عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

الصفقة وحدها لن تعالج مشكلات طهران مع المنطقة... وإدارة بايدن مطالبة بالتنسيق مع حلفائها

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد
TT

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران مدفوعة بتاريخ معقّد

يقول البعض إن تصميم إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن على «العودة إلى الدبلوماسية»، لحل الخلاف مع إيران، هو جزء من جهوده للعودة عن كثير من القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترمب. وقد يكون هذا جزءاً من «تقاليد» عودة الرؤساء الأميركيين عن القرارات التي يرونها إشكالية من أسلافهم، رغم أنها باتت تثير أسئلة عن صدقية التحالفات والاتفاقات التي توقع مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. والحال أنه قد لا يكون مفاجئاً سعي بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015، بموافقته عملياً حين كان نائباً لباراك أوباما.
في ذلك الوقت كان يُنظر إلى إصرار أوباما على توقيع الاتفاق، بأنه سيكون أحد أبرز إنجازات عهده. لكن ما الدافع لعودة بايدن إليه رغم انتقاداته الشخصية وانتقادات عدد من أعضاء إدارته للثغرات الموجودة فيه. ثم ما مبرر إصراره على التمسك به وهو لا يزال في بداية الشهر الثاني من عهده؟

كل المؤشرات تظهر أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن جادة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بتنسيق مكثف، على الأقل مع «شركائها» فيه، بريطانيا وفرنسا وألمانيا... وهذا، رغم «خيبة أملها» من رفض طهران الموافقة على عقد اجتماع «استكشافي» غير رسمي لمجموعة «5+1».
إلا أن التنسيق مع «الحلفاء» في منطقة الشرق الأوسط، على ما دأب وزير الخارجية أنتوني بلينكن في ترداده، لم تُعرَف بعد طبيعته، وما إذا كان قد بدأ بشكل موازٍ مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة... أو حتى إسرائيل.
تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي تتعارض نظرته بشكل كبير مع خطط بايدن بعد تلقيه الاتصال الأول منه، لا توحي بالتوافق، رغم التسريبات التي أشارت أخيراً إلى اتفاق البلدين على معاودة عقد اجتماعات «مجموعة العمل المشتركة» لمناقشة ملف إيران. كذلك تلقي تصريحات السيناتور الديمقراطي الصاعد كريس مورفي، المقرّب من بايدن وطهران، ظلالاً كثيفة ولافتة على «التنسيق» المسموح به مع السعودية ودولة الإمارات، خلال التوصل إلى اتفاق مع إيران؛ إذ يقول مورفي في مقال نشرته صحيفة «فورين أفيرز» حول الموضوع: «رغم أنه (لا ينبغي) للولايات المتحدة أن تمنح الإماراتيين أو السعوديين حق النقض (الفيتو) على اتفاقية نووية ثنائية مع إيران، فإن الحوار الإقليمي من شأنه أن يقرّب أكثر دول الخليج إلى الولايات المتحدة بشأن السياسة الإيرانية، ومن المرجح أن يقدّم (مجلس التعاون الخليجي) مساهمة أكبر في أي اتفاق مستقبلي»!
وعليه، تُطرح أسئلة عديدة عن سرّ هذه «الخصوصية» في العلاقات الأميركية - الإيرانية التي تستوطن دوائر صنع القرار في واشنطن؟

- علاقات تاريخية ومواقف آيديولوجية
يرى البعض أن للعلاقات الأميركية - الإيرانية جذوراً تاريخية أعمق من الخلافات الآنية. لا بل يتساءل آخرون مُشككون في أن تكون إدارة بايدن تعمل فعلاً على اتفاق نووي معزّز، يأخذ في الاعتبار مخاوف الدول العربية وإسرائيل. إذ يعتقد هؤلاء أن المواقف المتشددة ظاهرياً التي تصدر عن أركانها لا تتجاوز التصريحات الإعلامية. أيضاً، تطرح أسئلة أخرى عن الدور الذي يلعبه «أكثر من لوبي» إيراني، في التأثير على الإنتليجنسيا الأميركية، خصوصاً اليسارية منها، التي من «نجومها» روبرت مالي، الذي - وللمفارقة - عينه بايدن مسؤولاً مباشراً عن ملف إيران، وهو الذي لعب دوراً أساسياً في إدارة أوباما خلال مفاوضاتها لتوقيع الاتفاق النووي معها عام 2015. وحقاً، لا يخفى الدور المتزايد الذي لعبته ولا تزال تلك الشخصيات في «تكوين رأي» إدارات أميركية، ولا سيما الديمقراطية منها في العقدين الأخيرين، وتركيزها على «الخطر السنّي» من منطلقات آيديولوجية. وتضجّ أروقة واشنطن بالحديث عن الدور النشط الذي لعبه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في تشكيل بعض «اللوبيات»، التي تمكنت - على الأقل - من بناء علاقات ثابتة مع الإعلام الأميركي الليبرالي.
من هنا، فإن العودة إلى تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية، تغدو ضرورية لقراءة جذور تلك الخصوصية، بدءاً من العام 1953 مع اندفاع «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب. فقد أعاد انقلاب عسكري بمساعدة من وكالات الاستخبارات الأميركية والبريطانية النظام الإمبراطوري الصديق للغرب برئاسة الشاه محمد رضا بهلوي.
وعام 1957، وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية للتعاون بشأن الاستخدامات المدنية للطاقة الذرية كجزء من مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أطلقها الرئيس دوايت أيزنهاور، وبموجبها تتلقى الدول النامية التعليم والتكنولوجيا النووية من الولايات المتحدة. واعتبرت تلك الاتفاقية حجر الأساس للبرنامج النووي الإيراني، إذ زودت الولايات المتحدة فيما بعد إيران بمفاعل ووقود يورانيوم مخصّب يمكن استخدامه أيضاً في صنع الأسلحة.
ثم، عام 1972 سافر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى إيران ليطلب من الشاه المساعدة في حماية المصالح الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مواجهة العراق المتحالف مع السوفيات. وفي المقابل، وعد نيكسون بأنه يمكن لإيران شراء أي نظام أسلحة غير نووي. ومع اندلاع حرب عام 1973 العربية - الإسرائيلية وارتفاع أسعار النفط في ظل حظر فرضته الدول العربية على الولايات المتحدة، اشترى شاه إيران كمية كبيرة من الأسلحة العالية التقنية، الأمر الذي أثار قلق المسؤولين الأميركيين. بيد أن خلعه على يد «الثورة الإسلامية» التي قادها آية الله الخميني عام 1979، قلب المعادلة بين البلدين، بعد تحوّل إيران إلى دولة دينية، ما لبثت أن استخدمت آيديولوجيتها في مشروع تمدد سياسي إقليمي. وحينذاك، أعلن الخميني أن إيران ستحاول «تصدير» ثورتها إلى جيرانها، ليظهر بعدها في بداية الثمانينات «حزب الله» في لبنان، الذي تعهد الولاء للخميني.

- أزمة الرهائن وحرب العراق
أزمة الرهائن الأميركيين التي دامت 444 يوماً في نهاية عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، شكلت أولى إشارات التواصل بين إدارة جمهورية برئاسة رونالد ريغان مع إيران الخمينية، حين تم إطلاق سراحهم بموجب «اتفاقية الجزائر»، بعد دقائق من تنصيب ريغان، مقابل تعهده بالامتناع عن التدخل في السياسة الإيرانية.
حتى «الحرب العراقية - الإيرانية»، التي وقفت واشنطن فيها إلى جانب صدام حسين، اعتبرت توريطاً مزدوجاً للبلدين، بعدما تحوّل العراق إلى قوة إقليمية مقلقة. بيد أن الهجوم الانتحاري على قوات «المارينز» الأميركيين في بيروت ومقتل 241 من أفراد الجيش الأميركي، أدى إلى تصنيف إيران كـ«دولة راعية للإرهاب» في عام 1984. ولكن، مع هذا، رغم حظر الأسلحة عليها، بدأ كبار مسؤولي إدارة ريغان بيع الأسلحة سراً إلى إيران فيما أطلق عليه لاحقاً فضيحة «إيران كونترا»، لتأمين إطلاق سراح 7 أميركيين محتجزين كرهائن لدى «حزب الله» في لبنان، أطلق 5 منهم وقتل الحزب رهينتين اثنتين.
عام 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً من 35 دولة لطرد القوات العراقية من الكويت، بينما أعلنت إيران «حيادها» في الصراع. ولاحقاً، قال مسؤولون أميركيون إنهم يشتبهون في أن إيران تسعى لاحتلال مكانة العراق كقوة مهيمنة في المنطقة.

- استئناف الاتصالات
عام 1998، التقت وزيرة الخارجية الديمقراطية مادلين أولبرايت بنائب وزير الخارجية الإيراني في مباحثات «6+2» خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان هذا أعلى مستوى اتصال بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. وفي أبريل (نيسان) 2000، أقرت أولبرايت بدور واشنطن في الإطاحة بحكومة محمد مصدّق، كما وصفت السياسة السابقة تجاه إيران بأنها «قصر نظر مؤسف»، لترفع بعدها بعض العقوبات عنها.
وبعد «هجمات11 سبتمبر (أيلول) 2001» الإرهابية، فتحت إدارة الرئيس جورج بوش الابن «قناة خلفية» مع إيران لمواجهة طالبان «السنّية» في أفغانستان، ثم تعاونت معها بعد الغزو في توقيع «اتفاقية بون» لإعادة بناء الدولة وإعادة اللاجئين الأفغان. ومع أن بوش وصف في «خطاب حال الاتحاد» عام 2002 إيران بأنها جزء من «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، اعتبر كلامه تمهيداً ضرورياً لاجتياح العراق. وما لبثت إيران أن ردت بوقف الاجتماعات السرّية مع الدبلوماسيين الأميركيين التي تركّز على القبض على عملاء «القاعدة» ومحاربة «طالبان».

- مفصل «غزو العراق»
عندما غزت القوات الأميركية العراق عام 2003 بهدف إنهاء التهديد الذي تشكله ما وصفته واشنطن «برامج أسلحة الدمار الشامل»، اندفعت بعدها إيران في دعم ميليشيات شيعية محلية، شارك بعضها في هجمات على القوات الأميركية. وبالفعل، خلصت دراسة أجراها الجيش الأميركي عام 2019 حول غزو العراق، إلى أن «إيران الشجاعة والتوسّعية تبدو المنتصر الوحيد» في الصراع.
عام 2006 وجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرئيس بوش الابن رسالة من 18 صفحة، كانت أول رسالة من زعيم إيراني إلى نظيره الأميركي منذ عام 1979. وفيها سعى أحمدي نجاد إلى تخفيف التوترات النووية بين البلدين، من دون أن تتخذ إيران أي خطوات لإبطاء تخصيب اليورانيوم في برنامجها الذي تقول إنه للاستخدام المدني. وفي المقابل وبشكل منفصل، وافق الكونغرس الأميركي على «قانون دعم حرية إيران» في سبتمبر لتمويل «المجتمع المدني الإيراني وتعزيز الديمقراطية». غير أن هذا القانون لم يُترجَم على أرض الواقع بتاتاً.

- عهد أوباما
في سبتمبر 2013، اتصل الرئيس باراك أوباما بالرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني، لمناقشة برنامج إيران النووي، وكان الاتصال الأكثر مباشرة منذ عام 1979. وبعد شهرين، وقعّت إيران ومجموعة «5+1» (التي تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن مع ألمانيا) على الاتفاق النووي المبدئي، الذي خفف عن إيران بعض العقوبات. ويومذاك أشاد أوباما بالصفقة لقطعها «المسارات الأكثر احتمالاً للوصول إلى قنبلة»، بينما أشاد بها روحاني ووصفها بأنها «انتصار سياسي» لإيران.
وفي 2015 وقع «الاتفاق النووي» بشكل كامل مقابل رفع العقوبات، إذ وافقت إيران على تفكيك مفاعلها النووي في مدينة أراك وإعادة تصميمه، والسماح بآليات تحقق تدخلاً أكبر والحد من تخصيب اليورانيوم لمدة 15 سنة على الأقل. ويهدف الاتفاق إلى زيادة «وقت الاختراق» الإيراني لتطوير ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي من بضعة أسابيع إلى سنة واحدة على الأقل.

- معارضة ترمب... استثناء
غير أن معارضة العديد من المشرّعين الجمهوريين والديمقراطيين للاتفاق، بحجة أن رفع العقوبات سيعزّز موقف طهران ويسمح لها بزعزعة استقرار المنطقة ومواصلة برنامجها للصواريخ الباليستية، لم يترجم عملياً إلا في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.
ترمب كان حقاً «الاستثناء». إذ انسحب من الاتفاق النووي كلياً عام 2018، وأعاد سياسة «أقصى الضغوط» على السلطات الإيرانية. ثم، في عام 2019 صنّف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية لأول مرة، وقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» فيه بضربة جوية مطلع عام 2020.
في المقابل، الموقف المعلن لإدارة جو بايدن تمسكها بخطاب يشدد على «ضرورة عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي»، قبل رفع العقوبات عنها، في حين تشترط إيران من جهتها، رفع تلك العقوبات قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن المفارقات أنه حتى الهجمات الأخيرة التي وقعت في العراق، والرد الأميركي عليها بتنفيذ غارات على الحدود السورية - العراقية، رفض المتحدث باسم «البنتاغون» جون كيربي ربطها بأي أنشطة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. إذ قال: «هذا لا علاقة له بأي جهود دبلوماسية قد تحدث أو لا تحدث... يتعلق الأمر بمحاولة التأكد من أننا نحكم على ما جرى بطريقة صحيحة»!
لكن على أرض الواقع ثمة من يقول أيضاً إن سياسة ترمب لم تؤدّ إلى ثني إيران عن سياساتها، ثم إن انتظار انهيارها من الداخل عملية مديدة، ولنا في تجارب الأنظمة الديكتاتورية أمثلة عدة، من العراق إلى سوريا وليبيا وغيرها. لا بل إن خرقها لالتزاماتها في الاتفاق النووي، قرّبها من امتلاك السلاح النووي «خلال أشهر وليس أسابيع»، على حد قول وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن. وهذا مسار بدأ في ظل إدارة ترمب، الذي لم يضع تصوراً عملياً عن كيفية منع إيران من امتلاك السلاح النووي خارج نطاق فرض العقوبات، وهو ما كان سيستمر حتى ولو فاز في انتخابات 2020، في ظل خيار استراتيجي يقضي بألا تتورط الولايات المتحدة في أي حروب جديدة في المنطقة، والابتعاد عن رمالها المتحركة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.