محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

صاحب «عرس الرماد» يرحل بعد صراع مع «كورونا»

محمود نسيم
محمود نسيم
TT

محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

محمود نسيم
محمود نسيم

عمر في محبة الشعر والدراما عاشه الشاعر محمود نسيم وأخلص له على مدار 66 عاماً، لكن في زمن الوباء لم يكن في حسبانه أن تتحول هذه المحبة بمفارقاتها الشفيفة إلى صراع مرير بين الوجود والعدم، ليرحل عن عالمنا مساء الأربعاء الماضي متأثراً بفيروس كورونا.
ولد محمود نسيم في 3 مارس (آذار) 1955 بالقاهرة، وأحب الشعر وعاشه بروح الدراما، التي كرّس لها حياته العلمية. فبعد دراسته للفلسفة بجامعة عين شمس 1980، شكل المسرح بعوالمه الإنسانية حقل دراساته لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه، فناقش مفهوم الحداثة بأنساقها المتنوعة من خلال الطبيعة والكون والمعرفة وتأثيرها في تشكيل العقل الحديث، ودورها في دفع الحياة الخاصة والعامة للإنسان والمجتمع، وذلك من خلال تجلياتها في شتى أنماط الحياة، السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واضعاً كل ذلك في حالة من المقارنة والتجاور بين واقعها عربياً، وبين ما وصلت إليه في المجتمعات الغربية.
ومن مناطق الالتفات المهمة التي وصل إليها في هذا السياق وشكّلت خلاصة بحثه، أن الحداثة لا ترتبط بالعقل فحسب، كمعيار للاتزان بين الذات والموضوع كما نجد عند كانط، أو في التماثل بين الفرد والمجتمع كما ينادي ماركس، ورأى أن مناقشة الحداثة والوعي بها كفكرة وموضوع يحتاج إلى ما أسماه بـ«الحداثة النفسية»، التي تمكّن الفرد من مراجعة نفسه واكتساب هويته. كما ناقش في رسالته للدكتوراه، رؤيا العالم في مسرح صلاح عبد الصبور، ومحمود دياب، راصداً البنية الدلالية وجذورها الدرامية في خمس مسرحيات شعرية لعبد الصبور، وثلاثة نصوص مسرحية لدياب، سعى فيها إلى درس وتحليل مجتمع النص ونموه درامياً من خلال علاقته بالزمان والمكان والإشارات المادية والعلامات المميزة للشخصيات، مركزاً على فكرة المخلِّص وصورته، سواء في سياقها الواقعي أو التاريخي الأسطوري، وصورة الذات ورؤيتها للعالم، وذلك في سياق الوعي الممكن والوعي الفعلي بأبعاد هذه الرؤية، ومدى تأثرها بوتيرة التحولات الاجتماعية وما يطرأ على الذاكرة والوجدان العام في المجتمع.
صدرت الأطروحتان في كتابين، الأول بعنوان «فجوة الحداثة» عن أكاديمية الفنون بالقاهرة، والآخر بعنوان «المخلص والضحية... رؤيا العالم لدى محمود دياب وصلاح عبد الصبور» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. شكل الكتابان مهاداً نظرياً قوياً من خلاله تابع محمود نسيم ثمار درسه العملي على أرض الواقع، فعمل بالثقافة الجماهيرية في مجال المسرح بلجان تحكيم وقراءة النصوص. وتابع الكثير من العروض المسرحية التي تقدم في العاصمة والأقاليم، كما شارك في بعض المهرجانات المسرحية التي تقام في عدد من الدول العربية. ولم يفارق شغفه بالمسرح عمله في مجال التدريس الجامعي، سواء بأكاديمية الفنون أو بعض كليات التربية النوعية بالجامعات.
انعكست على شعره فكرة البحث عن «الزمن النفسي» التي شكلت خلاصة دراساته العلمية، وأصبحت بمثابة سلاح للذود عن النفس، وحمايتها من أمراض العصر المزمنة كالشعور بالاكتئاب والاغتراب والنسيان، وأدرك أن الشعر المغموس في نهر الحياة هو رمانة الميزان لهذه العلاقة، وأن الخيال في جوهره ابن الضمير الغائب المتخفي الذي لا يمل من التفتيش عن هذا الزمن الخاص الهارب فيما وراء الواقع والعناصر والأشياء، أما الحاضر فهو ماثل للعيان، إلى حد الصدمة والإحساس بالغثيان في أحيان كثيرة. يعزز ذلك أن العلاقة التي اختبرها نسيم درامياً ما بين المخلص والضحية تميل غالباً إلى مناوشة المضمون المباشر في سياقه السياسي والاجتماعي العام، وقلما تلتفت إليه في سياقه النفسي الخاص، وهنا يكمن دور الشعر في استنهاض الذاكرة ضد الاستلاب والنسيان، وقبل كل شيء وضع الذات في مرآتها الخاصة لتعرف كيف ترى صورتها في مرآة الآخر.. مثلما يقول في آخر دواوينه الصادرة «لاعب الخبال»، مخاطباً نفسه بضمير الآخر المخاطب «خذ ما شئت من الدنيا/ شرفات الصيف/ موسيقى الحجرة/ أصوات صباك/ رنين خطاك على درجات السلم/ ركلة كرة تتبادلها مع صبية طرقات/ عطر امرأة يتفاوح فوق رصيف ليلي».
عاش محمود نسيم الشعر بقوة الدراما، وظل هذه المسعى بوصلة الإيقاع في معظم قصائده، منذ تفجرت محبة الشعر لديه في سن مبكرة، وطغت على ثمارها الأولى نزعة نثرية، سرعان ما غادرها منحازاً إلى قصيدة التفعيلة. مولياً عالم الرؤية الاهتمام الأكبر في بناء القصيدة، وكان يرى أن «الشعر رؤيا ابنة إرادة إنسانية جامحة وطموحة»، وأن «التجريب والمغامرة من دون ذلك، سيظلان محض خبط عشواء في الفراغ».
كنت أداعبه قائلاً: نعم، الشعر كذلك، لكنه ابن إرادة ورؤيا تسعيان إلى التغيير، وأن الثبات على نقطة أو شكل هو محض مراوحة في الظل. كان يرد بثقة العارف «لا بأس يا صديقي، غامِر وجرِّب، لكن شرط أن تأتي بالجديد المدهش المكوِّن للرؤيا والإرادة معاً»، الطريف أنه أرسل لي على ماسنجر «فيسبوك» منذ نحو شهرين نصاً طويلاً له منشوراً في صحيفة «الأهالي» بعنوان «عيوب مرئية» أردفه بعبارة قصيرة «بنجرَّب... أخبارك إيه».. لفتني العنوان، قرأت النص وتأملته ملياً، لاكتشف أن التجريب يكمن في كيفية «مسرحة» النص الشعري، وكأنه منصة عرض درامي، تتلاقح عليها الأزمنة والرموز والصور والشخوص، نص مفتوح على نفسه وعلى الحياة بمحبة الدراما والشعر في مشهدية بصرية خصبة... يقول في جزء منه بعنوان «الاختيار»:
أنا مُدرِّبُ الأداءْ
في أيّ وقتٍ من نهارٍ عابرٍ
أُعلِّمُ الفتيةَ والبنات
تدرجاتِ الصوتِ في الغِناءْ
طريقةَ النطقِ، وتقطيعَ الكلامْ
وحِرفةَ التمثيلِ، والرقصِ البدائيّ
وموسيقى الجِنازاتِ، وتشكيلَ الفراغْ
من كلِّ من يأتي إلى منصةِ العرضِ
خلال صحوةِ المساءْ
أُميزُ الهِباتْ
اُفضلُ الجسمَ الخفيف
توازنَ الخطوِ، وطاقةَ الخيالْ
في مهنتي تلك،
قضيتُ أكثرَ الحياة
من مقعدٍ في ركنِ مسرحٍ
يُحيطُه وميضٌ من ظلالْ
أُتابعُ الإلقاءَ والعزفَ
ولُعبةَ المُحاكاةِ، وإيهامَ الحضور
أشرحُ من زاويتي
كيف يُجيدُ الراقصُ الخطوَ على الإيقاع
كيف يُتقنُ الممثلُ الإيحاءَ بالمشاعرِ النشوى
بلمحةٍ من السكونْ
وكيف يُوحي بالغموضْ
وكيف يلتقي الفضاءُ بالطيور
وتعرفُ الريحُ اللقاحْ
أفيضُ غائماً
كأنني أُجدِّدُ الوجود.
ترجم محمود نسيم هذه العلاقة بين الشعر والمسرح بشكل حي عبر بعض النصوص المسرحية التي كتبها، كان من أبرزها مسرحية «مرعى الغزلان»، حيث يدور الصراع في غلالة ثورية بين مجموعة من الرفاق، يحلمون بالتغيير وبغد أفضل لكنه يصاب بالعطب، تحت حمى التواطؤات العاطفية بنكهتها الأنثوية الطافرة، ويتحول في الختام إلى موال تراجيدي بين البطل والبطلة، وكأنه مرثية لذات فقدت القدرة على الفعل والحب أيضاً... عرضت المسرحية على مسرح الهناجر، وحققت نجاحاً لافتاً، وطبعت في الهيئة العامة للكتاب 1988، ونالت الجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة بمصر 1986.
في خضم كل هذا، كان لمحمود نسيم حضوره الخاص في الأنشطة والمنتديات الأدبية، فشارك في إصدار مجلة «كتابات» مع الشاعر رفعت سلام، والشاعر شعبان يوسف، ثم انضم إلى جماعة «إضاءة الشعرية»، وشارك في العدد الثامن من مجلتها «إضاءة 77»، فكان إضافة حقيقية لتجربتها.
ترجمت مختارات من شعره إلى الإنجليزية، وحصل على جائزة سعاد الصباح عن ديوانه «عرس الرماد»، 1991، وفاز بجائزة أفضل سيناريو كبار الكتاب لعام 2016 عن سيناريو «رجل الحكايات» ضمن جوائز مؤسسة ساويرس الثقافية... ومن أبرز أعماله الشعرية، «السماء وقوس البحر» 1984، و«كتابة الظل» 1995، و«لاعب الخيال» 2020.
ونعت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، الشاعر الراحل في بيان صحافي جاء فيه «إن الراحل أحد أجمل الوجوه الشعرية لجيل السبعينات»، مشيرة إلى أسلوبه المتفرد في معالجة العديد من الموضوعات التي تناولها.
لقد عاش محمود نسيم شهوة الفرح بالحياة بقلب طفل شاعر، وبصيرة صانع مشهد مسرحي يردد دائماً «الحياة تتكرر كل صباح عليك أن تكتبها بحب».



مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني، وذلك في إطار مشروع شارك فيه فريق من المرممين المصريين والإيطاليين.

وأعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن انتهاء مشروع الترميم مع ترتيبات للعرض الأول للوحة ضمن معرض بروما، فمن المقرر أن تسافر هذه اللوحة من مصر لأول مرة لعرضها في معرض مؤقت بمتحف «آرا باسيس» بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم»، والمقرر في المدة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى 2 مايو (أيار) 2027، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

ويشهد المعرض، لأول مرة، عرض مجموعة من بورتريهات الفيوم من مقتنيات متاحف الآثار المصرية، تضم قطعاً مختارة من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف كوم أوشيم، ومتحف الغردقة، وتتصدرها لوحة «الأخوين» بوصفها إحدى أبرز القطع المصرية المشاركة.

وأكد فتحي أن مشروع الترميم الذي استغرق نحو 3 أسابيع يعكس عمق علاقات التعاون الثقافي بين مصر وإيطاليا، ويبرز الدور المهم للتراث الثقافي في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشعوب، مشيراً خلال مؤتمر صحافي إلى أن ترميم بورتريه «الأخوين» يمثل نموذجاً متميزاً للتعاون الدولي في مجال صون ودراسة التراث الثقافي، بما أتاح تبادل الخبرات بين المتخصصين المصريين والإيطاليين، والاستفادة منها في ترميم هذا العمل الفني الاستثنائي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

وأضاف فتحي أن «عرض هذه اللوحات ضمن معرض مؤقت في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الدولي بأحد الجوانب المتميزة للحضارة المصرية، وإلقاء الضوء على التفاعل الثقافي والفني الفريد الذي شهدته مصر خلال العصر الروماني، كما يعكس حرص الدولة المصرية على إتاحة تراثها الثقافي أمام الجمهور حول العالم».

الإعلان عن ترميم اللوحة الأثرية تمهيداً لعرضها بروما (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعد لوحة «الأخوين» لوحة خشبية دائرية يبلغ قطرها نحو 62 سم، ولا يتجاوز سُمكها سنتيمتراً واحداً، ورُسمت باستخدام تقنية «الإنكوستيك»، التي تعتمد على مزج الأصباغ بالشمع المنصهر، وتصور شابين جنباً إلى جنب. وتتميز اللوحة بشكلها الدائري غير المعتاد، وحجمها الكبير، فضلاً عن تصوير شخصين معاً في تكوين فني واحد، وهو ما يجعلها نموذجاً استثنائياً بين بورتريهات الفيوم المعروفة بتصوير الشخصيات فرادى.

وتُعد بورتريهات الفيوم من أبرز نماذج التصوير الشخصي الباقية من العالم القديم. وقد رُسمت في معظمها على ألواح خشبية رقيقة، وكانت توضع فوق وجه المتوفى بين لفائف المومياء، في تجسيد للتفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية.

وأكد الدكتور هشام الليثي، على الأهمية الأثرية والفنية الاستثنائية للوحة، موضحاً أن أهميتها لا تقتصر على جودة ودقة أسلوبها الفني فحسب، بل تمتد إلى شكلها وتقنية تنفيذها وحالتها، بما يوفر معلومات مهمة لدراسة فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

وتضمنت أعمال الترميم تدعيم الطبقة اللونية المحيطة بالأجزاء المفقودة بعناية، وتثبيت المناطق الضعيفة، إلى جانب معالجة الأنفاق التي خلفتها الحشرات أسفل بعض مناطق الطبقة اللونية. كما قام فريق الترميم بتسوية وتدعيم الأجزاء التي سبق تثبيتها بصورة غير صحيحة، قبل إعادتها إلى مواضعها الأصلية باستخدام دعامات دقيقة.

ومن المنتظر أن يضم معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم» أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها ألواح مرسومة، وأكفان جنائزية، وأقنعة، وبورتريهات رخامية، وقوالب جصية، ومجموعة من الحُلي القديمة. ويضم المعرض نحو 60 بورتريهاً مرسوماً من مصر، بما يتيح للزائر التعرف بصورة أعمق على التفاعلات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال العصر الروماني، وفق تصريحات لتوماسو رادايلي، رئيس المؤسسة المنظمة للمعرض.

وأوضح الدكتور كلاوديو باريزي، المشرف على التراث الثقافي في روما، أن القطع المصرية ستُعرض إلى جانب عدد من الأعمال من مجموعات ومتاحف دولية، من بينها متحف اللوفر، ومتحف جيه بول جيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ في شتوتغارت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، إلى جانب عدد من المجموعات الإيطالية.

وتمثل عملية ترميم لوحة «الأخوين» خطوة مهمة في صون أحد الشواهد الفنية النادرة التي تكشف عن خصوصية الحضارة المصرية خلال العصر الروماني. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحة لا تكتسب أهميتها من قيمتها الجمالية فحسب، وإنما من قدرتها على توثيق التفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والأساليب الفنية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بملامح مميزة لفن التصوير في مصر القديمة».

وترى سليمان أن «عرض اللوحة في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الأوروبي بأحد جوانب الإبداع الفني المصري، ويعزز الدبلوماسية الثقافية بوصفها جسراً للتواصل بين الحضارات، شريطة أن يقترن عرض الآثار بالخارج بضمانات دقيقة لحمايتها وصونها».


«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه، جاء ذلك في الوقت الذي أثار فيه الملصق الدعائي للمهرجان جدلاً بسبب تصميمه وطريقة استحضاره تاريخ السينما المصرية، مع اختيار الفنانة الراحلة شادية لتتصدر واجهته بالألوان، أمام خلفية تضم صوراً من أفلام وشخصيات سينمائية بالأبيض والأسود.

وتم الكشف عن الملصق الخاصة بالدورة التي تحتفي بمرور 50 عاماً على انطلاق المهرجان عام 1976، ويجمع بين عرض إنتاجات حديثة واستعادة أعمال مصرية مرممة، إلى جانب تكريم سينمائيين وإقامة لقاءات متخصصة حول صناعة الأفلام، وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في القاهرة، الأحد، شرح الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، الفكرة التي يقوم عليها التصميم، مؤكداً أن الخلفية تستعيد الأفلام المصرية المرممة، وما تمثله من تاريخ سينمائي حاضر باستمرار في ذاكرة الجمهور.

وأوضح أن حضور الأبيض والأسود يرتبط بهذه الذاكرة، بينما تشير الألوان إلى مرحلة دخول السينما الملونة، وهو ما يجمع في الملصق صور تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الفيلم المصري، موضحاً أن اختيار شادية جاء بوصفها رمزاً للحضارة السينمائية المصرية؛ ولذلك ظهرت بالألوان في مقدمة الملصق، إلى جانب الشخصيات الموجودة في الخلفية، التي قدمت «سينما متميزة».

وقال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المهرجان اختارت صورة غير موفقة للفنانة الراحلة شادية ومغايرة للانطباع الذي تركته عند الجمهور عبر مسيرتها السينمائية الممتدة بشخصية الفتاة الدلوعة، ومن ثم كان من الأفضل استخدام صورة تعبر عن البهجة، فضلاً عن عدم جودة التقنيات المستخدمة في الملصق الترويجي».

وأرجع الشناوي جزءاً من الاهتمام بالجدل الذي صاحب الملصق الترويجي إلى برنامج المهرجان الذي جرى الكشف عن تفاصيله لكون الصورة تعد المعادل الموضوعي لما يحدث على السجادة الحمراء، ومن ثم تحظى باهتمام كبير. وهنا يشير الناقد محمد عبد الرحمن لتوضيحات رئيس المهرجان حول شرح فكرة الملصق الترويجي واهتمام «القاهرة السينمائي» بترميم الأفلام القديمة كأحد الفعاليات الهامة التي ينجزها المهرجان كل عام، مشيراً إلى أن «تنفيذ الفكرة التي تحدث عنها حسين فهمي لم يكن على المستوى المتوقع».

ليلى علوي ولبلبة وعدد من حضور المؤتمر (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حساسية لدى الجمهور من تغيير ملامح الفنانين بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم جاءت كثير من الردود الفعل سلبية، وتطالب بتعديل الملصق الترويجي خصوصاً أن شادية لها مجموعة من الصور الجيدة التي تظهر فيها معالمها بوضوح دون الحاجة لتغييرات الملامح التي ظهرت في الملصق الرسمي».

وتُقام الدورة الجديدة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، اختيرت بعد استقبال المهرجان 5600 طلب مشاركة في مختلف البرامج والمسابقات، بينها 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 للأفلام القصيرة. ويصل مجموع العروض الأولى إلى 109 أفلام، بينما يعرض المهرجان 27 فيلماً مصرياً مرمماً، بينها «البوسطجي» و«المتمردون» و«معبودة الجماهير» و«القاهرة 30» و«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف».

وعلى مستوى التكريمات، يمنح المهرجان الفنان آسر ياسين جائزة «فاتن حمامة للتميز»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في السينما المصرية، وتنوع الشخصيات التي قدمها وقدرته على التعبير عن أبعادها النفسية والإنسانية. كما يكرم مدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، تقديراً لإسهامات شيمي في تشكيل الصورة السينمائية المصرية عبر مسيرة تجاوزت 5 عقود، ولأعمال العدل التي ارتبطت بوجدان الجمهور، وأسهمت في انطلاق جيل من النجوم.

ويكرم المهرجان أيضاً المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي»، تقديراً لتجربته في تطوير لغة السينما الأفريقية، وتعزيز حضورها عالمياً كما يكرّم المهرجان الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لمسيرة تجاوزت 6 عقود، أسهم خلالها في إتاحة الأفلام العالمية للجمهور المصري، وتطوير قطاعي التوزيع والعرض. ويشارك فيلمان مصريان في المسابقة الرسمية، هما «برلين» و«البرانية»، من بين 12 فيلماً أعلن المهرجان عنها. ويعود أحمد عبد الله السيد بفيلم «برلين»، بطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، متتبعاً حيوات 3 مهاجرين عرب خلال يوم سريالي في العاصمة الألمانية.

أما «البرانية»، أول أفلام المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص الروائية الطويلة، فسبق أن شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في «فينيسيا السينمائي»، وتدور قصته حول امرأة حامل تعيش بقرية تحيط بها حقول الياسمين، وتواجه عائلتها انقساماً بسبب عرض لشراء أرضها، بينما تنمو داخلها أحلام الانتقال إلى المدينة.

بينما يشارك الفيلم السعودي «جحيم العابرين»، للمخرجة هناء العمير، ضمن برنامج «عروض منتصف الليل» على أن يُعرض قبل أيام من طرحه تجارياً في صالات السينما السعودية، ويأتي ضمن 4 أعمال يضمها القسم، إلى جانب الفيلم الأرجنتيني «جلد الطبل»، والفيلمين الفرنسيين «حبيبي» و«حفلة عيد الميلاد».


القاهرة تختبر قرار حظر سير «التوك توك» في محاور رئيسية

«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

القاهرة تختبر قرار حظر سير «التوك توك» في محاور رئيسية

«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
«التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

اختبرت القاهرة قراراً بحظر سير «التوك توك» في 5 محاور رئيسية بالعاصمة المصرية، بهدف ضبط الحركة المرورية والحد من العشوائية في هذه المحاور، وهي «كورنيش النيل- الطريق البطيء- الطريق الدائري- شارع مصر حلوان الزراعي- طريق الفيوم»، مع الإعلان ضمن القرار عن إجراءات قانونية وعقوبات ضد المخالفين.

ونبَّهت الجهات الإدارية التي تقوم على تنفيذ القرار ومتابعته على أنه ستتم مصادرة أي «توك توك» يُضبَط مخالفاً لهذا القرار، بدءاً من يوم السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

ويأتي قرار حظر سير «التوك توك» في هذه الطرق في إطار جهود تبذلها الجهات المعنية لفرض الانضباط المروري، وتحسين السيولة المرورية في الشوارع الرئيسية والطرق الحيوية، لتخفيف التكدسات وحماية المواطنين.

وكان محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، قد أصدر قراراً العام الماضي بحظر سير مركبات «التوك توك» في جميع الشوارع والمحاور الرئيسية بالعاصمة المصرية، وبأن يقتصر تسييرها على الطرق الفرعية فقط. وأوضح المحافظ -في بيان- أن رؤساء الأحياء سيتولون إعداد قائمة تفصيلية بالطرق والمحاور الرئيسية التي يُمنع فيها سير «التوك توك» داخل نطاق كل حي، لتكون مرجعاً معتمداً للحملات المرورية خلال تنفيذ القرار.

«التوك توك» يأخذ سمات استعراضية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

كما أكد المحافظ ضرورة التنسيق بين رؤساء الأحياء والإدارة العامة للمرور، لتنفيذ حملات يومية لضبط المركبات المخالفة.

وكانت الإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية قد أعلنت ضبط عدد من المركبات المخالفة في طرق رئيسية.

كما أعلنت «الداخلية» أنه في إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي، تضمَّن قيام قائد مركبة «توك توك» بالسير عكس الاتجاه بأحد الطرق بالقاهرة، معرضاً حياته وحياة المواطنين للخطر، تم تحديد وضبط مركبة «التوك توك» الظاهرة بمقطع الفيديو، وقائدها (سائق مقيم بدائرة قسم شرطة المقطم)، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة خلال سيره بأحد الطرق بدائرة قسم شرطة المقطم لاختصار الطريق.

وتواصل وزارة الداخلية حملاتها المرورية بجميع الطرق والمحـاور على مستوى الجمهورية. وتمكنت خلال 24 ساعة من ضبط أكثر من 109 آلاف مخالفة مرورية متنوعة، أبرزها (السير من دون تراخيص، وتجاوز السرعة المقررة، والانتظار العشوائي، والتحدث في الهاتف المحمول أثناء القيادة، ومخالفة شروط التراخيص).

مخالفات «التوك توك» في القاهرة (وزارة الداخلية)

وتمثل مركبات «التوك توك» حالة خاصة في الشارع المصري، فبينما لا يوجد إحصاء دقيق لعدد هذه المركبات، فالمرخص رسمياً منها ما بين 186 ألفاً و219 ألف مركبة، في حين يتراوح العدد الفعلي الكلي وفق تقارير مختلفة وبيانات رسمية وآراء خبراء ما بين 3 و5 ملايين مركبة.

وأثار وجود «التوك توك» في الشارع المصري كثيراً من القضايا والمشكلات؛ خصوصاً مع تورط عدد من سائقيه في جرائم مختلفة على فترات زمنية متباعدة.

ووجَّه رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قبل سنوات، بالبدء في برنامج لإحلال سيارات آمنة ومرخصة محل «التوك توك»، مثل «الميني فان» التي تعمل بالغاز الطبيعي، على أن تتبنى وزارة المالية والجهات المعنية تنفيذ هذا البرنامج، مثلما تم سابقاً مع سيارات «التاكسي» القديمة؛ إذ حلَّ محلها «التاكسي الأبيض».