المستورد النقدي... العجالة في اجترار الأفكار

جري محموم على مستوى الأفراد والدوريات سعياً وراء الاشتهار

جورج لوكاتش - غوته
جورج لوكاتش - غوته
TT

المستورد النقدي... العجالة في اجترار الأفكار

جورج لوكاتش - غوته
جورج لوكاتش - غوته

كثيراً ما ينجر عدد من النقاد وراء الأفكار النقدية التي تطلقها مخابر وجمعيات بحث غربية حول ابتداعات ما زالت قيد الاختبار، ولم تُمحص كفاية فتثبت نجاعتها وقدرتها في الرد على الاعتراضات الموجهة إليها، كما لم يتوصل فيها بعد إلى قناعات واستدلالات تقطع بصحتها وجدوى أن تكون منهجاً أو نظرية.
بيد أن هوس الاحتفاء ومحمومية تحقيق السبق بالمستورد النقدي تقود إلى العجالة في اجترار تلك الأفكار، من دون التعمق بمناقشتها نظرياً، واختبار فرضياتها والوقوف على مقاصدها؛ بل بمحاكاتها عبر تطبيقها على أدبنا العربي القديم أو الحديث، بحثاً عن نص نجد لها فيه موطئ قدم، وإن كان هشاً. وليس مهماً بعد ذلك تقويل النص بما ليس فيه، أو سحب أطرافه عنوة أو قصها تعسفاً ليكون متوافقاً ومقاساته، ثم نصفق لأنفسنا زعماً أو توهماً بإتيان جديد أو اجتراح فريد.
ولا أدل على هذا الحال مما نلمسه في الآونة الأخيرة من جري عند بعضهم نحو تقمص تلك الأفكار والفرضيات، إن لم نقل نسبتها إليهم، مثل اصطناع تقليد في السرديات العربية يوصف بأنه ما بعدي، أو التجنيس الكيفي في السرد، أو ابتداع اصطلاح على الهوى، من دون مقدمات نظرية تؤدي إلى نتائج منطقية، أو الاهتداء إلى تسمية نقدية جديدة جراء تداخل التخصصات، مثل النقد البيئي والنقد المعرفي، أو محاولة اشتقاق تسميات تشعب السرد وتدخله في تفريعات لا تخدم العملية الإبداعية، بل تتناسى علمية السرد أصلاً، من قبيل الرواية الثقافية والراوي الافتراضي والسرد المستحيل. وبالطبع، ليس جرماً أو حراماً أن نحاول الاجتراح والابتكار والإضافة، إن توفرت الشروط والمقومات العلمية والعملية، ولكن الخطأ أن يكون ذلك هوس فارغ.
ولا فرق في أن يكون هذا الجري على مستوى الأفراد أو على مستوى الدوريات، ما دامت الغاية السبق بحثاً عن أضواء الاشتهار. ولو كانوا واثقين علمياً من قدراتهم النظرية، عارفين حقيقة نصوصنا الأدبية، وما يسعى إليه مبدعنا العربي من سبر للواقع بكل متغيراته وحيثياته، لكانوا ركزوا على حصيلة هذا السعي، وتعمقوا في أدبنا وعياً وهوية وتجربة، فأنتجوا نظرية نقدية أو نظريات تؤصل نقدنا، وتجعل تسمياتنا ممنهجة، وليس العكس؛ أعني مجرد تسميات يضعها هذا أو ذاك من النقاد بلا قاعدة نظرية لتكون بمثابة موضات أو تقليعات تعكس اللهاث المحموم بلا دراية حقيقية بمشاريع الآخر الناجزة والأخرى غير الناجزة.
ومن مشاريع النقد الغربي غير الناجزة ما يعكسه كتاب «المؤلف والراوي مساهمات عابرة للمنهجية في المجادلات السردية»، بتحرير الألمانية دورثي بيرك وتلمان كوبي، الصادر عن دار «والتر دي غرويتر» في برلين. وفيها، نشر الباحث فينسينز بيبر دراسة عنوانها «المؤلف والراوي ملاحظات على رواية الأنساب المختارة»، محاولاً إعادة النظر في قواعد الكتابة الروائية التي اعتيد فيها وجود «مؤلف» يكتب نصاً، و«راوٍ» هو ذات ثانية، و«قارئ» ضمني يفترضه هذا الراوي، و«قارئ» فعلي يستهدفه المؤلف مهمته إدراك جمالية النص الروائي.
وإذا كان المؤلف يفترض واقعاً نصياً يحاكي الواقع الموضوعي، فإن القارئ يفترض تطابقاً بين الواقعين النصي والموضوعي، وهو ما يجعله يرفض أو يقبل أطروحة الراوي، وفقاً لمقاصده وتوقعاته، معيداً صنع العالم، أو ما يسميه ولفغانغ آيزر البعد الفعلي للنص الذي يمنح النص واقعيته، ويجعل القارئ يستغرق في حوادثه الواقعية.
وما حاوله بيبر هو التساؤل: كيف يتوهم المرء شيئاً من دون أن يدرك أنه لا يراه؟ وأجاب بأن ذلك يكمن في عملية التفكير بالكيفية التي بها ندرك حضور المؤلف داخل نصه ونستبطن أفكاره، فنتوهم لا مألوفية سرده أو مألوفيته، وكأن النص كائن إنساني له عقل يعي نفسه. وهذه الكيفية التي بها نفكر بالمؤلف هو ما يقودنا إلى ما سماه بيبر «الراوي المتخيل» الذي يتم تمييزه عن المؤلف الحقيقي في الرواية، وذلك بصفته كياناً وسطاً بين المؤلف وقارئه.
وينطلق فينسينز بيبر من أنه في كل عمل سردي راوٍ يساهم في السرد، لكن بمعزل عن المؤلف وأغراضه، وبصورة تشوش أو تضلل القارئ، وتوهمه بوجود رواية خيالية داخل الرواية الأصلية، كما تشعره بأن هذا الراوي المتخيل واثق من قدراته في تمييز نفسه عن المؤلف، إلى درجة أنه يعرف خصوصياته، ويستطيع أن يعلق على لون شعره وفسيولوجيته.
وبحسب الباحث بيبر، تنطلق أهمية عمل الراوي المتخيل من أمرين: الأول أنه ليس هو المؤلف، والثاني أنه لا يتجاهل أغراضه (أي المؤلف). فيكون دوره متحققاً من خلال شرح ما لا يمكن للمؤلف تفسيره، أو التعليق على شيء لا يُسمح له بالتعليق عليه، أو تقديم تفسيرات منطقية، أو أن كفاءته غير فعالة في الإشارة إلى قابلية أو منطقية ما يرويه من أحداث، أو أنها غير مفهومة بسبب تباين الواقعين النصي والموضوعي، مما ينتج عنه تشوش وتعثر يتم إبلاغه ضمنياً إلى القارئ، فيشعر بغموض متعمد في الرواية.
ويساهم وجود الراوي المتخيل في إنشاء سرد غير كامل، فإذا كان السرد فعلاً ينجزه المؤلف كتابياً من خلال مؤلفٍ ثانٍ، هو ضمني أو ذات ثانية، فإن أمراً إشكالياً يظل قائماً حول، أولاً، ما وراء الرواية الذي فيه نقرأ عقل المؤلف الذي عنده وحده الحقيقة، فيما يتعلق بالظروف المحيطة والوقائع الموظفة داخل الرواية. وثانياً، ما العلاقة العضوية بين المؤلف والراوي المتخيل، حتى أن من الصعب التحقق من مقاصد المؤلف وآرائه من دون افتراض راوٍ يخترعه المؤلف يساعد القارئ ضمنياً على فهم المؤلف؟
إن ارتباط العمل الأدبي بمؤلفه يتطلب أسئلة بها يستعيد القارئ نوايا المؤلف كي يفهم روايته التي ما عادت سلسلة من العلامات المعزولة عنه، بل هي قصة الراوي المتخيل الذي هو نموذج مماثل للمؤلف الحقيقي، يُنزع عنه عند ولادته ثم ينفلت من سيطرته، فيدور حول العالم مجسداً عقله ونواياه بشكل فردي ودينامي.
ويشبه فينسينز بيبر التفاعل بين المؤلف والراوي المتخيل بما نصادفه في الملاحم من أشياء ألفنا أن ننعتها بأنها من نسج خيال الشاعر، أو شخصيات رئيسة تتباعد وسرعان ما تختفي ويزول ما لها من أثر، فيشغل مكانها شخص آخر. كذلك الحال في الرواية، فخيال المؤلف يخترع كتابياً راوياً متخيلاً يفعل ما يفعله من تنسيق للكلمات وتحديد للأفعال في سياق معين بشكل صحيح دقيق يمكن الاعتماد عليه، ومن ثم يتعين على القراء أن يفهموا ما يفعله الراوي المتخيل من أجل أن يفهموا المؤلف.
ولأن لا سبب يمنع المؤلف من سرد شخصيته كذلك، فلا مانع للراوي المتخيل من أن يسرد الأحداث جزئياً في شخصه، ومن ثم تصبح فكرة افتراض سرد ينجزه المؤلف بمعزل عن أغراضه هي فكرة مضللة، ولا يعود مهماً السؤال: «من يتكلم»؟ بل المهم: «ماذا يفعل كتابياً؟».
وبالطبع، هذا النقاش النظري الذي يطرحه بيبر لا جديد فيه لأنه اجترار للنظرية البنيوية في السرد، وما قدمته من طروحات حول الراوي بأنواعه وأشكاله، مع افتقارها لمنطقية تتطلبها علمية السرد التي صار مفروغاً منها إلى جانب فنيته.
أما إذا جئنا إلى العينة التي اعتمدها بيبر، لوجدنا أنها رواية نشرت عام 1809، هي «الأنساب المختارة» للكاتب الألماني غوته، وترجمها إلى العربية د. عبد الرحمن بدوي عام 1945، ولم تنشر إلا عام 1980. ووصفها بدوي بأنها قصة غرامية تجمع الوجدان المتوثب المشبوب بالحكمة الناصعة المتزنة والنزعة العلمية التي تجعلها في شكل الرواية الأطروحة أو القضية التي تبنى على فكرة القدر أو المصير الذي يجعل الشخصيات (إدوارد وشرلوت والكابتن واوتيلي) تتجاذب في المجال الاجتماعي بعاطفة عمياء كتجاذب الأنساب في العناصر الكيميائية، من دون تفسير لمنطقية انتخاب عنصر لعنصر.
ولأن غوته كتب العمل في وقت لم تكن الرواية فيه قد أصبحت جنساً مستقراً له قواعده، وما زالت محتفظة بكثير من ملامح الملاحم والأساطير وخصائصها، فهي وريثتها الشرعية، ولعل هذا من دواعي طرح لوكاش تسميتها ملحمة العصر، فلا حق للناقد في تتبع «سوء فهم» دور الراوي المتخيل أو انتقاد عمل غوته بصفته مؤلفاً حراً بريئاً، ترك شخصياته تسير بحسب أهوائها، من دون أن يكترث لأهمية التدخل في الخطابات، فلا نُشكك في عمله وتحليلاته لعاطفة الإنسان المتقلبة، وليبقي أعيننا -نحن القراء- على المعنى النصي للعمل، وعلى نوايا المؤلف وعقله، لا أن يكون الراوي بلا دراية (بحسب الباحث) وهو «يقدم رواية ناقصة مرة؛ يقدمها كقصة خيالية أو رسائل أو يوميات مرة أخرى، أو أقوال يضمنها حكماً أخلاقية، فيكون الاهتمام منصباً على التفكير في المقاصد والمصالح ليخبرنا بها، وينقل كل شيء لنا، جاعلاً شخصياته تتحدث وتتصرف كما تشاء من قبيل النزعة في جعل الأشخاص الأموات ينامون في قبورهم، أو وما يرد في يوميات أوتيلي من مقاطع تدور حول الحياة خارج القبر، أو محاولة شرح ما لا يمكن تفسيره، أو تقديم تفسير باهت لعدم إمكانية الوصول إلى حياة أوتيلي الداخلية في نهاية الرواية، أو الطريقة الأخلاقية التي يتم بها تفسير ما وراء الحياة».
وعموماً، تظل محاولة فينسينز بيبر في بحثه هذا دائرة في إطار موازاة المشروع الفرنسي السردي الذي يوصف بالكلاسيكي بمشروع ما بعد سردي ألماني - أميركي يوصف بأنه ما بعد كلاسيكي، تمثله مخابر عمل أكاديمية ومراكز دولية ينتمي إليها الباحثون المشتركون في تأليف كتاب «المؤلف والراوي مساهمات عابرة للمنهجية في المجادلات السردية»، مثل تلمان كوبي ودراسته للحجج الذرائعية في نظرية الراوي العموم، وفرانك زبفل ودراسته للسرد اللاسردي، ودورثي بيرك للسرد التأليفي، وريجن إيكردت للمتكلمين والرواة، وغيرها من أبحاث لم تثبت نجاعتها بعد. لذا، علينا أن نتريث قليلاً ونكترث لأمر هذه المستحدثات البحثية، بصفتها مفاهيم أو أجناساً أو نقوداً، ونخضعها للتمحيص والتدقيق، لا أن نقبل عليها كأنها قواعد أو نظريات مؤصلة علمياً وتطبيقياً.



سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.