(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن القذافي و«ثورة الفاتح»

عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
TT

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر

عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)
عبد الناصر والقذافي يصلان معاً إلى الرباط لحضور القمة العربية في ديسمبر 1969 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب {دول الخيمة} سيصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بـ«سنوات البراءة» التي تلت وصول القذافي إلى السلطة في ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) 1969، ويشرح كيف تسابقت «الأنظمة القومية» في العالم العربي لاستقطاب «العقيد»، وكيف كان السباق في نهاية المطاف من نصيب الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. يروي الكتاب أيضاً قصة زيارة نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين للقذافي في ليبيا، وكيف لم تنتهِ كما شاء الضيف العراقي، وكذلك نبه الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين العقيد الليبي من فتحي الديب رجل المهمات الأمنية لدى عبد الناصر.
الكتاب من «منشورات ضفاف» في بيروت، وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب.
عاد محمد حسنين هيكل لزعيمه جمال عبد الناصر بوصفٍ بليغٍ، أخبره فيه أن الذين قاموا بالثورة في ليبيا هم مجموعة شباب «في منتهى البراءة»، وذلك بالطبع في السياسة وإدارة الدول، وهو ليس بالضرورة شيئاً جيداً، بل يمثل غالباً مشكلة كبيرة على الطريق. فقد بدا لعينه الصحافية الخبيرة مباشرة مدى «براءة» القائمين على الحدث، وبساطة تعاملهم مع أبعاده الآتية في الطريق.
كان الضباط الشباب قد أرسلوا، في صباح اليوم الأول من تحركهم، زميلاً منهم إلى مقر شركة الاتصالات المصرية في مدينة بنغازي، التي أُعلِن منها البيان رقم واحد بصوت العقيد معمر القذافي الذي ظل موجوداً فيها تلك الأيام، حاملاً برقية للزعيم المصري تحمل توقيع «الضباط الوحدويين الأحرار»، أملاها على الموظف في المكان نفسه. وكانت البرقية لإخباره بنجاح ثورتهم، والتزامهم بالخط الثوري القومي، طالبين منه المساعدة، مقترحين إرسال من يثق به لمعاونتهم في مرحلة ما بعد نجاح الثورة في إدارة البلد الذي تعهدوا بوضع كامل إمكانياته منذ هذه اللحظة في خدمة المعركة القومية العربية ضد أعدائها.
وفي الأثناء، كانت الأجهزة المصرية قد شرعت في استنفارٍ كبيرٍ فوري لمراقبة ما يحدث في الجارة الصغيرة. وبعد ساعات من التردد إثر وصولها، قرر عبد الناصر الرد على برقية الثوار، واتسم رده بكثير من الحذر والتعقل، لكنه حرص أيضاً على أن يكون رده مكثفاً، وفيه ما يكفي للتعامل مع الوضع الطارئ، حيث وجه فيه بعض النصائح المهمة للقيادة الجديدة التي لم يتعرف على أي اسم منها بعد. وأجاب في رده عن حيرتهم بخصوص التعامل مع الدول الكبرى، وأعطى مقترحاتٍ أخرى عاجلة تخص أمن قائد التحرك ورفاقه المقربين، ثم احتاج ليوم آخر إضافي حتى يقرر بشكل نهائي وضع ثقله وسمعته إلى جانب الثورة الجديدة، مخاطراً إلى درجة لا بأس بها وهو يعلن عن دخوله المسرح الليبي.
عند تلك النقطة، استدعى الزعيم المصري رئيس شؤون المكتب العربي في رئاسة الجمهورية، فتحي الديب، ليكلفه رسمياً بالعملية. وفي الواقع، لم تكن تسمية السيد الديب رئيساً للمكتب العربي إلا تمويهاً غير مهتم بالإتقان، فهو معروف في الأوساط الأمنية والسياسية العربية بصفته رجل عبد الناصر في المهمات الأمنية الخاصة شديدة الحساسية التي تربط مصر اسمها وسمعتها بها، وهي عمليات تتميز بالتعقيد وتداخل المهام اللوجيستية والسياسية والأمنية في أثناء تنفيذها على الأرض. وقد أهلته قدراته ليكون رجل الزعيم وممثله الخاص في ثورة الجزائر سابقاً، حيث استطاع بفضل مهاراته أن يكسب ثقة القادة الثوريين، ويشارك معهم الخطط والمعلومات والدعم. وبعد تحرر الجزائر، استمر الديب في العاصمة الجزائرية متمتعاً بنفوذ كبير، بفضل علاقاته الواسعة وصداقته واحتوائه لأحمد بن بلة الذي أصبح أول رئيس بعد استقلال الجزائر. لكن أيام الديب ستشهد نهايتها، كما تأثير مصر في الجزائر، عندما تمكن بومدين من الاستيلاء على السلطة، وطلب منه الرحيل عن عاصمته، وكان ذلك هو الخطأ الوحيد الذي سها عنه الديب، وكان خطأ الشاطر كما يقولون، إذ كلف ظهور بومدين مصر خروج الجزائر من عباءتها، وامتلاكها لقرارها في شؤونها الخاصة والقومية، ولم يعد مضموناً أنها ستقف في الصف المحدد لها سلفاً.
وفي الثالث من سبتمبر (أيلول)، استقبل ناصر رجله الذي يوشك أن يوجهه إلى ليبيا لدعم الثورة الوليدة، وشرح له لماذا سيدعم ثورة ليبيا، وما يجب عليه أن يفعله لتحقيق ذلك، ومنحه السقف الذي يريد في التصرف، ودعمه بتحريك قطعات من الجيش نحو الحدود، لتكون قريبة منه إذا طلبها، ومنحه حرية تشكيل فريقه من الخبراء العسكريين والمدنيين ممن يرى أنهم صالحون بصفتهم مساعدين له، وأعلمه بأن هيكل سيكون معه في الوفد «لتغطية» الزيارة واللقاء بقادة الثورة، وأنه «سيعود على الطائرة نفسها ومعه تقرير عاجل منك». وخلاصة المهمة، ربما، كما قال عبد الناصر لرجله: «أنا أضع سمعة مصر ومستقبلها كلها في يديك، وليس أمامك غير حلٍ واحدٍ من اثنين: إما النجاح وتأمين هذه الثورة، أو أذبحك بيدي شخصياً».
وهكذا، جاء هيكل وعاد مسرعاً بالتقرير الأول، كما هو مطلوب، إضافة لانطباعاته الصحافية التي كونها عن الحدث، تاركاً وراءه الديب لاستكمال المهمة على المدى الطويل.
كان السباق بين الأنظمة «الثورية» نحو ليبيا قد انطلق فور قيام ثورتها، بفعل الاستقطاب الهائل الدائر حول كعكة القومية العربية، بعد أن أصاب زعيمها كثير من الوهن إثر هزيمة يونيو (حزيران).
وبعد وصول وفد القاهرة بيومين، وصل وفد عراقي مهم، برئاسة القيادي في حزب البعث الحاكم نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الفريق صالح مهمدي عماش، عبر رحلة لم يعلم بها أحد، وطلبت الطائرة بشكل مباغت من سلطات المطار الإذن بالهبوط. وبعد أن عرض عماش الدعم الكامل من العراق، ووضع خبرات الثورة العراقية كافة في خدمة شقيقتها الليبية، أعطى أيضاً بضع نصائح «بعثية» لمضيفيه الشبان، بخصوص ضرورة التركيز على العمال والفلاحين والطلبة، وقمع أي ثورة مضادة بحزم، ثم غادر بعد أن ترك وراءه رفيقاً بعثياً معروفاً هو صالح العلي الذي بذل جهده للدخول في أجواء ما يدور في ليبيا تلك الأيام، وما في وسعه للبحث عن بعثيين مؤثرين في المجلس أو من محيطه الذي يتحرك فيه.
وتزامنت هذه الزيارة مع زيارة وفد آخر بعثه جعفر النميري، برئاسة ضابط برتبة رائد اسمه مأمون أبو زيد، كان متحمساً متعالياً كما رآه الليبيون، حيث عرض هو أيضاً «خبرات» الثورة السودانية بفخر على المجلس، واسترسل في الحديث، ما دعا عضو المجلس الرائد بشير هوادي إلى تذكيره بأن «ثورة السودان سبقت ثورة ليبيا بثلاثة أشهر فقط»، وهو فارق زمني لا يسمح لها بالحديث عن الخبرات، فتكهرب الجو في الاجتماع، وكادت المهمة أن تفشل منذ البدء، غير أن الوفد السوداني تجاوز الأمر وواصل سعيه متحولاً إلى طرابلس، حيث التقى بمن تبقى من وفد العراق، وهو أمر أقلق المندوب المصري كثيراً، حتى أنه اتهم الوفدين، في إحدى ملاحظاته، باستغلال وجوده في بنغازي لإحداث تأثير في طرابلس، فيما يخص مشاورات اختيار أسماء أول حكومة للثورة التي كانت تجري بالتزامن مع هذه الزيارات، وهو اتهام يدل على أن محاولة الوفدين قد حققت بعض الاختراقات، وإلا ما كان لرجل عبد الناصر القوي أن يشعر بكل هذا القلق.
بعد 4 أيام أخرى، هبط هواري بومدين بنفسه في مطار بنغازي ليطل على ما يحدث، وعندما رأى الديب الذي كان بدوره في المطار للقاء الوفد السوداني الذي رجع من طرابلس، أعلمه أن عبد الناصر قد أخبره بوجوده في لقاء لهما قبل أيام. وعندما اجتمع بومدين مع القذافي الذي جاء من طرابلس متأخراً، مع بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة، طلب منهم صراحة أخذ الحذر في التعامل مع رجل مصر فتحي الديب، وأن يدققوا في كل مشورة تأتي منه، موضحاً لهم أن عبد الناصر بعث الديب بالذات لأنه يرى أنه قادر على إلحاق ليبيا بمصالح مصر. ويبدو أن كلامه قد أثر في بعض ضباط مجلس قيادة الثورة لبعض الوقت.
ونتيجة لذلك، شهدت العلاقة مع فتحي الديب فتوراً لوقت قصير، وكادت أن تتعقد عندما طلبوا منه في وقت لاحق إحضار مستشاره القانوني معه ليناقش مع العقيد الإعلان الدستوري الذي سبق أن صاغه لهم في مركز عمله بالملحقية، فعد الديب، إضافة لما استنتجه من أجواء الجلسة، أن هناك نوعاً من الحذر في التعامل معه. وعندما أبلغ عبد الناصر بالأمر، طلب منه إبلاغ العقيد معمر القذافي شخصياً برغبته في مغادرة البلد فوراً مع فريقه، الذي بدوره طرح الأمر على أعضاء مجلس الثورة. وبعد أيام من المناقشات، جاء الأعضاء إلى الديب معتذرين، ومعهم قائمة جديدة طويلة من الاحتياجات المطلوبة من الجمهورية العربية المتحدة. وهكذا، لم يطل مفعول نصيحة بومدين إلا بضعة أيام، قبل أن تعود الأمور على ما كانت عليه.
وبعد ذلك بيومين، جاءت طائرة عراقية ثانية، متّبِعة أسلوب السرية والمفاجأة نفسه، وإن حمل الوفد هذه المرة تفسيراً لطريقته في القيام بالزيارات بهذا الشكل المباغت. فقد شرحوا لمضيفيهم أنهم يتصرفون بصفتهم «يقطعون الطريق لبلدهم الثاني، وأنه لا داعي لإعلام أحد بالأمر».
كان الوفد برئاسة شاب بعثي نجمه صاعد هو صدام حسين، نائب الرئيس، الذي أحضر معه فريقاً وزارياً كاملاً، إضافة لرئيس أركان الجيش، ووثائق تشمل كل قوانين ثورة البعث في العراق، وما فعلته للحفاظ على وجودها حتى ذلك اليوم. وعند زيارة العقيد القذافي لمقر الوفد الضيف لأول لقاء مع صدام، قدم الأخير عرضاً باذخا له، اشتمل على خبراء مصاحبين للوفد، مستعدين فوراً أن يستلموا مهامهم في الثورة الشقيقة، لتطبيق ما يجب في مثل هذه الحالات، في قطاعات الإعلام والعمال والشباب، وقدم له أيضاً متخصصاً للعمل في أركان الجيش، سيقدم خبرته في تنقية هذه المؤسسة من أي أعداء محتملين. وأبدى صدام استعداده أيضاً لإرسال فرقة مدرعة وسرب طيران، مضيفاً ما تيسر من نصائحه الشخصية مباشرة لزميله الليبي الجديد، بأن يضع كل أعداء الثورة في السجن لثلاث سنوات على سبيل الاحتياط، وأن يستخدم ضدهم العنف حتى «يفقدوا الذاكرة»، مؤكداً أنها وصفة ناجحة مجربة عندهم منذ زمن.
لكن العقيد لم يُبدِ تفاعلاً كبيراً مع هذا العرض السخي، وقابل ضيفه بنوع من الجفاء والإهمال. غير أن «السيد النائب» لم ييأس من محاولة احتواء هذه الثورة، وانتقل إلى طرابلس، حيث بقي ثلاثة أيام يبحث عن حلفاء أو بعثيين محليين مؤثرين، ولكن من دون نجاح، ليغادر ووفده تاركاً فريقاً صغيراً من 4 أشخاص، بينهم رئيس شركة النفط ورئيس الإذاعة والتلفزيون، لمواصلة البحث. وستبقى ذكرى فشل ذلك الاجتماع، والطريقة التي رأى صدام أنه عومل بها، والمكان الذي استُضيف فيه ولم يكن على المستوى الذي انتظره، ستبقى هذه التفاصيل الشخصية المُرّة حاضرة دوماً في العلاقة بين الرجلين.
غير أن هذا السباق القومي العربي حول ليبيا، كما اتضح للجميع، كان قد حُسم منذ بدايته، عندما ظهر للعيان أنه من نصيب القيادة الكلاسيكية للقومية، المتمثلة في عبد الناصر ومصر. وفي حين كان القوميون العرب يستكشفون ليبيا بحثاً عن مكان، كان عبد الناصر قد بدأ فعلاً في إرسال طواقم كاملة، بعضها بصفة قيادية للمساهمة في إعادة رسم وإنشاء ما يلزم لحماية الثورة الليبية من مؤسسات في مختلف القطاعات الليبية.
وفي الداخل، لم يواجه مجلس قيادة الثورة أي معارضة تُذكر. كانت الأجواء مهيأة لحدوث انقلاب منذ فترة، وكانت هناك مجموعات تعمل على ذلك، وقد تمكنت إحداها من تنفيذ الفكرة برفع الشعار المناسب والسيطرة بسرعة على الأمور. وما إن رُفعت صور عبد الناصر، وظهرت شعاراته إلى العلن، حتى كان الجميع قد أُخِذَ بالتغيير الجديد. فقد كان الشعب يحب عبد الناصر، وليس لديه الوقت للدخول في التفاصيل.
ضباط الانقلاب، أيضاً، أحسنوا التصرف بذكاء فطري، وأعلنوا تعيين العقيد الركن صاحب السمعة الحسنة عبد اللطيف بوشويرب الذي كان شخصياً لا علم له بشيء رئيساً لأركان الجيش، ما ساعد في إضفاء صورة وطنية رزينة على الحدث، إذ ساعدت سمعة بوشويرب في بث نوع من الاطمئنان في الجيش، بينما انطلقت في الأثناء حملة أمنية واسعة سريعة، أُلقي فيها القبض على أهم المطلوبين، بمن فيهم عبد العزيز الشلحي وولي العهد حسن السنوسي. وبعد إعلان الانحياز للناصرية، هاج الناس وخرجوا إلى الشوارع، على الرغم من حظر التجول، للتعبير عن الفرحة وإعلان التأييد.
وفي الإجمال، تمت السيطرة بسهولة ويسر، حتى أن مشكلة الثوار الجدد الحقيقية لم تعد وجود أعداء سيقاومون الثورة، بل في امتلاء الشارع بالمؤيدين.
وما ساعد على ذلك أيضاً أن الملك «المسافر» التزم الصمت التام، قبل أن يُبدي استعداده دفعة واحدة للتنحي (...) وانتهت الأمور في يد القوة الجديدة، وعمّ أخيراً المكان بعض الهدوء.
سيطر النظام الجديد بسهولة كبيرة على الدولة، وعادت الناس إلى أعمالها بوتيرة أسرع مع الوقت، وساد في الجو نفَس جديد متفائل مفتوح على الأفق. ومع الأيام، اقتصر الشأن السياسي وإدارة الدولة على مجموعة صغيرة من ضباط مجلس قيادة الثورة، ومن يدور حولهم في الحلقة الضيقة من مدنيين.
وانتهى هذا الفصل الأساسي في بناء دولة الثورة بإحراز مصر، وعبد الناصر بالذات، السبق فيه دون باقي البلدان، حيث ستأخذ ليبيا، لفترة معتبرة من السنوات، شكل مثال مصغر من مصر، في كل شيء تقريباً، بما في ذلك العلم والنشيد الوطني.
ظل هاجس عبد الناصر الأول هو عدم خروج بومدين جديد في ليبيا يطيح بأي ترتيبات اتخذت بين البلدين. وتحت ضغط هذا الهاجس، اهتم كثيراً بأمن العقيد الشخصي، وأبدى اقتراحات مهمة في هذا الشأن، كما اهتم أيضاً بأعضاء مجلس قيادة الثورة، ودرس ملفاتهم عن طريق رجله الخاص، ولم يكن يتردد عندما يتطلب الأمر في معاينة الأمر بنفسه ليطمئن، كما حدث مع الرائد عمر المحيشي الذي رتب له زيارة إلى القاهرة، حيث التقاه الزعيم مطولاً ليدرسه عن قرب.
وعندما شعر عبد الناصر، بعد أسابيع قليلة، أن الوقت قد حان لحماية «استثماراته» في ليبيا، بعث مجدداً محمد حسنين هيكل حاملاً تصوراً محدداً لشكل العلاقة التي ينبغي أن تكون بين البلدين. وعلى الرغم من أن الخطة المصرية كانت أقرب إلى الوصاية الأمنية والسياسية منها إلى أي شيء آخر، فإن عبد الناصر كان، بحسابات ذلك الوقت، يشعر بالقلق بعد أن رمى بكل ثقله إلى جانب الثورة الليبية، ولم يكن في ظرفٍ يسمح له بالمقامرة بسمعته. لقد كانت هذه الثورة بمثابة «الهبة» السماوية لإنعاش الأجواء القومية الكئيبة التي يعيشها القوميون بعد الهزيمة، وقد استثمر فيها كثيراً من إمكانيات بلده المنهك، ورمى أوراقه علناً على الطاولة للرهان على هؤلاء الشبان الأبرياء الذين ينقلون عدوى الحماس إلى جسدٍ أنهكه اليأس.
في تلك الأجواء، وصل هيكل إلى ليبيا من جديد حاملاً معه رسالة من الزعيم، تحمل بدورها خطة كاملة للارتباط. وتسلم الديب بدوره الرسالة، وقدمها بشكل مباشر إلى العقيد القذافي، كما تنص التعليمات.
بدأت تلك الرسالة الموجهة شخصياً إلى العقيد بديباجة تفسر أسباب ومنافع الاقتراح المطروح الذي يهدف إلى تقديم المساعدة من أجل حماية الثورة الشابة وتأمينها. ومن أجل ذلك، يجب أن يكون هناك «تخطيط مسبق يقدر الاحتمالات كافة» للتعامل مع الأخطار الآتية من الخارج والداخل. وإن هذا التخطيط، كما تقول الرسالة، يحتاج إلى عملية تنسيق على أعلى مستوى. فقد اقترح الزعيم المصري تكوين لجنة مشتركة للبحث والدرس وتقديم المقترحات، وأبدى رغبته في سماع رأي العقيد بهذا المقترح، وأبلغه أنه في حالة قبوله، فإن الرئيس يفضل البدء فوراً في العمل بهذا الاتجاه.
وطبعاً، وافق العقيد فوراً على ما جاء في الاقتراح. وما كاد هيكل يصل إلى القاهرة لإبلاغ رئيسه بتلك الموافقة، حتى كان العقيد في طريقه إلى بنغازي لمقابلة الديب، ليطلب منه تقريراً يتضمن «تقدير موقف» للثورة، واحتمالات الثورة المضادة لها، وما الإجراءات اللازمة لمواجهة أي أعداء. وبعد أقل من أسبوع، كان التقرير بين يدي العقيد للبدء بالتنفيذ.
كان قدوم هيكل بخطة رئيسه في الثاني عشر من أكتوبر (تشرين الأول)، أي بعد وصول فتحي الديب، رجل الرئيس الخاص، بثمانية أسابيع تقريباً، وهي الفترة التي قام فيها الديب بجهد كبير أسفر عن نتائج كبيرة استوجبت منه نقل العملية إلى مستوى جديد يليق بما تم. لقد كان الضباط الشباب متحمسين جداً لعبد الناصر، ولم يكن عندهم أي خطط مستقبلية لما بعد نجاح الانقلاب، ما فتح الطريق أكثر أمام الديب، حتى صار «الدينامو» الذي ينظم أغلب ما يدور.
ولتبيان بعض من قوة ودينامية ذلك الرجل، سنتتبع هنا بعض ما أنجزه في تلك الفترة التي استمرت 40 يوماً فقط، وذلك كما سجلها بنفسه في كتابه شديد القيمة التاريخية «عبد الناصر والثورة الليبية» الذي احتوى يوميات عمله في ليبيا بطريقة يحوطها الفخر والانتماء، ولم يكن من النوع الذي يضيع الوقت. هنا بعض ما جاء في ذاك الكتاب مقتبساً بالنص:
> «… وبادرت بالاتصال ظهر اليوم الرابع بالمقدم آدم (الحوّاز)، مُبدياً رغبتي في سرعة الاتصال بالأخ معمر القذافي، لأطلب منه البدء في تخفيف فترة > «… وكانت الاستجابة فورية، حيث امتدت فترة رفع حظر التجول إلى 5 ساعات بدل ساعتين».
> «… كما تم تكليف (أمين بسيوني) للتوجه لمحطة الإذاعة ليعاون الملازم (عبد الفتاح يونس) المعين من قبل مجلس الثورة لتولي شؤون الإعلام».
> «في صباح الخامس من سبتمبر، أخبرني المقدم الحوّاز بأن مجلس قيادة الثورة عقد جلستين لدراسة الخطوات التنفيذية لتشكيل جهاز إدارة الدولة».
> «… فقمت بتوزيع بعض أعضاء الوفد المرافق، وبعض العاملين في فرع السفارة، لتأدية صلاة الجمعة بمختلف مساجد بنغازي لمراقبة الموقف».
> «اجتمع بمكتبي كل من المقدم آدم الحوّاز والنقيب بشير هوّادي والسيد أمين الشبلي والدكتور جمال العطيفي، ودارت مناقشة حول صيغة وشكل الإعلان الدستوري للثورة».
> «… وتم إعداد مشروع الإعلان الدستوري لأسلمه في اليوم نفسه لعرضه على مجلس الثورة».
> «… ركزت منذ البداية على أهمية ضمان وحدة الجيش وترابطه، كقاعدة انطلاق وتأمين للثورة، مع إبداء النصح للاستفادة من العناصر كافة التي ليس لها اتجاهات حزبية أو مواقف عدائية».
> «وصل المقدم آدم الحوّاز من طرابلس صباح يوم الثامن من سبتمبر، وحضر فوراً للقائي».
> «تم في منتصف الليل نقل كبار الضباط المعتقلين في فندق جراند هوتيل إلى سجن الكويفية، بناء على نصيحتي».
> «… وتم الاجتماع، وحضره العقيد، والنقيب عبد السلام جلّود ممثل طرابلس، والنقيب (بشير هوّادي)، ليستفسروا عن بعض مواد الإعلان الدستوري».
> «… حضر للقائي، ظهر يوم الثاني عشر (سبتمبر) بمبنى السفارة، الأخ الصديق (صالح مسعود بويصير) وزير الخارجية… وقد أخبرني بأنه جاء بصفته الشخصية ليطلعني على حقيقة الوضع، كما يراه، من داخل وخارج اجتماعات مجلس الوزراء».
> «حضر المقدم آدم لمقابلتي بالسفارة، في التاسعة مساء يوم الرابع عشر، وسلمني مستندات خاصة بخطة تطوير الجيش التي أعدها الخبراء البريطانيون».
> «… وإن العقيد معمر ركز في طلبه مني على إعادة التنظيم الشامل للقوات البرية والبحرية والجوية».
> «… انتقل العقيد معمر ليستعرض معي كيفية وأسلوب بناء التنظيم الشعبي، على ضوء المذكرة التي كان قد طلبها وأرسلتها له».
> «… وشرحت أهمية التركيز على السيطرة من خلال الكوادر السياسية الملتزمة بخط الثورة».
> «… وبناء على تكليف العقيد، عقدت معه عدة جلسات تلقين لإيضاح الصورة بالنسبة لمسؤولياته كافة، وكيفية ممارسته للعمل الجديد، وكيفية إدارته لدفة الأمور».
> «… ولمس أعضاء المجلس بأنفسهم الفائدة التي يحققونها في فترة تجمعهم في بنغازي، ووجودي إلى جوارهم لأمدهم بكل ما يحتاجونه من خبرة ومعلومات».
> «… اتصلت من فوري بالأخ عبد المنعم الهوني، وأبلغته بهذه المعلومات التي أكدها هو الآخر، وتم الاتفاق بيننا على الاجتماع معاً لوضع خطة القضاء على هذا المخطط التآمري سريعاً».
> «تنفيذاً لتعليمات الأمن التي زوّدنا بها الأخوة المسؤولون عن أمن مداخل ومخارج ليبيا، أبلغني الضابط المسؤول عن مطار بنغازي...».
> «... الأمر الذي أدى إلى طلبي من الإخوة رئيس وأعضاء المجلس إعطاء تعليماتهم المشددة بزيادة الرقابة على ما يتم...».
> «حضر العميد السوداني محمد عبد الحليم إلى بنغازي وقابلني، ليبلغني أنه تم استدعاؤه بمعرفة العقيد عاجلاً…».
> «… وتوصلنا في نهاية الجلستين اللتين استغرقتا ما يزيد على عشر ساعات إلى الاتفاق النهائي على الخطة المقترحة في مجال الدفاع الجوي والساحل الأرضي».
> «… وفي الجلسة الخاصة التي تتم بانتظام لتجمعني برئيس وأعضاء مجلس الثورة...».
وهكذا، تمضي اليوميات، لنرى فتحي الديب في كل مكان، يقود فريقاً كبيراً من الخبرات التي استدعاها على دفعات، لتكون بمثابة وزارات إسناد للوزارات المعلنة، بحيث كان لكل وزير ليبي تقريباً مستشار مصري يشرف على العمل. وامتلك الديب صلاحيات عبد الناصر في مصر، وبالضرورة عبرها كثير من صلاحيات مجلس قيادة الثورة الذي تحول عنده إلى أداة تنفيذ في كثير من الأحيان. ونراه أيضاً وقد لعب دوراً في كل حدث رئيسي، من الحفاظ على أمن المجلس وقائده، إلى كتابة الإعلان الدستوري، إلى إعادة بناء الجيش والأمن الخاص والمخابرات. كما أنه يستقبل وزراء الحكومة بصفتهم أصدقاء شخصيين، ولكن ليس للحديث عن أمور العائلة والصداقة، بل للاطلاع منهم على ما يجري داخل مجلس الوزراء.
لقد كان فتحي الديب رجل الظل الذي نسج كل الخيوط.

(1 -3) : القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء
(3 -3) : القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.