إقرار «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا

ماكرون وعد بوضع حد لاستجلاب أئمة من الخارج خلال أربع سنوات

الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
TT

إقرار «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا

الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)

مرة جديدة، عاد موضوع الإسلام في فرنسا ليحتل واجهة الحدث السياسي، وذلك من خلال تطورين اثنين: الأول، توصل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى توافق بشأن «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا، التي طلبها الرئيس الفرنسي ومارست السلطات الفرنسية ممثلة برئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون ووزير الداخلية جيرالد دارمانان، ضغوطاً شديدة على المجلس للتغلب على صراعاته ونزاعاته الداخلية وتضارب الآراء والمصالح بين مكوناته. والآخر، انطلاق مناقشة مشروع قانون محاربة الانفصالية الإسلاموية، أمس، في البرلمان، وهو يثير تجاذبات ليس بين الأكثرية والمعارضة، بل داخل كل عائلة سياسية يميناً ويساراً. ومن المنتظر أن تتواصل مناقشة مشروع القانون طيلة الأسبوع الحالي قبل التصويت عليه في قراءة أولى يتم بعدها نقله إلى مجلس الشيوخ. منذ الخطاب الذي ألقاه في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في مدينة ليه مورو الواقعة شمال غربي باريس، طرح ماكرون رؤيته لـ«إسلام فرنسا»، وحدّد ما يريده للقضاء على ما سماه «الانفصالية الإسلاموية». ومما طلب من مسلمي فرنسا بلورة «ميثاق» أو «شرعة» يحددون فيه، عبر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي كُلف المهمة، علاقة الإسلام بالجمهورية وتبنيه قيمها، وعلى رأسها مبدأ العلمانية ورفض العنف والتدخل الخارجي في شؤون ثاني أكبر ديانة في البلاد؛ ما يمر عبر إنشاء «المجلس الوطني» للأئمة الذي ستكون من مهامه الموافقة على تعيين أئمة فرنسيين وتنشئتهم في فرنسا. ووعد ماكرون بوضع حد لاستجلاب أئمة من الخارج خلال أربع سنوات، علماً بأن هؤلاء يأتون من ثلاثة بلدان رئيسية، هي الجزائر، والمغرب، وتركيا.
وبعد طول مخاض، نجحت الأطراف الثمانية التي يتشكل منها المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في التوصل إلى اتفاق على نص «الشرعة» المؤلفة من ثماني صفحات، والتي تفتح الباب لإعادة تنظيم شؤون الإسلام والمسلمين في فرنسا التي تثار دورياً، وخصوصاً عند حصول عمليات إرهابية على الأراضي الفرنسية. وتجدر الإشارة إلى أن 251 شخصاً قُتلوا في أعمال إرهابية منذ بداية عام 2015، إضافة إلى مئات الجرحى. لكن التوصل إلى اتفاق احتاج إلى اجتماع دعا إليه دارمانان مساء السبت، وحضره رئيس المجلس محمد الموسوي ونائباه، أعلن الأول، على أثره، التوصل إلى اتفاق. ووافقت الأطراف الثمانية على النص أول من أمس؛ الأمر الذي دفع رئاسة الجمهورية إلى إصدار بيان ليلة الأحد - الإثنين يفيد بأن ماكرون سيلتقي ظهر أمس أعضاء المجلس. لكن المفارقة، أن ثلاث جمعيات من الثمانية التي وافقت على نص «الشرعة» وأقرّته رفضت توقيعه خطياً؛ الأمر الذي يشكل مفارقة يصعب فهمها. ومن بين الثلاث جمعيتان تركيتان، واحدة مرتبطة مباشرة بوزارة الأديان التركية، والأخرى «ميللي غوروس» تابعة لـ«الإخوان» المسلمين. وكانت النتيجة أن ممثلي الجمعيات الثلاث استُبعدوا من اجتماع الإليزيه. أوساط الرئاسة نقلت عن ماكرون قوله لأعضاء المجلس، إن شرعة المبادئ «تمثل التزاماً واضحاً وبيناً ودقيقاً لصالح (قيم) الجمهورية»، وإنها «نص مؤسس للعلاقة بين الدولة وإسلام فرنسا»، إضافة إلى كونها «مرحلة بالغة الأهمية لجهة؛ كونها ستتيح توضيح تنظيم الديانة المسلمة. كذلك، نُقل عن رئيس المجلس محمد موسوي تبرير لامتناع الجمعيات الثلاث عن التوقيع «لأنها في حاجة إلى مزيد من الوقت لشرح ما تم التوافق عليه لأعضائها». بيد أن مصادر متابعة وضع مجلس الديانة الإسلامية، ربطت بين رفض الجمعيتين التركيتين التوقيع على نص «الشرعة» وبين العلاقة المتوترة بين باريس وأنقرة رغم ما حصل من تجميد التراشق الإعلامي بين الطرفين في الأيام الأخيرة. أما الجمعية الثالثة، وهي «التبليغ» والتابعة للتيار السلفي، فإنه لم يصدر عن المسؤولين عنها أي تبرير لامتناعهم عن التوقيع الخطي الذي طلبه ماكرون شخصياً لتلافي التنصل لاحقاً من مضمون الوثيقة. وأهم ما جاء في كلمة موسوي في اجتماع الإليزيه، أن نص «الشرعة» «يؤكد بشكل واضح أن مبادئ الديانة الإسلامية تتوافق بشكل تام مع مبادئ الجمهورية». إضافة إلى ذلك، أفاد موسوي بأن ممثلي المجلس أكدوا للرئيس ماكرون، بحضور وزير الداخلية، عزمهم على إطلاق مجلس الأئمة في أسرع وقت لمباشرة عمله الحقيقي، أي الموافقة على تعيين الأئمة وتحديد أوضاعهم وأطر عملهم ومهماتهم وحماية الإمامة من الأشخاص الذين ينصبّون أنفسهم أئمة أو من الذين يفتقدون الأهلية. ويريد الإليزيه أن توقع مكونات المجلس كافة نص «الشرعة»، وأن يطلق مجلس الأئمة قبل نهاية الشهر الحالي. ومن أهم مضامين النص، إلى جانب التوافق بين الإسلام ومبادئ الجمهورية، وحق أي مواطن ولا سيما المسلم في أن يعيش حياته في إطار قوانين الجمهورية الضامنة لوحدة البلاد وتماسكها والتأكيد على المساواة أمام القانون بين الجنسين، ورفض تدخل الدول الأجنبية في شؤون الإسلام الذي من بين أشكاله التمويل ورفض توظيف الإسلام لأغراض سياسية. وتتمسك السلطات الفرنسية بقوة بالنقطة الأخيرة؛ لأنها تعتبر أن المخاطر على الجمهورية تتأتى من «الإسلام السياسي» الذي تعتبر أنه يحمل «مشروعاً انفصالياً» على صعيد القيم والممارسات وأشكال العيش المشترك. بالتوازي مع إقرار الشرعة، انطلقت في مجلس النواب أمس مناقشات مشروع قانون «تعزيز مبادئ الجمهورية» الذي كان يسمى سابقاً «محاربة الانفصالية الإسلاموية»، وقد تم التخلي عن التسمية الأولى لتلافي اعتباره استهدافاً للمسلمين وحدهم. ويتوقع المراقبون أن تكون المناقشات حامية، والدليل على ذلك أنه تم التقدم بـ1700 تعديل على النص المطروح، وذلك خلا نظر لجنة القوانين به قبل نقله إلى الجمعية العامة. وقالت مارين لوبان، رئيسة حزب «التجمع الوطني»، أي اليمين المتطرف، إنها ستقدم «مشروعاً مضاداً»؛ لأنها تعتبر أن مشروع الحكومة غير كافٍ، وهو رأي العديد من نواب اليمن الكلاسيكي ممثلاً بحزب «الجمهوريون». كذلك، ثمة انقسامات داخل صفوف الأكثرية بين جناح متشدد يريد المزيد من القيود على ما يعتبر إبرازاً لانتماء عرقي أو ديني، وجناح يتخوف من تبعات المشروع على «الانسجام» الوطني. ومن المواضيع الخلافية ارتداء النساء والفتيات الحجاب الذي أثار في السنوات السابقة جدلاً كبيراً ولا يزال يثيره.


مقالات ذات صلة

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الدكتور سالم بن محمد المالك (صورة من الموقع الرسمي للإيسيسكو)

«الإيسيسكو» تؤكد أن المخطوطات شاهدٌ حيٌّ على أصالة العالم الإسلامي

أكد المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، أن المخطوطات شاهدٌ حيٌّ على أصالة العالم الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أوروبا رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتس يتحدث خلال اجتماع ترشيح الحزب في أوسنابروك ودائرة ميتيلمس في ألاندو بالهاوس (د.ب.أ)

زعيم المعارضة الألمانية يؤيد تدريب أئمة المساجد في ألمانيا

أعرب زعيم المعارضة الألمانية فريدريش ميرتس عن اعتقاده بأن تدريب الأئمة في «الكليةالإسلامية بألمانيا» أمر معقول.

«الشرق الأوسط» (أوسنابروك (ألمانيا))

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.