبع، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز أول من أمس (الاثنين) في دورية PNAS.
وبعد إصابة الشخص بالفيروس المسبب لـ«كوفيد - 19»، يبدأ في إنتاج جزيئات مناعية تسمى الأجسام المضادة، وتلتقط اختبارات الأجسام المضادة وجود الأجسام المضادة ضد الفيروس في الدم.
ونظراً لأن الأجسام المضادة قد تستغرق عدة أيام إلى أسابيع حتى تتطور، فإن اختبارات الأجسام المضادة لا يمكنها اكتشاف العدوى النشطة، ولكنها يمكن أن تساعد في معرفة نسبة المجتمعات التي أصيبت بالفيروس في الماضي، وهذه المعرفة مفيدة للتحقيقات الوبائية، وتوجيه سياسات الصحة العامة، وتعد اختبارات الأجسام المضادة أيضا أداة قوية لتقييم فاعلية لقاحات (كوفيد - 19) في التجارب السريرية، عندما ينظر العلماء إلى ارتفاع الأجسام المضادة بعد تلقي المتطوعين اللقاح.
ومع أهميتها، فإن اختبارات الأجسام المضادة تعتمد على كواشف باهظة الثمن إلى حد ما وتتطلب عادة كميات أكبر من الدم تؤخذ عن طريق سحب الدم الوريدي، والتي لا يمكن إجراؤها إلا من قبل أفراد الرعاية الصحية المدربين، علاوة على ذلك، فإن بعض الاختبارات في السوق غير دقيقة للغاية لتقديم نتائج موثوقة، وهي المشاكل التي تجاوزها الباحثون من جامعات لوزان وجنيف ومستشفيات جامعة جنيف، عبر اختبار عالي الدقة يمكنه تحليل مئات العينات في الوقت نفسه، باستخدام كميات دقيقة من الكواشف وقطرات دم واحدة.
ويقول المؤلف الأول للدراسة زوي سوانك من معهد الهندسة الحيوية بمدرسة لوزان للفنون التطبيقية في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للمدرسة بالتزامن مع نشر الدراسة إن «أروع شيء في أسلوبنا هو أنه يمكنك إجراء الكثير من الاختبارات في وقت واحد بأقل قدر من الكواشف، ويمكنك حتى أن تجعل الناس يجمعون عينات الدم الخاصة بهم في المنزل».
وتتكون المنصة، التي يمكنها تحليل ما يصل إلى 1024 عينة في وقت واحد، من شبكة معقدة من الأنابيب الدقيقة المنحوتة في شريحة بلاستيكية بحجم «يو إس بي».
ولإجراء الفحص، يقوم الباحثون بتغذية عينات الدم الفردية واختبار الكواشف من خلال قنوات هذه الشريحة «ميكروفلويديك»، وإذا كانت الأجسام المضادة ضد الفيروس موجودة في عينة الدم، فإن الجزيء يولد إشارة يمكن اكتشافها على أنها توهج فلوري تحت المجهر.
وعندما اختبر الفريق عينات دم من 155 شخصا مصابا بفيروس «كورونا» المستجد، اكتشف الفحص أجساما مضادة للفيروس في 98 في المائة من الحالات، والفحص أيضا محدد للغاية، فلم يكتشف أبداً الأجسام المضادة للفيروس في عينات من الأشخاص الذين لم يصابوا بالفيروس.
ونظراً لأن جهاز ميكروفلويديك صغير جداً، فإن كميات الدم والكواشف المستخدمة هي جزء بسيط من تلك المطلوبة لاختبارات الأجسام المضادة القياسية لـ(كوفيد - 19).
ويقول سيباستيان جي ميركل، من قسم علم الأمراض والمناعة بجامعة جنيف، والباحث المشارك بالدراسة إن «إجراء مئات الاختبارات على منصة واحدة يعني أن الشخص يمكنه إجراء المزيد من الاختبارات في وقت أقل، مع توفير التكاليف المحتملة على العمالة البشرية».
ويضيف «إذا قمت بأخذ كل شيء في الاعتبار، بما في ذلك تكاليف الرواتب وتكلفة الكواشف، فستكون تكلفة الفحص الواحد حوالي 0.5 فرنك سويسري».
وللتخلص من الحاجة إلى جمع الدم من عروق الناس، قام سوانك وزملاؤه بتقييم ما إذا كان بإمكانهم استخدام عينات الدم التي تم الحصول عليها من وخز الإصبع - وهو إجراء بسيط يتم فيه ثقب الإصبع بإبرة صغيرة للحصول على كمية صغيرة من الدم.
واختبر الباحثون ثلاثة أجهزة متاحة تجارياً لإجراء اختبارات الدم بوخز الإصبع، بما في ذلك شرائط اختبار الجلوكوز التي يستخدمها مرضى السكري لقياس مستويات السكر في الدم لديهم.
ويمكن إجراء اختبار الأجسام المضادة المعتمد على عينات الدم التي تم جمعها عبر الأجهزة الثلاثة المتاحة تجاريا، حتى عندما يُترك الدم ليجف ويُخزن لمدة أسبوع تقريباً في درجة حرارة الغرفة، أو عندما يتم شحن العينات بالبريد العادي من جنيف إلى لوزان.
وتقول إيزابيلا إيكرلي من قسم الأمراض المعدية بمستشفيات جامعة جنيف، والباحثة المشاركة بالدراسة إن «أسلوب جمع الدم بطريقة لامركزية عن طريق وخز إصبع بسيط، ويمكن إجراؤه في المنزل، والمقايسة المخبرية المتطورة ذات الدقة التشخيصية العالية تجعل هذا الاختبار جذاباً للغاية للدراسات الوبائية واسعة النطاق، بل يمكن استخدامه للمناطق الجغرافية النائية التي تفتقر إلى القدرات المختبرية الكافية، على سبيل المثال في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟