(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل «حكم العقيد»

القذافي (وسط) مع الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد خلال توقيع اتفاق إقامة اتحاد الجمهوريات العربية في بنغازي عام 1971 (غيتي)
القذافي (وسط) مع الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد خلال توقيع اتفاق إقامة اتحاد الجمهوريات العربية في بنغازي عام 1971 (غيتي)
TT

(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة

القذافي (وسط) مع الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد خلال توقيع اتفاق إقامة اتحاد الجمهوريات العربية في بنغازي عام 1971 (غيتي)
القذافي (وسط) مع الرئيس المصري أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد خلال توقيع اتفاق إقامة اتحاد الجمهوريات العربية في بنغازي عام 1971 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثالثة من كتاب {دولة الخيمة} الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي.
تتناول حلقة اليوم الفترة التي تلت «ثورة الفاتح» وكيف تمكن القذافي من تصدر المشهد على حساب رفاقه من الضباط الأحرار الذين شاركوا في إطاحة حكم الملك إدريس السنوسي، وكيف بدأ حملة إخراج القواعد البريطانية والأميركية في ليبيا ثم طرد أبناء الجالية الإيطالية منها.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب.

ما إن تكوَّن مجلس قيادة الثورة واعتمد رتبه الجديدة التي اقترحها عبد الناصر، وبدأ العمل، حتى برزت مشكلة عملية جوهرية. فقد كان مجلس قيادة الثورة لا يملك خططاً تتعدى يوم الانقلاب، وليس لديه مشروع لتنفيذه بعد ذلك اليوم. لقد قاموا بثورتهم أساساً لهدف خارجي، وهو دعم المجهود الحربي القومي الذي يقوده عبد الناصر، والمساهمة في المعركة المنتظَرة التي ستسترجع الأراضي المحتلة، وعدا شعارات عامة تخص الفساد والقمع، فإن المشروع الداخلي الليبي لم يكن وارداً من البداية، ولم تكن هناك خطط لليوم التالي، لفترة ما بعد نجاح الثورة. ولم يُخفِ الضباط الشباب ذلك، ولم يطالبهم به أحد، أو على الأقل لم ينتبه لعدم وجود المشروع الداخلي كثير من الناس.
كانت تلك الأشهر الحماسية، التي بدأت بإعلان الثورة صباح أول سبتمبر (أيلول) 1969، فترة رومانسية، تخلط بشكل كامل بين المحلي والعربي، بحيث كان عبد الناصر وأفكاره شأناً محلياً في كل بلد (...)، وما إن مرت أسابيع على ما حدث، حتى كان فتحي الديب، مبعوث عبد الناصر الخاص إلى ليبيا، ورجاله، وما هو موجود من كوادر ليبية، قادرين على تسيير دولة الثورة والقيام بالمطلوب من الخدمات.
ولم تكن هناك عملياً حاجة حقيقية لوجود مجلس الضباط الثوريين في ظل انعدام وجود عمل حقيقي لهم بعد عودة الهدوء إلى البلاد. لكنهم كانوا يقضون وقتهم، على أي حال، في اجتماعات ماراثونية مفتوحة، يتنازعون فيها فرص الكلام والوزارات، والحرص على البروز بمساواة مع الآخرين.
لم يكن بينهم خلاف سياسي في الرؤى أو الأفكار، لانتفاء وجود المشروع بالأساس. صحيح أن القذافي هو الزعيم، بمسافة واضحة عن الباقين، لكنهم كانوا بشكل ما متساوين في الحضور، لأنهم كانوا في أغلبهم من بيئة متشابهة، ونتاج مجتمع غير منمطٍ بعد، والأهم أنهم متساوون في حبهم لعبد الناصر «الأب»، وهو تقريباً كان المقياس للتميُّز والحضور، على طريقة ناموس ثقافة المجتمعات الأبوية.
أنتج هذا السياق من الأوامر المتتالية والنزاعات الشخصية، نوعاً من الفوضى والمنافسة غير المريحة.
لقد كانت فترة حماس هستيري، شهدت فيها اجتماعات مجلس ضباط الثورة، المنعقدة غالباً في مقر الإذاعة، التدافع والاعتراضات. ورغم أن الأجواء العامة كانت رفاقية، وفيها ما يكفي من مودة العشرة والشراكة، فإن الأمور كانت تفلت أحياناً وتخرج عن المألوف. ففي أحد تلك الاجتماعات، وصل التزاحم إلى حد أن سحب العقيد القذافي رشاشه، وهدد مباشرة زملاءه الحاضرين. وكان اعتمادهم على فتحي الديب كبيراً بشكل لا يمكن تجاوزه.
وأسهم رجل ناصر مع فريقه، كما مر بنا، بفاعلية في كل شيء تقريباً، من الحفاظ على تدفق السلع التموينية، إلى إيجاد مناصرين جدد للثورة من التيار المدني والتنسيق معهم في مهام، وأيضاً المساعدة في إعادة بناء الجيش وإنشاء جهاز المخابرات، ثم قام بـ«التشريع» لعملية تأمين الثورة، واقترح قوانين لا يُسمح بتجاوزها، وسياقات لعمل الأشياء استمرت إلى آخر يوم.
كانت «براءتهم» مسرحاً عريضاً يتحرك عليه ذلك الرجل الذكي، الذي حاز مرتبة كبيرة عند الضباط الشباب، يصفها هو نفسه في رسالة إلى زعيمه، بالقول إن أعضاء مجلس الثورة يثقون به إلى درجة أنهم يستشيرونه في كل خطوة قبل تنفيذها.
وكان أداء العقيد معمر القذافي أيضاً يتطور بسرعة في الوقت ذاته. فبينما هز حدث الثورة كل رفاقه الضباط الشباب وأظهر خفَّتهم وحماسهم العاطفي ومطالبهم المتواضعة، بقي هو على المسار نفسه: شابٌ في السابعة والعشرين، نحيف وهادئ، يجيد الاستماع، ويحرص على البقاء بعيداً عن الإعلام، قدر الإمكان، التقطته عين الرجل المصري سريعاً وقدّرت له مكانته، فوصفه في تقريره الذي كتبه بعد أقل من يومين من وصوله، وأرسله إلى زعيمه في القاهرة، بأنه: متزن وصلب ومتدين، لديه بعض الغموض، ويتمتع باحترام زملائه، ومدرك لما يدور في العالم، ويميل للابتعاد عن الأضواء.
لقد أدار العقيد عملية خروجه إلى العلن بموهبة فطرية كامنة تجاه الإعلام، سيعرفه العالم بها فيما بعد. فبينما كان الجميع يريد أن يعرف مَن وراء هذا كله، كان هو يبدو متمهلاً في تعريف العالم إليه، مغذياً بشكل غريزي شهوة الفضول عند الصحافة التي نشطت حوله. وهكذا، اكتسب حضوراً شعبياً جارفاً بأقل تكلفة ممكنة. وعندما كانت تتسرب صورة أو لقطات له إلى العامة، كان الناس يشعرون بالسعادة والفرح، لأن الله وهبهم زعيماً شاباً من بينهم يحب عبد الناصر، ويأكل «البازين» (طبق ليبي تقليدي) بيديه وهو يفترش الأرض.
وكان الديب محقاً. فصورة معمر القذافي بدت مختلفة عن صورة زملائه، التي كانت تتراجع، لأنهم كانوا يتحركون في كل اتجاه، مشتتين قدراتهم بسبب حماس اللحظة الشديد.
وأياً كانت الأسباب، فقد خرج العقيد منتصراً، بعد أن عمّده منشئ القومية العربية أمام شعبه في القيادة، أثناء خطبته في ملعب المدينة الرياضية المكتظ، في يوم من أيام الأمة الخالدة.
كانت يد عبد الناصر ما زالت تملك تلك اللمسة السحرية لمنح الشرعية، لمسة أحياها سيل من التعاطف الكاسح معه بعد الهزيمة، وكان ناصر، الذي ضاقت مساحة تحركه، قد أصبح ماهراً في استخدام ذلك المقدار المحسوب من البرَكة الذي تبقّى له.
وسرعان ما بدأت عملية تأمين الثورة وقائدها تظهر للعلن. فبعد إعلان غامض عن محاولتين أو ثلاث للانقلاب على الثورة تمت الإطاحة في أبرزها باسمين كبيرين من الشركاء، هما وزيرا الدفاع آدم الحوّاز، والداخلية موسى أحمد، اللذان كانا من خارج المجلس، لكنهما قدّما خدمات مهمة أسهمت في حسم الأمر لصالحه. فقد قام موسى أحمد بالسيطرة على قاعدة «قرنادة» العسكرية الكبيرة في الشرق الليبي، التي تعدّ مقر قيادة القوات المتحركة، التي تعدّ اليد الأخرى مع الجيش للنظام، وبذلك جعل من أمر الانقلاب ممكناً بالفعل. أما آدم الحوّاز فقد كان آمر معسكر «قاريونس» الذي كان يخدم فيه القذافي بصفته ضابطاً في الجيش، وكان ليلة الثورة في حمايته.
لكن هذين الضابطين، موسى أحمد وآدم الحوّاز، كانا من الفئة التي اتفق عبد الناصر مع البعثيين على النصح بعدم منحها الثقة، لأنهما من رتب عسكرية أعلى من رتب ضباط المجلس الشباب، وبالتالي لن يكفّوا أبداً عن تذكير أنفسهم بأنهم الأوْلى بالقيادة والحكم. وحدث ذلك في ديسمبر (كانون الأول)، بعد ثلاثة أشهر تقريباً من قيام الثورة، وهو الوقت نفسه الذي استغرقه أمر البدء بمعالجة مسألة الصحافة التي تعرضت لمحاكمات علنية من الثورة، ووُضِع مؤسسوها وأبرز صحافييها خلف القضبان، وجُرجروا إلى المحاكم، حيث وُجِّه إليهم خليط من التهم، تخص التلاعب بالرأي العام لصالح الملك، وتم إغلاق الصحف المستقلة وإنشاء أخرى جديدة بإمكانات كبيرة تتبع الثورة، كما حدث في الجارة الكبيرة، مصر، من قبل. وكما حدث في الجيش والصحافة، حدث في قطاعات أخرى، وإن بضجة أقل، عبر حملات أمنية سريعة وحازمة ضد كل من يُعتَقَد أنه يشكل احتمالاً للخطر.
الإزعاج الحقيقي الوحيد الذي ظل أمام العقيد وزعامته الكاملة، بعد أن انقضى ربع العام الأول على ثورته، لم يكن آتياً من الخارج، بل من داخل حلقته الخاصة التي يعمل ويتحرك فيها، ومن ضغوط زملائه وفوضويتهم وطريقتهم في التصرف، كأنهم أصحاب في «زردة» (نزهة) ليبية، تعلو فيها الأصوات لشباب متحمس ليس عليه أن يفكر في العواقب وفي الأخطار. كان شعور الندية العفوي سائداً بين الكل، وكانت النقاشات تبدأ ولا تنتهي، والآراء تستمر في الدوران في غرفة الاجتماع دون أن تستقر. كان هناك حماس وغضب كامن وضعف شديد في الخبرات. وإذا مزج هذا الخليط مع انتفاء وجود مشروع للحكم من الأساس، يصبح وقوع الأمر كله تحت باب الارتجال والتغيير المستمر للخطوات أمراً محتوماً. ولم يكن إبقاء هذه الخلافات طي الكتمان أمراً ممكناً على الدوام. فقد كانت هناك لحظات يفلت فيها العقال وتخرج للعلن، كما حدث في واقعة الرشّاش، أو في تلك المرة التي تعارك فيها أعضاء المجلس في حضور عبد الناصر نفسه، الذي أغضبه الموقف الطفولي الذي وجد نفسه فيه، فغادر الجلسة ليتبعه «الأبناء» إلى مقره يعتذرون له ويطلبون منه السماح.
والحال، أنه بعد فترة قصيرة من قيام الثورة، شعر العقيد بأن مجلس قيادة الثورة لم يعد يستطع متابعة التغيرات، وأن زملاءه لا يحملون رؤية ثورية ناضجة، وإمكاناتهم الإدارية البسيطة لا تسعفهم في إكمال المهمات الموكلة إليهم، وأنهم بدل أن ينهمكوا مثله في العمل، يقضون أوقاتهم في الاعتراض على ما يطرح من أفكار والصراع على النفوذ. وبعد أن توفي عبد الناصر وانفتحت آفاق جديدة للحركة أمامه، ازداد هذا الشعور، وأصبح نوعاً من الهاجس الذي يدفع نحو البحث عن حل.
فقد كان العقيد القذافي يريد التخفف من حمولته ليستطيع مجاراة السباق القومي الذي افتتح شريطه بعد غياب الزعيم. وحتى يصل إلى ذلك الهدف، كان يدرك أن عليه اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتمتين الجبهة الداخلية وتهيئة البلاد للانطلاق، وهو أمر من الصعوبة أن يحدث في ضوء البطء الذي تعيشه الثورة الآن، بفعل قلة وعي وثقافة ضباط المجلس، وقلة خبرتهم في الإدارة والحياة، بينما كانوا هم يرون، أحياناً بالإجماع وأحياناً بموافقة بعض منهم، أنه صار ينفرد بالعمل والقرارات يوماً بعد يوم، وأنه يعاملهم بتعالٍ كناقصي وعي أو ولاء، وأن ضحالة ثقافتهم ليست بالضرورة إدانة لهم. وبين وجهتي النظر وتداعياتها العملية، ستنمو حالة من الاعتراض شبه الدائم، والخلافات بين ضباط المجلس بعضهم مع بعض أولاً، أو بين ضباط المجلس والعقيد غالباً، وستتطور هذه العلاقة حتى تصل إلى مكان آخر مختلف تماماً كما سنرى.
ورغم تأخر حسم موضوع المجلس، فإنه، في واقع الأمر، لم يعد له الكلام الفصل منذ الأشهر الأولى بعد الثورة، خصوصاً بعد أن قام العقيد القذافي بنقلتين كبيرتين خلال أشهر فقط من قيام ثورته، أفردت له ما يحتاجه من فرادة إعلامية وحضور بين الناس، كانت النقلة الأولى هي إخراج القواعد البريطانية والأميركية الموجودة في ليبيا، في يونيو (حزيران) 1970، والثانية هي إخراج الجالية الإيطالية من ليبيا بعد ذلك بثلاثة شهور. ورغم أن الخطوة الأولى كان متفقاً عليها بين حكومة الملك ودولتي القواعد منذ سنوات، إذ وافقت الدولتان على مطالبات الملك المستمرة استجابة لضغط الرأي العام في الستينات، لوضع نهاية لوجود تلك القواعد، وحددت التواريخ لتنفيذ ذلك من قبل، وتمت كتابة ذلك كعناوين عريضة في كل الصحف، فإنها جُيِّرت بالكامل لصالح العهد الجديد وقائده. كذلك كانت الخطوة الثانية التي قضت بإخراج «المستوطنين الإيطاليين» في أكتوبر (تشرين الأول) 1970، حيث صار يسوّق كل عام للاحتفال بتلك الذكرى وترويجها كإنجاز استردت به الثورة ما سلبه الاستيطان الإيطالي من حقوق، وتم تحويل مشكلة اجتماعية اقتصادية محلية، إلى معركة بين فُسطاطين، انتهت سريعاً، كما هو محسوب، بطرد «الجالية الإيطالية» التي صار كثير من أفرادها ليبيين حقيقيين منذ زمن، في عملية شعبوية سريعة، أدت إلى إخلاء ليبيا بالقوة، من شريحة ثقافية واجتماعية وعرقية كاملة، يصفها كاتب متابع لحركة المجتمع ومساهم في بعض مفاصلها، هو الدكتور محمد عبد المطلب الهوني، بأنها كانت «تدريباً على النهب أكثر منه استرداداً للحقوق»، بهدف «تدمير سلّم القِيَم، لاستبدال سلّم آخر بديل به»، وذلك بناءً على ما رصده من تحولات بعد هذا الحدث.
فقد فُتح الباب واسعاً أمام التجريف الثقافي والعرقي في البلاد، بتقديم المغريات، ولو إلى حين. وبعد مدة قليلة، ستُضاف شريحة ليبية أخرى كاملة للتجميد، عندما توجَّب على «الأمازيغ» الليبيين أن يتصرفوا الآن كعرب، بعد أن أثبت العقيد، شخصياً، في التلفزيون، انتماءهم العروبي الأصيل، بعد سرد تاريخي مُطوَّل، استعرض فيه سعة اطلاعه وقدرته على استنتاج القوانين التاريخية القادرة على تصحيح الخطأ. ومقابل هذا الشرف، منع عليهم التحدث أو الكتابة بلغتهم الأمازيغية الأم، تحت طائلة القانون، نحو أربعين سنة.
وسيصبح استخدام أسلوب التجريف المجرب هذا فناً ثورياً خاصاً، مضمون النجاح. ففي إحدى تلك المرات، حرّض العقيد علناً على أن يكون «البيت لساكنه»، وخلال أيام، تم الاستيلاء على ملكية أكثر من ثمانين ألف بيت تعود لمواطنين آخرين. لقد كانت طريقة مُجرَّبة وخاضعة لتدريب خفيّ.
وفي الواقع، فإن الثورة نفسها ما انفكت تفصح عن ذلك منذ اليوم الأول، وبوضوح مباشر وشديد، وكررت فكرة «القضاء على ثقافة العهد البائد» في كل ميعاد ووسيلة إعلام وصلت إليها. ولا يمكن القضاء على ثقافة ذلك العهد إلا بالقضاء على «ثقافات» أخرى داخله، تمثل بناءً اجتماعياً دقيقاً ومَرِناً في تنوعه، وقادراً على العمل. وما يقوله الهوني هنا، في تلك المحادثة الهاتفية الطويلة، إن كل ما تم هو أن الثورة نفذت شعارها في «القضاء» على سلّم قِيَم معتاد، ولكن من «بوابة ذكية» حسب توصيفه الخاص، وزعت من خلالها جوائز من تركة الغصن المطرود من الشجرة الليبية على الباقين، لمكافأتهم على الامتثال، وإذاقتهم حلاوة الطاعة في الوقت نفسه.
ومنذ ذلك الوقت، تعلم الناس أن هناك أشياء جيدة تنتج عن المشاركة في مثل هذه الأحداث، وقد تكون فرصة للانتقال من وضع اجتماعي واقتصادي إلى وضع آخر جديد، بمعنى أن «الثورة تمنح مكافآت لأولئك الجريئين» الذين يريدون الالتحاق بأنشطتها الجارية في المجتمع للقضاء على ثقافة العهد المُباد، وهي «نقلة» ذكية ولا شك في فن تحريك المجاميع داخل الشعب، ولكنها أيضاً دليل تفكير مُبكِّر مدروس. ومهما أخذت في اعتبار دعم الآخرين له، يبقى حيزاً من المتابعة والتنفيذ كأنه لشخص «مبرمج» على الحكم.
وهكذا، تم طرد «الجالية الإيطالية» التي صار كثير من أفرادها العشرين ألفاً ليبيين حقيقيين منذ زمن، مرتبطين بالمجتمع اقتصادياً واجتماعياً، وإضافة ثقافية للتنوع والاختلاف. وهكذا خسرت ليبيا، تحت شعارات وهمية تماماً، فرعاً مهماً من شجرتها، شمل حياة كاملة، لغةً وثقافةً وعادات، لتختفي من القاموس الاجتماعي الليبي، بداعي «جلاء الفاشيست»، وهو جلاء استُقبل بتأييد شعبي كبير، مع أن شرائح كثيرة من المجتمع الليبي تنحدر من بقايا حالات احتلال سابقة لهذه الأرض.
بهاتين الخطوتين، جلاء القواعد وجلاء الفاشيشت، كان العقيد قد فرغ، مرة وإلى الأبد، من إقناع الجميع بأنه الرجل الذي انتظروه، قائداً لمسيرة بدأت للتو، وها هي «ثمار» النقلتين تصب في واديه عبر مجرى إعلامي تم تجريبه وأثبت نجاعته.

 (1 -3) : القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء
 (2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر

 



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.