(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن العقيد الليبي وخلفيات علاقته الشائكة بالغربيين

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
TT

(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» بدءاً من اليوم، فصولاً من كتاب «دول الخيمة» الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بالعلاقة الشائكة بين القذافي والغرب، وكيف كان العقيد الليبي يعتبر أن «دين» الغرب الحقيقي هو المال فتعامل معه على هذا الأساس، مضيفاً أنه من مرور الأيام «صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف».
ويتناول هذا الفصل أيضاً كيف أوكل العقيد «السبق» في ملف التعامل مع الغرب إلى ابنه سيف الإسلام، وكيف اكتشفت المخابرات الليبية عام 2009 شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، بمن فيهم من كانوا على اتصال مباشر مع العقيد الراحل، تُدار من تونس منذ عشر سنوات.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب. عدم محبة الغرب ليست أمراً جديداً على العقيد، فهي نظرة تتسم بالصدق والانسجام مع الذات، لم تتغير بمرور الزمن. ويروي هو نفسه عن أيامه التي قضاها عندما كان في دورة عسكرية قرب لندن، عام 1966، أنه كان يناقش مواطناً إنجليزياً، جلس معه في القطار، حول الشعوب والقِيَم. وعندما حضر المشروب، اكتفى الإنجليزي بدفع حسابه فقط، ليقطع العقيد (وقتها كان ملازماً) الحديث معه فوراً، احتجاجاً على هذا التصرف الذي يخلو من الشهامة والكرم. فقد اعتبر ذلك إشارة صريحة إلى مستوى ثقافة ذلك الشعب، الذي لا يستضيفك ولا يتركك تستضيفه على كوب شاي، وهو أمر لا يمكن القبول به وفق القِيَم البدوية التي تربى عليها.
وفي حوار لاحق أجرته معه «بي بي سي»، عندما أصبح في الحكم، نعرف أن هناك ما هو أكثر من كوب الشاي. يقول العقيد إنه وزملاءه تعرضوا للإزعاج والإهانة من قبل الضباط الإنجليز المكلَّفين بالدورة، وأضاف للصحافي الإنجليزي أنه متأكد من «أنهم يكرهوننا».

لم ينسَ العقيد، ولم يتمكن من فهم الغرب على حقيقته أبداً، لا كعدو ولا كصديق. ظلت فكرته عن ذلك التجمع البشري الجبار، الذي يتحرك على الضفة المقابلة من البحر، بسيطة وخاضعة لقِيَمه هو، وليس لقِيَم وتجربة وتاريخ الغرب. وعيه تشكّل في زمن عبد الناصر، ومسيرات المدارس، وثورة الجزائر، واستمر يتطور باتجاه واحد طوال الوقت، لم تؤثر فيه التجارب ولا القراءات، ولا مسؤولية الحكم.
كان العقيد حريصاً على نقل كرهه للغرب إلى الجميع، وصنع حالة عداء معه، صنعت بدورها نجوميته. ومع الأيام، صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف. توتر العلاقات مع الغرب، والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وفّرت فرصة لتأمين حاجة الثورة الدائمة لعدو، يمنحها شرعية البقاء.
وأقام العقيد جزءاً أساسياً من دعايته على جدار الدين والتاريخ، على أساس أن ما يحدث الآن هو عدوان للحملة الصليبية العاشرة، التي تستهدف ليبيا من ضمن حملتها على الشرق المسلم، استئنافاً للحروب القديمة. وكان متحمساً في تلك العداوة، حتى إنه طلب في إحدى المرات، وفي خطاب مباشر على التلفزيون، أن يخرج إليه «كارتر» للمبارزة علناً أمام الناس، المبارزة بالسلاح، كحل لإنهاء هذه الحرب. وفي حالات أخرى من الضيق، أخذ يردد في خُطبه ومحاضراته نظرية جديدة، إضافة إلى نظرية داروين الخاصة بأصل الأنواع، مفادها أن الغربيين هم الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. ولم يتردد لحظة في أن يطلب من الباحثين والمثقفين العمل على تأصيل ما قال علمياً للجماهير.
عدم إتقانه للغة أجنبية، واعتزازه الشديد بنفسه، وميله الدائم للأخذ بالمُسَلَّمات، كانت حائلاً بينه وبين معرفة موضوع معقدٍ سياسياً واجتماعياً وصناعياً، مثل الحياة في الغرب، وبالتالي تقدير خطورته. لذا، بقيَ نحو عقدين يصول في تلك الأصقاع المُدِرّة للشهرة، مخلفاً وراءه الخوف أينما حل. اشتُهِر اسمه وصار معروفاً هناك، وقام بتنفيذ أو دعم عمليات إرهابية في أغلب المدن الأوروبية، ثم أرسل فرقه، محترفة القتل، التي وصلت إلى الولايات المتحدة نفسها، لاغتيال المعارضين في قلب العدو الأكبر. واستمر في نشر حالة من العداء ضد الدول الغربية في المنطقة، شوّشت كثيراً من الأجواء.
وفي أبريل (نيسان) 1986، قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وضع قاعدة جديدة في التعامل معه، فأرسل سرب طائرات قصفت بيته الخاص وبضعة أهداف أخرى، أخطأت في اثنين منها على الأقل، وتسببت في مجزرة استفاد منها العقيد بذكاء. لكن الرسالة الأساسية كانت قد وصلت وأدت غرضها لعدة سنوات. لقد فهم العقيد، هذه المرة، أن عليه أن يلتزم الهدوء. وعندما تم الانتهاء من ترتيب وضع صدام حسين بعد حرب الكويت، أُعلِن دون مقدمات كبيرة، وبالتزامن، في بريطانيا والولايات المتحدة، عن توجيه اتهام رسمي للنظام الليبي بتفجير طائرة أميركية مدنية، وسمّى الاتهام رجلين ليبيين بالاسم كمطلوبين للمحاكمة.
ودخلت ليبيا، مع العراق في الوقت نفسه، تحت حصار استمر سبع سنوات، قبل أن تنجح وساطة سعودية - جنوب أفريقية في إقناع القذافي بتسليم المُتَّهمين لمحكمة محايدة، حيث دخل في ماراثون قانوني لسنوات أخرى، قبل أن يُقرّ أخيراً ويتحمل الذنب.
كلّفت قضية لوكربي القذافي وليبيا جهوداً وخسائر كبيرة على كل الجبهات. لكنه خرج من تلك المعمعة بنظرية جديدة، اكتشفها أثناء معالجته لتلك المشكلة التي شكلت خطراً حقيقياً عليه، وهي نظرية جديدة للتعامل مع الغرب، صاغها في خمس كلمات: الدِّين الوحيد للغرب هو المال.
وأخذ العقيد يتصرف في حقبته الجديدة، بعد النجاة من «لوكربي»، على هذا الأساس، حيث بإمكانه أن يمنح العقود للشركات الغربية، وتتولى هي التعامل مع حكوماتها بالشكل الذي تفهمه. وإذا لم يكْفِ ذلك، فهناك دائماً نقاط ضعف في مكان ما في شبكة ديمقراطية الغرب.
على سبيل المثال، تمكّن العقيد من دعم أحزاب وجماعات ضغط، وحتى حملات انتخاب للحكم في قلب حواضر الغرب. ولم تُخيّب نظريته الجديدة أمله أبداً، وحقق عبرها «إنجازات» مهمة، فتحت له ما رغب من طرق. لقد كانت تلك الشركات العابرة للقارات قادرة، في مرحلة لاحقة، على جلب عدوه السابق رئيس وزراء بريطانيا العظمى توني بلير، شخصياً، إلى باب خيمته، فأجلسه أمامه داخلها، رافعاً، غير بعيد من وجهه، حذاء ملوثاً بالروث، قبل أن يمنحه بركته لتوقيع العقد الذي جاء من أجله.
لقد جمّدته معضلة «لوكربي» سنوات، أصابه فيها الترهل، ودفعت شعبه إلى بدايات تعبير علني عن الضجر. لذا، كانت انطلاقته بعدها سريعة، لتعويض ما مضى، بقوة دفع «النظرية» الجديدة المعتمِدة على المال. لكن قبضته ستتراخى تدريجياً في الداخل، الذي سيتركه للأولاد والمقربين كلما تقدم الوقت، ويمضي في الطريق الجديدة التي انفتحت أمامه بعد انفراج شدة «لوكربي»، وحصارها الذي جعل وضعه في مقام المنبوذ.
وبالمال، الذي يملك منه الكثير، وفيما عدا لندن التي احتفظ لها بكره دائم، قام بزيارة أغلب عواصم الغرب، حاملاً معه خيمته وناقته في بعض الأحيان، فجاء إلى باريس، حيث جلس على كرسي لويس الرابع عشر، الذي سبق أن حكم أكثر من سبعين سنة، وذلك أثناء جولته في المتحف الذي خُصّصت زيارته في ذلك اليوم للقذافي فقط، وذلك بعد أن استقبله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسمياً في قصر الإليزيه، دون أن يخطر على بال أحد أنه كان قد موّل حملة ساركوزي الانتخابية. وسيصل العقيد بعد ذلك إلى قِبلة السياسة، نيويورك نفسها، ويقوم باستعراض أممي مشهود.
لقد مر وقت ازدهرت فيه حقاً نظرية القذافي حول دِين الغرب، في أوساط الغرب العليا، حتى إنه صدق بالنجاة.
لكن كل هذه الأسفار والفُرَص لم تكن لتغيّر تفكيره إلى فهم أعمق.
انشغل العقيد كثيراً بالغرب، إلى درجة أنه لم يجد وقتاً ليتعرف عليه حقاً، ويدرك كيف يعيش الغرب، وكيف يفكر ويعمل ويصنع قراراته، ولماذا هو مختلف على هذا النحو؟
لم تكن في الجماهيرية مراكز أبحاث ودراسات، ولا مجموعات عمل منظمة، ولا خلايا تفكير، ولا بنية تحتية لتعليم جيد قادر على التعبير عن نفسه بالكوادر والأفكار. كانت هناك مصلحة للثورة في أن يبقى الأمر بسيطاً. فالغرب مفيد للثورة أكثر كعدو غامض وشرس، وهو مشروع استثمرت في عداوته الكثير، وجنت أرباحاً «شعبية» كبيرة منه، والأفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه. هذه هي الخدمة التي يقدمها الغرب للعقيد، وهي الخدمة المُرحَّب بها في جماهيريته. وفي كل الأحوال، فقد أصبح عنده ما يكفي من عيّنات غربية يريها لشعبه عندما يريد، وهو جالس في الخيمة يتابع سير توقيع تلك الاتفاقيات.
لكن المشاكل الحقيقية مع الغرب كانت لم تبدأ بعد. فهي ستبدأ عندما سيظهر أسامة بن لادن على المسرح، ويضرب في قلب أميركا دون رحمة، في عملية هوليوودية الهوى، بالكاد أفلت منها البيت الأبيض نفسه في ربع الساعة الأخير.
بعد ذلك بأقل من عامين، سيسقط صدام حسين في عملية أخرى، كأنها لعبة حرب إلكترونية، مع فارق الدماء. في ذلك اليوم الذي سقط فيه تمثال صدام، حضرت وحدات أمنية خاصة إلى قلب طرابلس ليلاً، وأزالت صور القائد الكبيرة المعلقة على الجدران، مخافة أن تكون مستفزة أكثر من اللازم بهيمنتها على المكان في تلك الأوقات. وقضى العقيد طوال الأيام التالية بين الحذر والترقب، متوقعاً كل شيء، بما في ذلك أن تظهر طائرات أميركا في الجو من جديد. استمرت تلك المرحلة أشهراً، وبعد أن تم القبض على صدام بأسبوع، أدرك القذافي أخيراً أن اللعبة انتهت، وأعلن بنفسه تخليه عن أي برامج لإنتاج الأسلحة «الكيماوية والبيولوجية والنووية»، ثم فكّك معامله في هذا المجال، وشحنها مع ما يلزم من الأجهزة المطلوبة، إلى الولايات المتحدة، ليتفقدها الرئيس بوش الابن مزهواً، ثم تُعرَض على الإعلام، الذي أعطاها مساحات كبيرة، ما أحرج كرامة العقيد، فاتصل الليبيون مجدداً بالدكتور محمد البرادعي، رئيس «الهيئة الدولية للطاقة»، الذي كان على وشك اللقاء ببوش، وطلبوا منه المساعدة في الموضوع. وفعلاً، طرح البرادعي الأمر أمام الرئيس، وشرح له أنه ما من فائدة في إحراج القذافي بصورة من «خان أمته»، بالتركيز الإعلامي على تسليمه لبرنامجه. واقتنع بوش الابن بكلام البرادعي، وجرى بقية الأمر في جو أكثر هدوءاً.
كان العقيد في ذلك الوقت قد أعطى بعض إشارات بترك مساحة لابنه سيف الإسلام، يتحرك فيها في الداخل، ثم منحه سبق البدء بالاتصال سراً بالغرب، بهدف حل معضلة «لوكربي» ودياً، مانحاً إياه ورقة قوية توفر له دخولاً كبيراً إلى المسرح، وهو ما حدث.
في تلك المرحلة من صراعه مع أميركا، سيعود العقيد إلى التاريخ مجدداً، ويتقمص شخصية «يوسف باشا القره مانللي»، في حالتي القوة والضعف، ولكن بترتيب ونتيجة مختلفَين.
بدأ معركته قوياً متحمساً، وأحياناً بذيئاً، لسنوات طويلة بدأت منذ الثلث الأول من السبعينات، وامتدت حتى منتصف الثمانينات، وهي مرحلة رواج كبير للعداء لأميركا، ما جعل المنافسة حادة بين القوميين لإبراز أفضل الطرق لمقاومة ذلك العدو المكين. ومن بين كثير من القادة الذين يتقدمون لهذا الشرف، كان للعقيد مكان متقدم في هذا الشأن. لقد كان واثقاً من الانتصار، حتى إنه في إحدى خطبه أمام الجماهير، طلب منها، متهكماً، البحث عما إذا كان هناك «أميركا أخرى» لم نعرفها بعد، مبشراً الحضور بأننا «بلعنا» أميركا الحالية وانتهى أمرها تماماً، وإن المطلوب الآن «تمشيط» العالم، والتأكد من أنه ما من أميركا أخرى فيه.
استمرت هذه الفترة إلى نهاية الثمانينات تقريباً، ثم بدأ الانتقال تدريجياً إلى المرحلة التي بدأ منها يوسف باشا من قبل، في النسخة الحقيقية من التاريخ، وأخذ يدبج الرسائل ويعطي التصريحات التي تبدو في مضمونها ونغمتها مستعارة مما قاله الباشا من قبل، عندما كان يرسل إلى الرئيس الأميركي، في البداية، طالباً معاملته مثل جيرانه من حكام تونس والجزائر والمغرب، وأن يحفظ كرامته، وكذا، بدأ العقيد في نغمة جديدة مشحونة بالشكوى من الظلم الذي لحق به، مستغرباً، كيف أن أميركا غفرت لمن تسمّيهم إرهابيين مثل مانديلا وعرفات، وفرشت لهم البساط الأحمر، بينما تعامله هو معاملة الإرهابيين الخارجين عن القانون. وواقعياً، كان ذلك يعني أنه انتهى في المكان الذي بدأ منه سلفه الباشا في الأصل. فقد كان يوسف باشا يتحدث عن الضرائب المستحقة لمرور السفن من بحره في زمن حاضر، بينما يطلب القذافي الأمان والصفح عن زمن مضى. وهكذا حصل، بعد جهد مُنهِك، على جوائز أقل من الباشا في نهاية الأمر. فالباشا استرد حقه في مال الضرائب مع نهاية حرب السنوات الأربع، ما أكسبه صيتاً كبيراً في المنطقة، وهو مكسب لم ينله العقيد، الذي أصاب ذلك الصراع الطويل هيبته بخسائر كبيرة، أجبرته على طلب الغفران.
وعندما تم قبوله أخيراً في العائلة الدولية، بعد ذاك الرجاء الطويل، توسع العقيد أكثر في نشر نظريته الجديدة حول دِين الغرب في التجمعات الغربية، كلما أمكنه ذلك، وكسب أنصاراً جُدداً في مواقع مختلفة، خصوصاً من السياسيين السابقين الذين اتجهوا للعمل كواجهة للشركات والبنوك الكبرى، بينما بقيَ الإعلام ومراكز البحث على حذر.
وكانت أميركا الرسمية تلوِّح بالعصا كلما رأت أن الأمر يتطلب ذلك. ففي مارس (آذار) 2004، زار الجماهيرية وفد يرأسه جوزيف بايدن، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، نائب أوباما، ثم رئيس الولايات المتحدة فيما بعد. وبعد لقائه القذافي قرب سرت، ألقى بايدن في اليوم التالي كلمة أمام مؤتمر الشعب العام المنعقد في مقره بالمدينة، والذي صار مقراً رسمياً منذ بعض الوقت، قال فيها إن الشعب الليبي لديه الإمكانات والفُرَص، لكنه يعاني من مشكلة كبيرة هي «آيديولوجيا مُضلِّلة» تتحكم به. وبالطبع، تم قطع البث التلفزيوني المباشر للكلمة فوراً عند هذا الحد، وسعى العشرات من الدبلوماسيين والساسة في الأروقة كثيراً لتخفيف حدة تلك الكلمات التي قيلت في قلب العرين، بعد عشر سنوات من تسليم القذافي أسلحته وما ظنه غفراناً. لكن بايدن لم يَبْدُ عليه الاهتمام، وظل مُصراً على رأيه في العقيد، الذي وصفه بعد عودته إلى واشنطن بأنه «ليست فيه عظْمة واحدة تؤمن بالديمقراطية».
وتعددت الوفود الغربية الباحثة عن فرص للاستثمار، وذهب أغلبها بهدف المال والسياسة، ولكن كان هناك آخرون يجمعون نوعاً مختلفاً من المعلومات.
فبعد زيارة جوزيف بايدن بسنتين، جاء وفد من المعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، الذي كان تلك الفترة تحت رئاسة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة، يضم أربعة متخصصين في المنطقة، ومراقبين لسير التغيير في ليبيا. وقضى الوفد تسعة أيام يتجول في البلاد، وخرج منها بتقرير، يصف أوضاعاً كئيبة بعد سبعة وثلاثين عاماً من وصول القائد إلى السلطة.
ويلفت التقرير في ديباجته النظر إلى أنه أثناء تكوينه صورة عن الوضع، تحدث مع أشخاص مختلفين، وكانوا يقدمون معلومات متناقضة، والأسئلة المحددة المباشرة التي كانت تُطرح عليهم، كانت تقابَل بإجابات غامضة وردود تحمل «عدم اليقين». وفي إشارة سريعة، تضيف ديباجة التقرير أن ذلك «يجري حتى على أعلى مستويات الحكومة».
ثم يصف التقرير أن نظام سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية «بالغ التعقيد دون داعٍ»، وأنه عملية تؤدي إلى «إعطاء سلطة لمجموعة صغيرة من النخب، التي تتلاعب بقرارات المؤتمرات الشعبية، بحجة تطويعها واستخلاص القرار المتفق عليه». وتصف النظام الليبي بأنه «صيغ بصلابة لا تسمح بالتأثير فيه، أو التلاعب به على كل مستويات الحكومة».
وبعد أن يصف التقرير اللجان الثورية بأنها «الطرف الثالث غير الواضح في هيكلية السلطة، ولكنها هي من تحسم القرارات»، يشير بنباهة إلى وسيلة التحكم المهمة التي في يد النظام، إذ إن التصويت العلني على القرارات غير مأمون، و«يكون المصوتون عُرضة للتخويف والإرهاب بسهولة، من وجود قوات الأمن واللجان الثورية وغيرهم، ما يدعم وجهات نظر النظام»، وإن المؤتمر الشعبي الأساسي هو «عبارة عن ختم مطاط يستخدم للتصديق والاعتماد لكل سياسات القذافي ودائرته الداخلية من المستشارين».
ثم يذهب التقرير مباشرة إلى المكان الذي تصب فيه كل الأودية بالقول: «من الواضح جداً أن السلطة التنفيذية هي واقعياً في يد العقيد القذافي... الذي خلق نظاماً يحمل آلية لاتخاذ القرار في غاية العتمة وعدم الوضوح».
ويمضي التقرير في شرح بقية الصورة لواقع الحال، فيما بعد منتصف العقد الثالث من حكم العقيد، حيث «لا توجد في ليبيا منظمات مجتمع مستقلة»، وهناك عقوبات قانونية على حرية التعبير والتجمع، حتى إن تحركات واتصالات الوفد نفسه «كانت تحت الرقابة اللصيقة طوال المهمة». ويعطي فكرة عن تفكك الإدارة وحيرة المسؤولين و«الشللية والتشقق الحادث الآن في النظام».
بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً «وفود» من نوع آخر تفضّل العمل في السر، تجمع نوعاً أخطرَ من المعلومات لحساب وكالاتها. وكان عندها من المعرفة أكثر مما عند الباحثين والاقتصاديين. وفي إحدى المرات، اكتشفت المخابرات الليبية، عام 2009، شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، تُدار من تونس منذ عشر سنوات، وشمل التقرير الذي أرسله عنصر مخابرات ليبي في تونس، مكان محطات التنصُّت وتاريخ إنشائها، والأهم أسماء المُتنصَّت عليهم طوال تلك السنوات. وقد شملت القائمة الجميع، من رئيس المخابرات لعقد ونصف العقد، موسى كوسى، إلى عديل القذافي والرجل الثاني عملياً في البلاد عبد الله السنوسي، ومدير مكتب معلومات القذافي بشير صالح، وأيضاً مسؤول المكتب الخاص للعقيد أحمد رمضان. ولم توفر المراقبة أيضاً بعضاً من أولاده.
وهكذا، كان كل من يمكن أن يتحدث معهم العقيد تحت المراقبة، التي شملت الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني والاتصالات اللاسلكية التي تدور بين «وحدات الشعب المسلح»، كما أكد التقرير. وبهذا، كان تقريباً كل ما يُقال أو يُكتب داخل دائرة العقيد يصل إلى دوائر الغرب من فم مصدره مباشرة، وفي التو، ما يفسر لنا كيف كانت تسير الأمور، وكيف وصل العقيد إلى مستوى بث الشكوى في العلن. فقد كان كل شيء عنه معلوماً.
وفود كثيرة جاءت وذهبت، وظل العقيد في مركز الدائرة الذي يرسم النهج الجديد بحذر، دون بنية تحتية صالحة، ولا كوادر مؤهلة، إلا فيما ندر، للاستخدام في العالم الخارجي. وظل العقيد في سعي محموم في البحث عن «شرعية دولية»، يتوّج بها حياته كمرجع عالمي. وفي فترة ما، أصبح قريباً فعلاً من ذلك الاستحقاق، فقد كان على وشك أن يظفر بفرصة العمر.
فبعد حل مشكلة «لوكربي» بسنتين، استطاع العقيد الخروج بتوقيع الإعلان المبدئي للاتحاد الأفريقي، الذي اختار له العقيد تاريخاً مُنسَّقاً كما يحب هو 9 - 9 - 1999. وكان العقيد قد اتجه إلى العمل في أفريقيا مجدداً في التسعينات، بعد انغلاق الأفق بخضوعه للحصار، إضافة إلى الحذر الكبير الذي ساد في السوق القومية بعد هزيمة صدام في الكويت. واتسم ذلك العقد باشتعال الحروب الأهلية في تلك القارة المترامية، إذ أسهم العقيد بجهده في أوغندا وسيراليون وليبيريا وأفريقيا الوسطى، وأينما استطاع، بالمال والجنود والدعم السياسي، في تعميق ذلك الجرح، حتى استطاع أخيراً أن يفرض نفسه، ويُخضِع كثيرين لتقبله.
وبالكاد استطاع قادة أفريقيا إبعاده عن رئاسة ذلك الاتحاد عشر سنوات، قبل أن يفوز بها أخيراً في الوقت الذي يريده تماماً. إذ ما إن تسلّم الرئاسة الأفريقية عام 2010، حتى تسلم أيضاً الرئاسة العربية في قمة سرت بعدها بأسابيع. وكان بين هاتين الرئاستين، قد وصل أخيراً إلى نيويورك للمرة الأولى والأخيرة في حياته، حيث سيأخذه الاحتفال باللحظة، ويثير بتحركاته كثيراً من الجلبة الطفولية في ذلك الوسط الرصين. وتوج ذلك الأداء بخطبته من على منبر العالم، التي كانت عرضاً لمونولوغ ركيك الصياغة والأداء. وكانت لحظة تراجيدية تُبَث مباشرة من أشهر مسارح العصر، خرق فيها «القائد» كل البروتوكولات والقوانين، واستمر أكثر من ساعتين يخلط موضوعاً بموضوع، مقدماً أسوأ عروضه عبر تاريخه الطويل على الإطلاق، مرتكباً ذلك في المكان الذي قدّم كل ما يلزم للصعود على منبره لقول كلمته.
كان هناك بالطبع كثير ممن سيدبّجون الإشادات بتلك الكلمة، خصوصاً في الداخل، لتبيان تاريخيتها وما منحته للعالم من حكمة وحلول. لكن هذه الكلمة، في الواقع الدولي، كانت وبالاً تاماً عليه، أظهرت خفته وميله للاستعراض، وطرح أفكاره الساذجة عن السياسة ومسؤولية الحكم، وزرع انطباعاً عاماً بين الحاضرين بأن أَخْذَ كلامه بشكل جِدّي أمر غير حكيم، وزال الحرج عن آخرين كان يمكن أن يساعدوه، بعد أن تأكدت الصورة الرائجة عن خطورة الثقة به.
رحلة نيويورك كانت إقفالاً للدائرة. وعندما وصل ذلك الفتى البدوي أخيراً إلى تفاحة العالم وقلبه المالي، ليخاطب العالم ويلقي بشارته، أفسد الفرصة الثمينة.
أما الغرب، فقد جلس ينتظر، بعد أن نفض يديه من إعادة التأهيل، حتى جاءت الفرصة وحان الوقت. عندئذ، أنكر علناً أي علاقة به، نازعاً عنه الغطاء أولاً، ثم ليتدخل مباشرة لحسم أمر إزالته.

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر
(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.