(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن العقيد الليبي وخلفيات علاقته الشائكة بالغربيين

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
TT

(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» بدءاً من اليوم، فصولاً من كتاب «دول الخيمة» الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بالعلاقة الشائكة بين القذافي والغرب، وكيف كان العقيد الليبي يعتبر أن «دين» الغرب الحقيقي هو المال فتعامل معه على هذا الأساس، مضيفاً أنه من مرور الأيام «صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف».
ويتناول هذا الفصل أيضاً كيف أوكل العقيد «السبق» في ملف التعامل مع الغرب إلى ابنه سيف الإسلام، وكيف اكتشفت المخابرات الليبية عام 2009 شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، بمن فيهم من كانوا على اتصال مباشر مع العقيد الراحل، تُدار من تونس منذ عشر سنوات.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب. عدم محبة الغرب ليست أمراً جديداً على العقيد، فهي نظرة تتسم بالصدق والانسجام مع الذات، لم تتغير بمرور الزمن. ويروي هو نفسه عن أيامه التي قضاها عندما كان في دورة عسكرية قرب لندن، عام 1966، أنه كان يناقش مواطناً إنجليزياً، جلس معه في القطار، حول الشعوب والقِيَم. وعندما حضر المشروب، اكتفى الإنجليزي بدفع حسابه فقط، ليقطع العقيد (وقتها كان ملازماً) الحديث معه فوراً، احتجاجاً على هذا التصرف الذي يخلو من الشهامة والكرم. فقد اعتبر ذلك إشارة صريحة إلى مستوى ثقافة ذلك الشعب، الذي لا يستضيفك ولا يتركك تستضيفه على كوب شاي، وهو أمر لا يمكن القبول به وفق القِيَم البدوية التي تربى عليها.
وفي حوار لاحق أجرته معه «بي بي سي»، عندما أصبح في الحكم، نعرف أن هناك ما هو أكثر من كوب الشاي. يقول العقيد إنه وزملاءه تعرضوا للإزعاج والإهانة من قبل الضباط الإنجليز المكلَّفين بالدورة، وأضاف للصحافي الإنجليزي أنه متأكد من «أنهم يكرهوننا».

لم ينسَ العقيد، ولم يتمكن من فهم الغرب على حقيقته أبداً، لا كعدو ولا كصديق. ظلت فكرته عن ذلك التجمع البشري الجبار، الذي يتحرك على الضفة المقابلة من البحر، بسيطة وخاضعة لقِيَمه هو، وليس لقِيَم وتجربة وتاريخ الغرب. وعيه تشكّل في زمن عبد الناصر، ومسيرات المدارس، وثورة الجزائر، واستمر يتطور باتجاه واحد طوال الوقت، لم تؤثر فيه التجارب ولا القراءات، ولا مسؤولية الحكم.
كان العقيد حريصاً على نقل كرهه للغرب إلى الجميع، وصنع حالة عداء معه، صنعت بدورها نجوميته. ومع الأيام، صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف. توتر العلاقات مع الغرب، والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وفّرت فرصة لتأمين حاجة الثورة الدائمة لعدو، يمنحها شرعية البقاء.
وأقام العقيد جزءاً أساسياً من دعايته على جدار الدين والتاريخ، على أساس أن ما يحدث الآن هو عدوان للحملة الصليبية العاشرة، التي تستهدف ليبيا من ضمن حملتها على الشرق المسلم، استئنافاً للحروب القديمة. وكان متحمساً في تلك العداوة، حتى إنه طلب في إحدى المرات، وفي خطاب مباشر على التلفزيون، أن يخرج إليه «كارتر» للمبارزة علناً أمام الناس، المبارزة بالسلاح، كحل لإنهاء هذه الحرب. وفي حالات أخرى من الضيق، أخذ يردد في خُطبه ومحاضراته نظرية جديدة، إضافة إلى نظرية داروين الخاصة بأصل الأنواع، مفادها أن الغربيين هم الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. ولم يتردد لحظة في أن يطلب من الباحثين والمثقفين العمل على تأصيل ما قال علمياً للجماهير.
عدم إتقانه للغة أجنبية، واعتزازه الشديد بنفسه، وميله الدائم للأخذ بالمُسَلَّمات، كانت حائلاً بينه وبين معرفة موضوع معقدٍ سياسياً واجتماعياً وصناعياً، مثل الحياة في الغرب، وبالتالي تقدير خطورته. لذا، بقيَ نحو عقدين يصول في تلك الأصقاع المُدِرّة للشهرة، مخلفاً وراءه الخوف أينما حل. اشتُهِر اسمه وصار معروفاً هناك، وقام بتنفيذ أو دعم عمليات إرهابية في أغلب المدن الأوروبية، ثم أرسل فرقه، محترفة القتل، التي وصلت إلى الولايات المتحدة نفسها، لاغتيال المعارضين في قلب العدو الأكبر. واستمر في نشر حالة من العداء ضد الدول الغربية في المنطقة، شوّشت كثيراً من الأجواء.
وفي أبريل (نيسان) 1986، قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وضع قاعدة جديدة في التعامل معه، فأرسل سرب طائرات قصفت بيته الخاص وبضعة أهداف أخرى، أخطأت في اثنين منها على الأقل، وتسببت في مجزرة استفاد منها العقيد بذكاء. لكن الرسالة الأساسية كانت قد وصلت وأدت غرضها لعدة سنوات. لقد فهم العقيد، هذه المرة، أن عليه أن يلتزم الهدوء. وعندما تم الانتهاء من ترتيب وضع صدام حسين بعد حرب الكويت، أُعلِن دون مقدمات كبيرة، وبالتزامن، في بريطانيا والولايات المتحدة، عن توجيه اتهام رسمي للنظام الليبي بتفجير طائرة أميركية مدنية، وسمّى الاتهام رجلين ليبيين بالاسم كمطلوبين للمحاكمة.
ودخلت ليبيا، مع العراق في الوقت نفسه، تحت حصار استمر سبع سنوات، قبل أن تنجح وساطة سعودية - جنوب أفريقية في إقناع القذافي بتسليم المُتَّهمين لمحكمة محايدة، حيث دخل في ماراثون قانوني لسنوات أخرى، قبل أن يُقرّ أخيراً ويتحمل الذنب.
كلّفت قضية لوكربي القذافي وليبيا جهوداً وخسائر كبيرة على كل الجبهات. لكنه خرج من تلك المعمعة بنظرية جديدة، اكتشفها أثناء معالجته لتلك المشكلة التي شكلت خطراً حقيقياً عليه، وهي نظرية جديدة للتعامل مع الغرب، صاغها في خمس كلمات: الدِّين الوحيد للغرب هو المال.
وأخذ العقيد يتصرف في حقبته الجديدة، بعد النجاة من «لوكربي»، على هذا الأساس، حيث بإمكانه أن يمنح العقود للشركات الغربية، وتتولى هي التعامل مع حكوماتها بالشكل الذي تفهمه. وإذا لم يكْفِ ذلك، فهناك دائماً نقاط ضعف في مكان ما في شبكة ديمقراطية الغرب.
على سبيل المثال، تمكّن العقيد من دعم أحزاب وجماعات ضغط، وحتى حملات انتخاب للحكم في قلب حواضر الغرب. ولم تُخيّب نظريته الجديدة أمله أبداً، وحقق عبرها «إنجازات» مهمة، فتحت له ما رغب من طرق. لقد كانت تلك الشركات العابرة للقارات قادرة، في مرحلة لاحقة، على جلب عدوه السابق رئيس وزراء بريطانيا العظمى توني بلير، شخصياً، إلى باب خيمته، فأجلسه أمامه داخلها، رافعاً، غير بعيد من وجهه، حذاء ملوثاً بالروث، قبل أن يمنحه بركته لتوقيع العقد الذي جاء من أجله.
لقد جمّدته معضلة «لوكربي» سنوات، أصابه فيها الترهل، ودفعت شعبه إلى بدايات تعبير علني عن الضجر. لذا، كانت انطلاقته بعدها سريعة، لتعويض ما مضى، بقوة دفع «النظرية» الجديدة المعتمِدة على المال. لكن قبضته ستتراخى تدريجياً في الداخل، الذي سيتركه للأولاد والمقربين كلما تقدم الوقت، ويمضي في الطريق الجديدة التي انفتحت أمامه بعد انفراج شدة «لوكربي»، وحصارها الذي جعل وضعه في مقام المنبوذ.
وبالمال، الذي يملك منه الكثير، وفيما عدا لندن التي احتفظ لها بكره دائم، قام بزيارة أغلب عواصم الغرب، حاملاً معه خيمته وناقته في بعض الأحيان، فجاء إلى باريس، حيث جلس على كرسي لويس الرابع عشر، الذي سبق أن حكم أكثر من سبعين سنة، وذلك أثناء جولته في المتحف الذي خُصّصت زيارته في ذلك اليوم للقذافي فقط، وذلك بعد أن استقبله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسمياً في قصر الإليزيه، دون أن يخطر على بال أحد أنه كان قد موّل حملة ساركوزي الانتخابية. وسيصل العقيد بعد ذلك إلى قِبلة السياسة، نيويورك نفسها، ويقوم باستعراض أممي مشهود.
لقد مر وقت ازدهرت فيه حقاً نظرية القذافي حول دِين الغرب، في أوساط الغرب العليا، حتى إنه صدق بالنجاة.
لكن كل هذه الأسفار والفُرَص لم تكن لتغيّر تفكيره إلى فهم أعمق.
انشغل العقيد كثيراً بالغرب، إلى درجة أنه لم يجد وقتاً ليتعرف عليه حقاً، ويدرك كيف يعيش الغرب، وكيف يفكر ويعمل ويصنع قراراته، ولماذا هو مختلف على هذا النحو؟
لم تكن في الجماهيرية مراكز أبحاث ودراسات، ولا مجموعات عمل منظمة، ولا خلايا تفكير، ولا بنية تحتية لتعليم جيد قادر على التعبير عن نفسه بالكوادر والأفكار. كانت هناك مصلحة للثورة في أن يبقى الأمر بسيطاً. فالغرب مفيد للثورة أكثر كعدو غامض وشرس، وهو مشروع استثمرت في عداوته الكثير، وجنت أرباحاً «شعبية» كبيرة منه، والأفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه. هذه هي الخدمة التي يقدمها الغرب للعقيد، وهي الخدمة المُرحَّب بها في جماهيريته. وفي كل الأحوال، فقد أصبح عنده ما يكفي من عيّنات غربية يريها لشعبه عندما يريد، وهو جالس في الخيمة يتابع سير توقيع تلك الاتفاقيات.
لكن المشاكل الحقيقية مع الغرب كانت لم تبدأ بعد. فهي ستبدأ عندما سيظهر أسامة بن لادن على المسرح، ويضرب في قلب أميركا دون رحمة، في عملية هوليوودية الهوى، بالكاد أفلت منها البيت الأبيض نفسه في ربع الساعة الأخير.
بعد ذلك بأقل من عامين، سيسقط صدام حسين في عملية أخرى، كأنها لعبة حرب إلكترونية، مع فارق الدماء. في ذلك اليوم الذي سقط فيه تمثال صدام، حضرت وحدات أمنية خاصة إلى قلب طرابلس ليلاً، وأزالت صور القائد الكبيرة المعلقة على الجدران، مخافة أن تكون مستفزة أكثر من اللازم بهيمنتها على المكان في تلك الأوقات. وقضى العقيد طوال الأيام التالية بين الحذر والترقب، متوقعاً كل شيء، بما في ذلك أن تظهر طائرات أميركا في الجو من جديد. استمرت تلك المرحلة أشهراً، وبعد أن تم القبض على صدام بأسبوع، أدرك القذافي أخيراً أن اللعبة انتهت، وأعلن بنفسه تخليه عن أي برامج لإنتاج الأسلحة «الكيماوية والبيولوجية والنووية»، ثم فكّك معامله في هذا المجال، وشحنها مع ما يلزم من الأجهزة المطلوبة، إلى الولايات المتحدة، ليتفقدها الرئيس بوش الابن مزهواً، ثم تُعرَض على الإعلام، الذي أعطاها مساحات كبيرة، ما أحرج كرامة العقيد، فاتصل الليبيون مجدداً بالدكتور محمد البرادعي، رئيس «الهيئة الدولية للطاقة»، الذي كان على وشك اللقاء ببوش، وطلبوا منه المساعدة في الموضوع. وفعلاً، طرح البرادعي الأمر أمام الرئيس، وشرح له أنه ما من فائدة في إحراج القذافي بصورة من «خان أمته»، بالتركيز الإعلامي على تسليمه لبرنامجه. واقتنع بوش الابن بكلام البرادعي، وجرى بقية الأمر في جو أكثر هدوءاً.
كان العقيد في ذلك الوقت قد أعطى بعض إشارات بترك مساحة لابنه سيف الإسلام، يتحرك فيها في الداخل، ثم منحه سبق البدء بالاتصال سراً بالغرب، بهدف حل معضلة «لوكربي» ودياً، مانحاً إياه ورقة قوية توفر له دخولاً كبيراً إلى المسرح، وهو ما حدث.
في تلك المرحلة من صراعه مع أميركا، سيعود العقيد إلى التاريخ مجدداً، ويتقمص شخصية «يوسف باشا القره مانللي»، في حالتي القوة والضعف، ولكن بترتيب ونتيجة مختلفَين.
بدأ معركته قوياً متحمساً، وأحياناً بذيئاً، لسنوات طويلة بدأت منذ الثلث الأول من السبعينات، وامتدت حتى منتصف الثمانينات، وهي مرحلة رواج كبير للعداء لأميركا، ما جعل المنافسة حادة بين القوميين لإبراز أفضل الطرق لمقاومة ذلك العدو المكين. ومن بين كثير من القادة الذين يتقدمون لهذا الشرف، كان للعقيد مكان متقدم في هذا الشأن. لقد كان واثقاً من الانتصار، حتى إنه في إحدى خطبه أمام الجماهير، طلب منها، متهكماً، البحث عما إذا كان هناك «أميركا أخرى» لم نعرفها بعد، مبشراً الحضور بأننا «بلعنا» أميركا الحالية وانتهى أمرها تماماً، وإن المطلوب الآن «تمشيط» العالم، والتأكد من أنه ما من أميركا أخرى فيه.
استمرت هذه الفترة إلى نهاية الثمانينات تقريباً، ثم بدأ الانتقال تدريجياً إلى المرحلة التي بدأ منها يوسف باشا من قبل، في النسخة الحقيقية من التاريخ، وأخذ يدبج الرسائل ويعطي التصريحات التي تبدو في مضمونها ونغمتها مستعارة مما قاله الباشا من قبل، عندما كان يرسل إلى الرئيس الأميركي، في البداية، طالباً معاملته مثل جيرانه من حكام تونس والجزائر والمغرب، وأن يحفظ كرامته، وكذا، بدأ العقيد في نغمة جديدة مشحونة بالشكوى من الظلم الذي لحق به، مستغرباً، كيف أن أميركا غفرت لمن تسمّيهم إرهابيين مثل مانديلا وعرفات، وفرشت لهم البساط الأحمر، بينما تعامله هو معاملة الإرهابيين الخارجين عن القانون. وواقعياً، كان ذلك يعني أنه انتهى في المكان الذي بدأ منه سلفه الباشا في الأصل. فقد كان يوسف باشا يتحدث عن الضرائب المستحقة لمرور السفن من بحره في زمن حاضر، بينما يطلب القذافي الأمان والصفح عن زمن مضى. وهكذا حصل، بعد جهد مُنهِك، على جوائز أقل من الباشا في نهاية الأمر. فالباشا استرد حقه في مال الضرائب مع نهاية حرب السنوات الأربع، ما أكسبه صيتاً كبيراً في المنطقة، وهو مكسب لم ينله العقيد، الذي أصاب ذلك الصراع الطويل هيبته بخسائر كبيرة، أجبرته على طلب الغفران.
وعندما تم قبوله أخيراً في العائلة الدولية، بعد ذاك الرجاء الطويل، توسع العقيد أكثر في نشر نظريته الجديدة حول دِين الغرب في التجمعات الغربية، كلما أمكنه ذلك، وكسب أنصاراً جُدداً في مواقع مختلفة، خصوصاً من السياسيين السابقين الذين اتجهوا للعمل كواجهة للشركات والبنوك الكبرى، بينما بقيَ الإعلام ومراكز البحث على حذر.
وكانت أميركا الرسمية تلوِّح بالعصا كلما رأت أن الأمر يتطلب ذلك. ففي مارس (آذار) 2004، زار الجماهيرية وفد يرأسه جوزيف بايدن، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، نائب أوباما، ثم رئيس الولايات المتحدة فيما بعد. وبعد لقائه القذافي قرب سرت، ألقى بايدن في اليوم التالي كلمة أمام مؤتمر الشعب العام المنعقد في مقره بالمدينة، والذي صار مقراً رسمياً منذ بعض الوقت، قال فيها إن الشعب الليبي لديه الإمكانات والفُرَص، لكنه يعاني من مشكلة كبيرة هي «آيديولوجيا مُضلِّلة» تتحكم به. وبالطبع، تم قطع البث التلفزيوني المباشر للكلمة فوراً عند هذا الحد، وسعى العشرات من الدبلوماسيين والساسة في الأروقة كثيراً لتخفيف حدة تلك الكلمات التي قيلت في قلب العرين، بعد عشر سنوات من تسليم القذافي أسلحته وما ظنه غفراناً. لكن بايدن لم يَبْدُ عليه الاهتمام، وظل مُصراً على رأيه في العقيد، الذي وصفه بعد عودته إلى واشنطن بأنه «ليست فيه عظْمة واحدة تؤمن بالديمقراطية».
وتعددت الوفود الغربية الباحثة عن فرص للاستثمار، وذهب أغلبها بهدف المال والسياسة، ولكن كان هناك آخرون يجمعون نوعاً مختلفاً من المعلومات.
فبعد زيارة جوزيف بايدن بسنتين، جاء وفد من المعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، الذي كان تلك الفترة تحت رئاسة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة، يضم أربعة متخصصين في المنطقة، ومراقبين لسير التغيير في ليبيا. وقضى الوفد تسعة أيام يتجول في البلاد، وخرج منها بتقرير، يصف أوضاعاً كئيبة بعد سبعة وثلاثين عاماً من وصول القائد إلى السلطة.
ويلفت التقرير في ديباجته النظر إلى أنه أثناء تكوينه صورة عن الوضع، تحدث مع أشخاص مختلفين، وكانوا يقدمون معلومات متناقضة، والأسئلة المحددة المباشرة التي كانت تُطرح عليهم، كانت تقابَل بإجابات غامضة وردود تحمل «عدم اليقين». وفي إشارة سريعة، تضيف ديباجة التقرير أن ذلك «يجري حتى على أعلى مستويات الحكومة».
ثم يصف التقرير أن نظام سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية «بالغ التعقيد دون داعٍ»، وأنه عملية تؤدي إلى «إعطاء سلطة لمجموعة صغيرة من النخب، التي تتلاعب بقرارات المؤتمرات الشعبية، بحجة تطويعها واستخلاص القرار المتفق عليه». وتصف النظام الليبي بأنه «صيغ بصلابة لا تسمح بالتأثير فيه، أو التلاعب به على كل مستويات الحكومة».
وبعد أن يصف التقرير اللجان الثورية بأنها «الطرف الثالث غير الواضح في هيكلية السلطة، ولكنها هي من تحسم القرارات»، يشير بنباهة إلى وسيلة التحكم المهمة التي في يد النظام، إذ إن التصويت العلني على القرارات غير مأمون، و«يكون المصوتون عُرضة للتخويف والإرهاب بسهولة، من وجود قوات الأمن واللجان الثورية وغيرهم، ما يدعم وجهات نظر النظام»، وإن المؤتمر الشعبي الأساسي هو «عبارة عن ختم مطاط يستخدم للتصديق والاعتماد لكل سياسات القذافي ودائرته الداخلية من المستشارين».
ثم يذهب التقرير مباشرة إلى المكان الذي تصب فيه كل الأودية بالقول: «من الواضح جداً أن السلطة التنفيذية هي واقعياً في يد العقيد القذافي... الذي خلق نظاماً يحمل آلية لاتخاذ القرار في غاية العتمة وعدم الوضوح».
ويمضي التقرير في شرح بقية الصورة لواقع الحال، فيما بعد منتصف العقد الثالث من حكم العقيد، حيث «لا توجد في ليبيا منظمات مجتمع مستقلة»، وهناك عقوبات قانونية على حرية التعبير والتجمع، حتى إن تحركات واتصالات الوفد نفسه «كانت تحت الرقابة اللصيقة طوال المهمة». ويعطي فكرة عن تفكك الإدارة وحيرة المسؤولين و«الشللية والتشقق الحادث الآن في النظام».
بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً «وفود» من نوع آخر تفضّل العمل في السر، تجمع نوعاً أخطرَ من المعلومات لحساب وكالاتها. وكان عندها من المعرفة أكثر مما عند الباحثين والاقتصاديين. وفي إحدى المرات، اكتشفت المخابرات الليبية، عام 2009، شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، تُدار من تونس منذ عشر سنوات، وشمل التقرير الذي أرسله عنصر مخابرات ليبي في تونس، مكان محطات التنصُّت وتاريخ إنشائها، والأهم أسماء المُتنصَّت عليهم طوال تلك السنوات. وقد شملت القائمة الجميع، من رئيس المخابرات لعقد ونصف العقد، موسى كوسى، إلى عديل القذافي والرجل الثاني عملياً في البلاد عبد الله السنوسي، ومدير مكتب معلومات القذافي بشير صالح، وأيضاً مسؤول المكتب الخاص للعقيد أحمد رمضان. ولم توفر المراقبة أيضاً بعضاً من أولاده.
وهكذا، كان كل من يمكن أن يتحدث معهم العقيد تحت المراقبة، التي شملت الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني والاتصالات اللاسلكية التي تدور بين «وحدات الشعب المسلح»، كما أكد التقرير. وبهذا، كان تقريباً كل ما يُقال أو يُكتب داخل دائرة العقيد يصل إلى دوائر الغرب من فم مصدره مباشرة، وفي التو، ما يفسر لنا كيف كانت تسير الأمور، وكيف وصل العقيد إلى مستوى بث الشكوى في العلن. فقد كان كل شيء عنه معلوماً.
وفود كثيرة جاءت وذهبت، وظل العقيد في مركز الدائرة الذي يرسم النهج الجديد بحذر، دون بنية تحتية صالحة، ولا كوادر مؤهلة، إلا فيما ندر، للاستخدام في العالم الخارجي. وظل العقيد في سعي محموم في البحث عن «شرعية دولية»، يتوّج بها حياته كمرجع عالمي. وفي فترة ما، أصبح قريباً فعلاً من ذلك الاستحقاق، فقد كان على وشك أن يظفر بفرصة العمر.
فبعد حل مشكلة «لوكربي» بسنتين، استطاع العقيد الخروج بتوقيع الإعلان المبدئي للاتحاد الأفريقي، الذي اختار له العقيد تاريخاً مُنسَّقاً كما يحب هو 9 - 9 - 1999. وكان العقيد قد اتجه إلى العمل في أفريقيا مجدداً في التسعينات، بعد انغلاق الأفق بخضوعه للحصار، إضافة إلى الحذر الكبير الذي ساد في السوق القومية بعد هزيمة صدام في الكويت. واتسم ذلك العقد باشتعال الحروب الأهلية في تلك القارة المترامية، إذ أسهم العقيد بجهده في أوغندا وسيراليون وليبيريا وأفريقيا الوسطى، وأينما استطاع، بالمال والجنود والدعم السياسي، في تعميق ذلك الجرح، حتى استطاع أخيراً أن يفرض نفسه، ويُخضِع كثيرين لتقبله.
وبالكاد استطاع قادة أفريقيا إبعاده عن رئاسة ذلك الاتحاد عشر سنوات، قبل أن يفوز بها أخيراً في الوقت الذي يريده تماماً. إذ ما إن تسلّم الرئاسة الأفريقية عام 2010، حتى تسلم أيضاً الرئاسة العربية في قمة سرت بعدها بأسابيع. وكان بين هاتين الرئاستين، قد وصل أخيراً إلى نيويورك للمرة الأولى والأخيرة في حياته، حيث سيأخذه الاحتفال باللحظة، ويثير بتحركاته كثيراً من الجلبة الطفولية في ذلك الوسط الرصين. وتوج ذلك الأداء بخطبته من على منبر العالم، التي كانت عرضاً لمونولوغ ركيك الصياغة والأداء. وكانت لحظة تراجيدية تُبَث مباشرة من أشهر مسارح العصر، خرق فيها «القائد» كل البروتوكولات والقوانين، واستمر أكثر من ساعتين يخلط موضوعاً بموضوع، مقدماً أسوأ عروضه عبر تاريخه الطويل على الإطلاق، مرتكباً ذلك في المكان الذي قدّم كل ما يلزم للصعود على منبره لقول كلمته.
كان هناك بالطبع كثير ممن سيدبّجون الإشادات بتلك الكلمة، خصوصاً في الداخل، لتبيان تاريخيتها وما منحته للعالم من حكمة وحلول. لكن هذه الكلمة، في الواقع الدولي، كانت وبالاً تاماً عليه، أظهرت خفته وميله للاستعراض، وطرح أفكاره الساذجة عن السياسة ومسؤولية الحكم، وزرع انطباعاً عاماً بين الحاضرين بأن أَخْذَ كلامه بشكل جِدّي أمر غير حكيم، وزال الحرج عن آخرين كان يمكن أن يساعدوه، بعد أن تأكدت الصورة الرائجة عن خطورة الثقة به.
رحلة نيويورك كانت إقفالاً للدائرة. وعندما وصل ذلك الفتى البدوي أخيراً إلى تفاحة العالم وقلبه المالي، ليخاطب العالم ويلقي بشارته، أفسد الفرصة الثمينة.
أما الغرب، فقد جلس ينتظر، بعد أن نفض يديه من إعادة التأهيل، حتى جاءت الفرصة وحان الوقت. عندئذ، أنكر علناً أي علاقة به، نازعاً عنه الغطاء أولاً، ثم ليتدخل مباشرة لحسم أمر إزالته.

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر
(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.