(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن القذافي و«ثورة الفاتح»

عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
TT

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر

عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب {دول الخيمة} سيصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بـ«سنوات البراءة» التي تلت وصول القذافي إلى السلطة في ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) 1969، ويشرح كيف تسابقت «الأنظمة القومية» في العالم العربي لاستقطاب «العقيد»، وكيف كان السباق في نهاية المطاف من نصيب الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. يروي الكتاب أيضاً قصة زيارة نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين للقذافي في ليبيا، وكيف لم تنتهِ كما شاء الضيف العراقي، وكذلك نبه الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين العقيد الليبي من فتحي الديب رجل المهمات الأمنية لدى عبد الناصر.
الكتاب من «منشورات ضفاف» في بيروت، وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب.
عاد محمد حسنين هيكل لزعيمه جمال عبد الناصر بوصفٍ بليغٍ، أخبره فيه أن الذين قاموا بالثورة في ليبيا هم مجموعة شباب «في منتهى البراءة»، وذلك بالطبع في السياسة وإدارة الدول، وهو ليس بالضرورة شيئاً جيداً، بل يمثل غالباً مشكلة كبيرة على الطريق. فقد بدا لعينه الصحافية الخبيرة مباشرة مدى «براءة» القائمين على الحدث، وبساطة تعاملهم مع أبعاده الآتية في الطريق.
كان الضباط الشباب قد أرسلوا، في صباح اليوم الأول من تحركهم، زميلاً منهم إلى مقر شركة الاتصالات المصرية في مدينة بنغازي، التي أُعلِن منها البيان رقم واحد بصوت العقيد معمر القذافي الذي ظل موجوداً فيها تلك الأيام، حاملاً برقية للزعيم المصري تحمل توقيع «الضباط الوحدويين الأحرار»، أملاها على الموظف في المكان نفسه. وكانت البرقية لإخباره بنجاح ثورتهم، والتزامهم بالخط الثوري القومي، طالبين منه المساعدة، مقترحين إرسال من يثق به لمعاونتهم في مرحلة ما بعد نجاح الثورة في إدارة البلد الذي تعهدوا بوضع كامل إمكانياته منذ هذه اللحظة في خدمة المعركة القومية العربية ضد أعدائها.
وفي الأثناء، كانت الأجهزة المصرية قد شرعت في استنفارٍ كبيرٍ فوري لمراقبة ما يحدث في الجارة الصغيرة. وبعد ساعات من التردد إثر وصولها، قرر عبد الناصر الرد على برقية الثوار، واتسم رده بكثير من الحذر والتعقل، لكنه حرص أيضاً على أن يكون رده مكثفاً، وفيه ما يكفي للتعامل مع الوضع الطارئ، حيث وجه فيه بعض النصائح المهمة للقيادة الجديدة التي لم يتعرف على أي اسم منها بعد. وأجاب في رده عن حيرتهم بخصوص التعامل مع الدول الكبرى، وأعطى مقترحاتٍ أخرى عاجلة تخص أمن قائد التحرك ورفاقه المقربين، ثم احتاج ليوم آخر إضافي حتى يقرر بشكل نهائي وضع ثقله وسمعته إلى جانب الثورة الجديدة، مخاطراً إلى درجة لا بأس بها وهو يعلن عن دخوله المسرح الليبي.
عند تلك النقطة، استدعى الزعيم المصري رئيس شؤون المكتب العربي في رئاسة الجمهورية، فتحي الديب، ليكلفه رسمياً بالعملية. وفي الواقع، لم تكن تسمية السيد الديب رئيساً للمكتب العربي إلا تمويهاً غير مهتم بالإتقان، فهو معروف في الأوساط الأمنية والسياسية العربية بصفته رجل عبد الناصر في المهمات الأمنية الخاصة شديدة الحساسية التي تربط مصر اسمها وسمعتها بها، وهي عمليات تتميز بالتعقيد وتداخل المهام اللوجيستية والسياسية والأمنية في أثناء تنفيذها على الأرض. وقد أهلته قدراته ليكون رجل الزعيم وممثله الخاص في ثورة الجزائر سابقاً، حيث استطاع بفضل مهاراته أن يكسب ثقة القادة الثوريين، ويشارك معهم الخطط والمعلومات والدعم. وبعد تحرر الجزائر، استمر الديب في العاصمة الجزائرية متمتعاً بنفوذ كبير، بفضل علاقاته الواسعة وصداقته واحتوائه لأحمد بن بلة الذي أصبح أول رئيس بعد استقلال الجزائر. لكن أيام الديب ستشهد نهايتها، كما تأثير مصر في الجزائر، عندما تمكن بومدين من الاستيلاء على السلطة، وطلب منه الرحيل عن عاصمته، وكان ذلك هو الخطأ الوحيد الذي سها عنه الديب، وكان خطأ الشاطر كما يقولون، إذ كلف ظهور بومدين مصر خروج الجزائر من عباءتها، وامتلاكها لقرارها في شؤونها الخاصة والقومية، ولم يعد مضموناً أنها ستقف في الصف المحدد لها سلفاً.
وفي الثالث من سبتمبر (أيلول)، استقبل ناصر رجله الذي يوشك أن يوجهه إلى ليبيا لدعم الثورة الوليدة، وشرح له لماذا سيدعم ثورة ليبيا، وما يجب عليه أن يفعله لتحقيق ذلك، ومنحه السقف الذي يريد في التصرف، ودعمه بتحريك قطعات من الجيش نحو الحدود، لتكون قريبة منه إذا طلبها، ومنحه حرية تشكيل فريقه من الخبراء العسكريين والمدنيين ممن يرى أنهم صالحون بصفتهم مساعدين له، وأعلمه بأن هيكل سيكون معه في الوفد «لتغطية» الزيارة واللقاء بقادة الثورة، وأنه «سيعود على الطائرة نفسها ومعه تقرير عاجل منك». وخلاصة المهمة، ربما، كما قال عبد الناصر لرجله: «أنا أضع سمعة مصر ومستقبلها كلها في يديك، وليس أمامك غير حلٍ واحدٍ من اثنين: إما النجاح وتأمين هذه الثورة، أو أذبحك بيدي شخصياً».
وهكذا، جاء هيكل وعاد مسرعاً بالتقرير الأول، كما هو مطلوب، إضافة لانطباعاته الصحافية التي كونها عن الحدث، تاركاً وراءه الديب لاستكمال المهمة على المدى الطويل.
كان السباق بين الأنظمة «الثورية» نحو ليبيا قد انطلق فور قيام ثورتها، بفعل الاستقطاب الهائل الدائر حول كعكة القومية العربية، بعد أن أصاب زعيمها كثير من الوهن إثر هزيمة يونيو (حزيران).
وبعد وصول وفد القاهرة بيومين، وصل وفد عراقي مهم، برئاسة القيادي في حزب البعث الحاكم نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الفريق صالح مهمدي عماش، عبر رحلة لم يعلم بها أحد، وطلبت الطائرة بشكل مباغت من سلطات المطار الإذن بالهبوط. وبعد أن عرض عماش الدعم الكامل من العراق، ووضع خبرات الثورة العراقية كافة في خدمة شقيقتها الليبية، أعطى أيضاً بضع نصائح «بعثية» لمضيفيه الشبان، بخصوص ضرورة التركيز على العمال والفلاحين والطلبة، وقمع أي ثورة مضادة بحزم، ثم غادر بعد أن ترك وراءه رفيقاً بعثياً معروفاً هو صالح العلي الذي بذل جهده للدخول في أجواء ما يدور في ليبيا تلك الأيام، وما في وسعه للبحث عن بعثيين مؤثرين في المجلس أو من محيطه الذي يتحرك فيه.
وتزامنت هذه الزيارة مع زيارة وفد آخر بعثه جعفر النميري، برئاسة ضابط برتبة رائد اسمه مأمون أبو زيد، كان متحمساً متعالياً كما رآه الليبيون، حيث عرض هو أيضاً «خبرات» الثورة السودانية بفخر على المجلس، واسترسل في الحديث، ما دعا عضو المجلس الرائد بشير هوادي إلى تذكيره بأن «ثورة السودان سبقت ثورة ليبيا بثلاثة أشهر فقط»، وهو فارق زمني لا يسمح لها بالحديث عن الخبرات، فتكهرب الجو في الاجتماع، وكادت المهمة أن تفشل منذ البدء، غير أن الوفد السوداني تجاوز الأمر وواصل سعيه متحولاً إلى طرابلس، حيث التقى بمن تبقى من وفد العراق، وهو أمر أقلق المندوب المصري كثيراً، حتى أنه اتهم الوفدين، في إحدى ملاحظاته، باستغلال وجوده في بنغازي لإحداث تأثير في طرابلس، فيما يخص مشاورات اختيار أسماء أول حكومة للثورة التي كانت تجري بالتزامن مع هذه الزيارات، وهو اتهام يدل على أن محاولة الوفدين قد حققت بعض الاختراقات، وإلا ما كان لرجل عبد الناصر القوي أن يشعر بكل هذا القلق.
بعد 4 أيام أخرى، هبط هواري بومدين بنفسه في مطار بنغازي ليطل على ما يحدث، وعندما رأى الديب الذي كان بدوره في المطار للقاء الوفد السوداني الذي رجع من طرابلس، أعلمه أن عبد الناصر قد أخبره بوجوده في لقاء لهما قبل أيام. وعندما اجتمع بومدين مع القذافي الذي جاء من طرابلس متأخراً، مع بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة، طلب منهم صراحة أخذ الحذر في التعامل مع رجل مصر فتحي الديب، وأن يدققوا في كل مشورة تأتي منه، موضحاً لهم أن عبد الناصر بعث الديب بالذات لأنه يرى أنه قادر على إلحاق ليبيا بمصالح مصر. ويبدو أن كلامه قد أثر في بعض ضباط مجلس قيادة الثورة لبعض الوقت.
ونتيجة لذلك، شهدت العلاقة مع فتحي الديب فتوراً لوقت قصير، وكادت أن تتعقد عندما طلبوا منه في وقت لاحق إحضار مستشاره القانوني معه ليناقش مع العقيد الإعلان الدستوري الذي سبق أن صاغه لهم في مركز عمله بالملحقية، فعد الديب، إضافة لما استنتجه من أجواء الجلسة، أن هناك نوعاً من الحذر في التعامل معه. وعندما أبلغ عبد الناصر بالأمر، طلب منه إبلاغ العقيد معمر القذافي شخصياً برغبته في مغادرة البلد فوراً مع فريقه، الذي بدوره طرح الأمر على أعضاء مجلس الثورة. وبعد أيام من المناقشات، جاء الأعضاء إلى الديب معتذرين، ومعهم قائمة جديدة طويلة من الاحتياجات المطلوبة من الجمهورية العربية المتحدة. وهكذا، لم يطل مفعول نصيحة بومدين إلا بضعة أيام، قبل أن تعود الأمور على ما كانت عليه.
وبعد ذلك بيومين، جاءت طائرة عراقية ثانية، متّبِعة أسلوب السرية والمفاجأة نفسه، وإن حمل الوفد هذه المرة تفسيراً لطريقته في القيام بالزيارات بهذا الشكل المباغت. فقد شرحوا لمضيفيهم أنهم يتصرفون بصفتهم «يقطعون الطريق لبلدهم الثاني، وأنه لا داعي لإعلام أحد بالأمر».
كان الوفد برئاسة شاب بعثي نجمه صاعد هو صدام حسين، نائب الرئيس، الذي أحضر معه فريقاً وزارياً كاملاً، إضافة لرئيس أركان الجيش، ووثائق تشمل كل قوانين ثورة البعث في العراق، وما فعلته للحفاظ على وجودها حتى ذلك اليوم. وعند زيارة العقيد القذافي لمقر الوفد الضيف لأول لقاء مع صدام، قدم الأخير عرضاً باذخا له، اشتمل على خبراء مصاحبين للوفد، مستعدين فوراً أن يستلموا مهامهم في الثورة الشقيقة، لتطبيق ما يجب في مثل هذه الحالات، في قطاعات الإعلام والعمال والشباب، وقدم له أيضاً متخصصاً للعمل في أركان الجيش، سيقدم خبرته في تنقية هذه المؤسسة من أي أعداء محتملين. وأبدى صدام استعداده أيضاً لإرسال فرقة مدرعة وسرب طيران، مضيفاً ما تيسر من نصائحه الشخصية مباشرة لزميله الليبي الجديد، بأن يضع كل أعداء الثورة في السجن لثلاث سنوات على سبيل الاحتياط، وأن يستخدم ضدهم العنف حتى «يفقدوا الذاكرة»، مؤكداً أنها وصفة ناجحة مجربة عندهم منذ زمن.
لكن العقيد لم يُبدِ تفاعلاً كبيراً مع هذا العرض السخي، وقابل ضيفه بنوع من الجفاء والإهمال. غير أن «السيد النائب» لم ييأس من محاولة احتواء هذه الثورة، وانتقل إلى طرابلس، حيث بقي ثلاثة أيام يبحث عن حلفاء أو بعثيين محليين مؤثرين، ولكن من دون نجاح، ليغادر ووفده تاركاً فريقاً صغيراً من 4 أشخاص، بينهم رئيس شركة النفط ورئيس الإذاعة والتلفزيون، لمواصلة البحث. وستبقى ذكرى فشل ذلك الاجتماع، والطريقة التي رأى صدام أنه عومل بها، والمكان الذي استُضيف فيه ولم يكن على المستوى الذي انتظره، ستبقى هذه التفاصيل الشخصية المُرّة حاضرة دوماً في العلاقة بين الرجلين.
غير أن هذا السباق القومي العربي حول ليبيا، كما اتضح للجميع، كان قد حُسم منذ بدايته، عندما ظهر للعيان أنه من نصيب القيادة الكلاسيكية للقومية، المتمثلة في عبد الناصر ومصر. وفي حين كان القوميون العرب يستكشفون ليبيا بحثاً عن مكان، كان عبد الناصر قد بدأ فعلاً في إرسال طواقم كاملة، بعضها بصفة قيادية للمساهمة في إعادة رسم وإنشاء ما يلزم لحماية الثورة الليبية من مؤسسات في مختلف القطاعات الليبية.
وفي الداخل، لم يواجه مجلس قيادة الثورة أي معارضة تُذكر. كانت الأجواء مهيأة لحدوث انقلاب منذ فترة، وكانت هناك مجموعات تعمل على ذلك، وقد تمكنت إحداها من تنفيذ الفكرة برفع الشعار المناسب والسيطرة بسرعة على الأمور. وما إن رُفعت صور عبد الناصر، وظهرت شعاراته إلى العلن، حتى كان الجميع قد أُخِذَ بالتغيير الجديد. فقد كان الشعب يحب عبد الناصر، وليس لديه الوقت للدخول في التفاصيل.
ضباط الانقلاب، أيضاً، أحسنوا التصرف بذكاء فطري، وأعلنوا تعيين العقيد الركن صاحب السمعة الحسنة عبد اللطيف بوشويرب الذي كان شخصياً لا علم له بشيء رئيساً لأركان الجيش، ما ساعد في إضفاء صورة وطنية رزينة على الحدث، إذ ساعدت سمعة بوشويرب في بث نوع من الاطمئنان في الجيش، بينما انطلقت في الأثناء حملة أمنية واسعة سريعة، أُلقي فيها القبض على أهم المطلوبين، بمن فيهم عبد العزيز الشلحي وولي العهد حسن السنوسي. وبعد إعلان الانحياز للناصرية، هاج الناس وخرجوا إلى الشوارع، على الرغم من حظر التجول، للتعبير عن الفرحة وإعلان التأييد.
وفي الإجمال، تمت السيطرة بسهولة ويسر، حتى أن مشكلة الثوار الجدد الحقيقية لم تعد وجود أعداء سيقاومون الثورة، بل في امتلاء الشارع بالمؤيدين.
وما ساعد على ذلك أيضاً أن الملك «المسافر» التزم الصمت التام، قبل أن يُبدي استعداده دفعة واحدة للتنحي (...) وانتهت الأمور في يد القوة الجديدة، وعمّ أخيراً المكان بعض الهدوء.
سيطر النظام الجديد بسهولة كبيرة على الدولة، وعادت الناس إلى أعمالها بوتيرة أسرع مع الوقت، وساد في الجو نفَس جديد متفائل مفتوح على الأفق. ومع الأيام، اقتصر الشأن السياسي وإدارة الدولة على مجموعة صغيرة من ضباط مجلس قيادة الثورة، ومن يدور حولهم في الحلقة الضيقة من مدنيين.
وانتهى هذا الفصل الأساسي في بناء دولة الثورة بإحراز مصر، وعبد الناصر بالذات، السبق فيه دون باقي البلدان، حيث ستأخذ ليبيا، لفترة معتبرة من السنوات، شكل مثال مصغر من مصر، في كل شيء تقريباً، بما في ذلك العلم والنشيد الوطني.
ظل هاجس عبد الناصر الأول هو عدم خروج بومدين جديد في ليبيا يطيح بأي ترتيبات اتخذت بين البلدين. وتحت ضغط هذا الهاجس، اهتم كثيراً بأمن العقيد الشخصي، وأبدى اقتراحات مهمة في هذا الشأن، كما اهتم أيضاً بأعضاء مجلس قيادة الثورة، ودرس ملفاتهم عن طريق رجله الخاص، ولم يكن يتردد عندما يتطلب الأمر في معاينة الأمر بنفسه ليطمئن، كما حدث مع الرائد عمر المحيشي الذي رتب له زيارة إلى القاهرة، حيث التقاه الزعيم مطولاً ليدرسه عن قرب.
وعندما شعر عبد الناصر، بعد أسابيع قليلة، أن الوقت قد حان لحماية «استثماراته» في ليبيا، بعث مجدداً محمد حسنين هيكل حاملاً تصوراً محدداً لشكل العلاقة التي ينبغي أن تكون بين البلدين. وعلى الرغم من أن الخطة المصرية كانت أقرب إلى الوصاية الأمنية والسياسية منها إلى أي شيء آخر، فإن عبد الناصر كان، بحسابات ذلك الوقت، يشعر بالقلق بعد أن رمى بكل ثقله إلى جانب الثورة الليبية، ولم يكن في ظرفٍ يسمح له بالمقامرة بسمعته. لقد كانت هذه الثورة بمثابة «الهبة» السماوية لإنعاش الأجواء القومية الكئيبة التي يعيشها القوميون بعد الهزيمة، وقد استثمر فيها كثيراً من إمكانيات بلده المنهك، ورمى أوراقه علناً على الطاولة للرهان على هؤلاء الشبان الأبرياء الذين ينقلون عدوى الحماس إلى جسدٍ أنهكه اليأس.
في تلك الأجواء، وصل هيكل إلى ليبيا من جديد حاملاً معه رسالة من الزعيم، تحمل بدورها خطة كاملة للارتباط. وتسلم الديب بدوره الرسالة، وقدمها بشكل مباشر إلى العقيد القذافي، كما تنص التعليمات.
بدأت تلك الرسالة الموجهة شخصياً إلى العقيد بديباجة تفسر أسباب ومنافع الاقتراح المطروح الذي يهدف إلى تقديم المساعدة من أجل حماية الثورة الشابة وتأمينها. ومن أجل ذلك، يجب أن يكون هناك «تخطيط مسبق يقدر الاحتمالات كافة» للتعامل مع الأخطار الآتية من الخارج والداخل. وإن هذا التخطيط، كما تقول الرسالة، يحتاج إلى عملية تنسيق على أعلى مستوى. فقد اقترح الزعيم المصري تكوين لجنة مشتركة للبحث والدرس وتقديم المقترحات، وأبدى رغبته في سماع رأي العقيد بهذا المقترح، وأبلغه أنه في حالة قبوله، فإن الرئيس يفضل البدء فوراً في العمل بهذا الاتجاه.
وطبعاً، وافق العقيد فوراً على ما جاء في الاقتراح. وما كاد هيكل يصل إلى القاهرة لإبلاغ رئيسه بتلك الموافقة، حتى كان العقيد في طريقه إلى بنغازي لمقابلة الديب، ليطلب منه تقريراً يتضمن «تقدير موقف» للثورة، واحتمالات الثورة المضادة لها، وما الإجراءات اللازمة لمواجهة أي أعداء. وبعد أقل من أسبوع، كان التقرير بين يدي العقيد للبدء بالتنفيذ.
كان قدوم هيكل بخطة رئيسه في الثاني عشر من أكتوبر (تشرين الأول)، أي بعد وصول فتحي الديب، رجل الرئيس الخاص، بثمانية أسابيع تقريباً، وهي الفترة التي قام فيها الديب بجهد كبير أسفر عن نتائج كبيرة استوجبت منه نقل العملية إلى مستوى جديد يليق بما تم. لقد كان الضباط الشباب متحمسين جداً لعبد الناصر، ولم يكن عندهم أي خطط مستقبلية لما بعد نجاح الانقلاب، ما فتح الطريق أكثر أمام الديب، حتى صار «الدينامو» الذي ينظم أغلب ما يدور.
ولتبيان بعض من قوة ودينامية ذلك الرجل، سنتتبع هنا بعض ما أنجزه في تلك الفترة التي استمرت 40 يوماً فقط، وذلك كما سجلها بنفسه في كتابه شديد القيمة التاريخية «عبد الناصر والثورة الليبية» الذي احتوى يوميات عمله في ليبيا بطريقة يحوطها الفخر والانتماء، ولم يكن من النوع الذي يضيع الوقت. هنا بعض ما جاء في ذاك الكتاب مقتبساً بالنص:
> «… وبادرت بالاتصال ظهر اليوم الرابع بالمقدم آدم (الحوّاز)، مُبدياً رغبتي في سرعة الاتصال بالأخ معمر القذافي، لأطلب منه البدء في تخفيف فترة > «… وكانت الاستجابة فورية، حيث امتدت فترة رفع حظر التجول إلى 5 ساعات بدل ساعتين».
> «… كما تم تكليف (أمين بسيوني) للتوجه لمحطة الإذاعة ليعاون الملازم (عبد الفتاح يونس) المعين من قبل مجلس الثورة لتولي شؤون الإعلام».
> «في صباح الخامس من سبتمبر، أخبرني المقدم الحوّاز بأن مجلس قيادة الثورة عقد جلستين لدراسة الخطوات التنفيذية لتشكيل جهاز إدارة الدولة».
> «… فقمت بتوزيع بعض أعضاء الوفد المرافق، وبعض العاملين في فرع السفارة، لتأدية صلاة الجمعة بمختلف مساجد بنغازي لمراقبة الموقف».
> «اجتمع بمكتبي كل من المقدم آدم الحوّاز والنقيب بشير هوّادي والسيد أمين الشبلي والدكتور جمال العطيفي، ودارت مناقشة حول صيغة وشكل الإعلان الدستوري للثورة».
> «… وتم إعداد مشروع الإعلان الدستوري لأسلمه في اليوم نفسه لعرضه على مجلس الثورة».
> «… ركزت منذ البداية على أهمية ضمان وحدة الجيش وترابطه، كقاعدة انطلاق وتأمين للثورة، مع إبداء النصح للاستفادة من العناصر كافة التي ليس لها اتجاهات حزبية أو مواقف عدائية».
> «وصل المقدم آدم الحوّاز من طرابلس صباح يوم الثامن من سبتمبر، وحضر فوراً للقائي».
> «تم في منتصف الليل نقل كبار الضباط المعتقلين في فندق جراند هوتيل إلى سجن الكويفية، بناء على نصيحتي».
> «… وتم الاجتماع، وحضره العقيد، والنقيب عبد السلام جلّود ممثل طرابلس، والنقيب (بشير هوّادي)، ليستفسروا عن بعض مواد الإعلان الدستوري».
> «… حضر للقائي، ظهر يوم الثاني عشر (سبتمبر) بمبنى السفارة، الأخ الصديق (صالح مسعود بويصير) وزير الخارجية… وقد أخبرني بأنه جاء بصفته الشخصية ليطلعني على حقيقة الوضع، كما يراه، من داخل وخارج اجتماعات مجلس الوزراء».
> «حضر المقدم آدم لمقابلتي بالسفارة، في التاسعة مساء يوم الرابع عشر، وسلمني مستندات خاصة بخطة تطوير الجيش التي أعدها الخبراء البريطانيون».
> «… وإن العقيد معمر ركز في طلبه مني على إعادة التنظيم الشامل للقوات البرية والبحرية والجوية».
> «… انتقل العقيد معمر ليستعرض معي كيفية وأسلوب بناء التنظيم الشعبي، على ضوء المذكرة التي كان قد طلبها وأرسلتها له».
> «… وشرحت أهمية التركيز على السيطرة من خلال الكوادر السياسية الملتزمة بخط الثورة».
> «… وبناء على تكليف العقيد، عقدت معه عدة جلسات تلقين لإيضاح الصورة بالنسبة لمسؤولياته كافة، وكيفية ممارسته للعمل الجديد، وكيفية إدارته لدفة الأمور».
> «… ولمس أعضاء المجلس بأنفسهم الفائدة التي يحققونها في فترة تجمعهم في بنغازي، ووجودي إلى جوارهم لأمدهم بكل ما يحتاجونه من خبرة ومعلومات».
> «… اتصلت من فوري بالأخ عبد المنعم الهوني، وأبلغته بهذه المعلومات التي أكدها هو الآخر، وتم الاتفاق بيننا على الاجتماع معاً لوضع خطة القضاء على هذا المخطط التآمري سريعاً».
> «تنفيذاً لتعليمات الأمن التي زوّدنا بها الأخوة المسؤولون عن أمن مداخل ومخارج ليبيا، أبلغني الضابط المسؤول عن مطار بنغازي...».
> «... الأمر الذي أدى إلى طلبي من الإخوة رئيس وأعضاء المجلس إعطاء تعليماتهم المشددة بزيادة الرقابة على ما يتم...».
> «حضر العميد السوداني محمد عبد الحليم إلى بنغازي وقابلني، ليبلغني أنه تم استدعاؤه بمعرفة العقيد عاجلاً…».
> «… وتوصلنا في نهاية الجلستين اللتين استغرقتا ما يزيد على عشر ساعات إلى الاتفاق النهائي على الخطة المقترحة في مجال الدفاع الجوي والساحل الأرضي».
> «… وفي الجلسة الخاصة التي تتم بانتظام لتجمعني برئيس وأعضاء مجلس الثورة...».
وهكذا، تمضي اليوميات، لنرى فتحي الديب في كل مكان، يقود فريقاً كبيراً من الخبرات التي استدعاها على دفعات، لتكون بمثابة وزارات إسناد للوزارات المعلنة، بحيث كان لكل وزير ليبي تقريباً مستشار مصري يشرف على العمل. وامتلك الديب صلاحيات عبد الناصر في مصر، وبالضرورة عبرها كثير من صلاحيات مجلس قيادة الثورة الذي تحول عنده إلى أداة تنفيذ في كثير من الأحيان. ونراه أيضاً وقد لعب دوراً في كل حدث رئيسي، من الحفاظ على أمن المجلس وقائده، إلى كتابة الإعلان الدستوري، إلى إعادة بناء الجيش والأمن الخاص والمخابرات. كما أنه يستقبل وزراء الحكومة بصفتهم أصدقاء شخصيين، ولكن ليس للحديث عن أمور العائلة والصداقة، بل للاطلاع منهم على ما يجري داخل مجلس الوزراء.
لقد كان فتحي الديب رجل الظل الذي نسج كل الخيوط.

(1 -3) : القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء
(3 -3) : القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.