«كإدمان المخدرات والقمار»... الهواتف الذكية تدفعنا لاتخاذ قرارات متهورة

سيدة تستخدم هافها الجوال للتصوير أثناء تجولها في موسكو (أ.ف.ب)
سيدة تستخدم هافها الجوال للتصوير أثناء تجولها في موسكو (أ.ف.ب)
TT

«كإدمان المخدرات والقمار»... الهواتف الذكية تدفعنا لاتخاذ قرارات متهورة

سيدة تستخدم هافها الجوال للتصوير أثناء تجولها في موسكو (أ.ف.ب)
سيدة تستخدم هافها الجوال للتصوير أثناء تجولها في موسكو (أ.ف.ب)

يؤدي التعلق بهاتفك الذكي إلى اتخاذ قرارات متهورة، وفقاً لشبكة «سي إن إن».
في الواقع، من المرجح أن يرفض الأشخاص الذين يقضون وقتاً أطول على هواتفهم المكافآت الأكبر والمتأخرة لصالح مكافآت فورية أصغر، وفقاً لدراسة نُشرت يوم الأربعاء في المجلة الأكاديمية «بلوس وان».
وأظهرت الأبحاث منذ فترة طويلة أن تفضيل المكافآت الفورية الأصغر، هو مؤشر لسلوكيات سلبية مختلفة، مثل إدمان المخدرات، والمقامرة المفرطة، وتعاطي الكحول. الآن، يكشف بحث جديد قامت به جامعة في برلين أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية مرتبط أيضاً بالاندفاع.
وقال الباحثان تيم شولز فان إندرت وبيتر موهر في بيان: «تقدم نتائجنا دليلاً إضافياً على أن استخدام الهاتف الذكي واتخاذ القرارات المتسرعة يسيران جنباً إلى جنب».
وكتب المؤلفون: «الأشخاص الذين يدركون بالفعل الاندفاع في اتخاذ القرار قد يستفيدون من معرفة مخاطرهم المتزايدة من الإفراط في استخدام الهواتف الذكية».
وقال المؤلف الرئيسي شولز فان إندرت لشبكة «سي إن إن» إن هناك عاملين على الأقل يرتبطان بالاختيار المندفع أو المتهور. أحدهما هو ضبط النفس لدى الشخص، أي القدرة على تحمل الإغراءات من أجل تحقيق أهداف محددة. والآخر هو القدرة على تخيل النتائج المحتملة لسلوكياته والعواقب المستقبلية.
وأوضح شولز فان إندرت، طالب الدكتوراه في جامعة فراي: «وجدنا أن المشاركين الذين يعانون من قدرة أقل في ضبط النفس يميلون إلى استخدام هواتفهم الذكية أكثر».
وتابع: «ومع ذلك، لا يبدو أن مستخدمي الهواتف الذكية الذين يقضون وقتاً طويلاً عليها يفتقرون إلى القدرة على تخيل العواقب السلبية المحتملة لسلوكهم».
* وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية
وجدت الدراسة أيضاً أن تفضيل المكافآت الصغيرة الفورية كان مرتبطاً بالاستخدام المكثف لنوعين من التطبيقات: الوسائط الاجتماعية والألعاب الإلكترونية.
وقال شولز فان إندرت: «كلا النوعين من التطبيقات يقدمان إشباعاً سريعاً في شكل إبداءات الإعجاب أو المحتوى الترفيهي في وسائل التواصل الاجتماعي والمكافآت في الألعاب... يبدو بديهياً أن الأفراد الذين ينجذبون إلى المكافآت الفورية سيقضون وقتاً أطول على هذه التطبيقات».
وأضاف أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث للتحقق من جاذبية التطبيقات المختلفة، ومعرفة سبب ارتباط وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب بتفضيل أقوى للمكافآت الفورية، لأن ذلك لم يكن ضمن نطاق دراستهم.
واستند البحث إلى بيانات من تطبيق «آيفون» المدمج الذي يتتبع استخدام الهاتف، مما يوفر المدة الدقيقة التي استخدم فيها 101 مشارك في الدراسة بنشاط كل تطبيق على هواتفهم. يُعتقد أن هذه الطريقة أكثر دقة من الاعتماد على المشاركين للإبلاغ الذاتي عن استخدامهم للهاتف، حيث يقول العلماء إن معظم الناس يقللون بشكل كبير من الوقت الذي يقضونه على هواتفهم الذكية.
* التأثيرات السلبية
قال شولز فان إندرت إن النتائج التي تظهر الروابط بين الاندفاع واستخدام الهاتف الذكي لم تكن مفاجئة للغاية، لأنها تتوافق مع الأبحاث السابقة حول السلوكيات الإشكالية. لكنه تفاجأ بمدة الوقت الذي يقضيه بعض الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الألعاب، أكثر من 10 ساعات يومياً في بعض الحالات.
ويبدو أن الدراسة الجديدة تدعم البحث الذي يشير إلى أن قضاء وقتاً طويلاً أمام شاشة الهاتف له آثار سلبية. وأظهرت دراسات سابقة أن استخدام الهواتف الذكية يمكن أن يزيد الصداع سوءاً، ويمكن أن يعطل أنماط النوم وقد يؤثر سلباً على الصحة العقلية.


مقالات ذات صلة

رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

خاص أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)

رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

تدفع «مايكروسوفت العربية» نحو ربط توسع الذكاء الاصطناعي في السعودية بالإنتاجية والمهارات المحلية وبناء حلول وملكية فكرية من داخل المملكة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يتذكر «ChatGPT» نشاطك على التطبيقات والمواقع «ChatGPT»

«شات جي بي تي» يتذكر ما تفعله على جهاز «ماك» حتى خارج التطبيق

خط زمني للنشاط و«ذكريات» يستطيع «ChatGPT» و«Codex» استخدامها، ما يجعل ذاكرة المساعد مرتبطة بصورة أكبر بالعمل الفعلي للمستخدم على الكمبيوتر.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «سيري» يتلقى دفعة ذكاء اصطناعي من «أبل»

«سيري» يتلقى دفعة ذكاء اصطناعي من «أبل»

على مدى الأعوام الـ15 الماضية بدت تجربة التحدث إلى «سيري»، المساعد الافتراضي من «أبل» على أجهزة «آيفون»، غير جذابة على الإطلاق.

بريان إكس. تشين (نيويورك)
علوم الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

ارتفع نضج التجربة الرقمية في السعودية إلى 87.06 % بمشاركة 805 آلاف مستفيد، لتقترب المملكة من الخمسة الأوائل عالمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حصوة «عملاقة» تزن 3.1 كيلوغرام تُستأصل من رجل بسريلانكا

حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
TT

حصوة «عملاقة» تزن 3.1 كيلوغرام تُستأصل من رجل بسريلانكا

حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)

استأصل أطباء في سريلانكا حصوة من مثانة رجل بلغ وزنها 3.1 كيلوغرام (6.8 رطل)، ويعتقدون أنها الكبرى من نوعها على الإطلاق.

وأُجريت العملية الجراحية الأسبوع الماضي، في مستشفى بمدينة ترينكومالي، شرق البلاد.

ووفق «بي بي سي»، كان المريض، البالغ 55 عاماً، قد أُدخل المستشفى إثر إصابته بسكتة دماغية؛ لكن الأطباء اكتشفوا، خلال تلقيه العلاج، وجود حصوات في مثانته، بعدما لاحظوا أنه يعاني صعوبة في التبوُّل.

وخلال الجراحة، أزالوا حصوة من المثانة بلغ وزنها ما يضاهي وزن طفل حديث الولادة مكتمل النمو، وحجمها نحو حجم بيضة النعامة.

وصرَّح الدكتور براهالاهان بالاكريشنان، الذي قاد الفريق الجراحي، لخدمة «بي بي سي سينهالا» قائلاً: «وفق السجلات والبيانات المتاحة، تُعد هذه أكبر حصوة مثانة يُجرى توثيقها واستئصالها عبر عملية جراحية على الإطلاق». وأضاف أن المريض يتمتَّع بـ«صحة جيدة جداً».

وقال الأطباء إنه لا يزال يرقد في المستشفى لتلقي العلاج اللازم لوعكاته الأخرى.

وأوضح الدكتور بالاكريشنان أنَّ الحصوة ظلَّت تتشكل وتنمو داخل مثانة المريض، خلال مدة تتراوح بين 5 و10 سنوات تقريباً.

وتتشكل حصوات المثانة عندما تتبلور المعادن الموجودة في البول وتتحوَّل إلى كتل صلبة.

للجسد جيولوجياه أيضاً... وأحياناً يصنع حجارة (مستشفى ترينكومالي العام)

وعادةً ما تحدث هذه الحالة عندما لا تُفرغ المثانة محتواها بالكامل، مما يترك بولاً مركزاً يمكن أن يتحوَّل إلى بلورات.

ويمكن للحصوات الصغيرة، التي تعادل حجم حبات الرمل، أن تخرج من تلقاء نفسها. وإنما الحصوات التي يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب واحد، غالباً ما تعوق تدفُّق البول، وتتطلَّب تدخلاً طبياً، في حين تُعد حصوة المثانة التي يتجاوز حجمها 4 سنتيمترات مكعبة حصوة عملاقة.

ووفق موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، فإن أكبر حصوة مثانة أُزيلت سابقاً كانت لمريض في البرازيل عام 2003، وبلغ وزنها 1.9 كيلوغرام (4.2 رطل) وطولها 17.9 سنتيمتر (7 بوصات)، في حين بلغ طول حصوة المثانة التي استُأصلت في سريلانكا نحو 17 سنتيمتراً.


«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
TT

«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)

خلص بحث جديد ركَّز على توثيق حدث بارز في مرحلة مبكرة من تاريخ «درب التبانة»، إلى أنّ المجرة الكبيرة ذات الشكل الحلزوني، التي تضم مئات المليارات من النجوم، بما فيها الشمس، قطعت مساراً طويلاً ومعقداً لتصل إلى أبعادها الحالية.

وذكرت وكالة «رويترز» أنّ علماء يرصدون عناقيد نجمية متجمّعة قرب مركز «درب التبانة» اكتشفوا أدلة على أنّ المجرة ابتلعت مجرة أصغر قبل نحو 11.8 مليار سنة، عندما كان عمر الكون أقل من 15 في المائة من عمره الحالي. ويمثّل هذا الحدث أقدم اندماج مجرّي معروف لـ«درب التبانة»، ويُظهر كيف نمت ليس فقط بتكوين نجومها الخاصة، بل أيضاً بالاندماج مع مجرات أصغر وقعت في نطاق جاذبيتها.

لا تزال آثار ماضٍ سحيق تدور معنا (أ.ف.ب)

وتُصنف المجرة الأصغر على أنها مجرة قزمة، وهو ما يميّزها عن مجرات أكبر مثل «درب التبانة». وخلصت تقديرات الباحثين إلى أنها كانت تضم، وقت الاندماج، نجوماً تعادل كتلتها 500 مليون مرة كتلة الشمس، أي نحو ربع حجم «درب التبانة» آنذاك.

واستخدم الباحثون تلسكوبَي هابل وغايا الموجودين في المدار لدراسة عناقيد نجمية، يضمّ كل منها مئات الآلاف من النجوم، وتقع في منطقة تمتدّ عبر أعمق 20 ألف سنة ضوئية من «درب التبانة»، وقاسوا أعمارها وتركيبها الكيميائي ومساراتها. والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة، وتبلغ 9.5 تريليون كيلومتر.

وقال الباحثون إن هذه النجوم أصبحت جزءاً من «درب التبانة» بعد اندماج مجرّي حدث بعد نحو ملياري سنة من نشأة الكون. وأُطلق على المجرة القزمة التي نشأت فيها اسم «لو إنرجي كراكن هيراكلس»، أو «إل كيه إتش»، تقديراً لـ3 دراسات سابقة بحثت احتمال حدوث مثل هذا الاندماج الأولي.

وقال عالم الفيزياء الفلكية دافيدي ماساري، من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في بولونيا بإيطاليا، الذي قاد الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر أسترونومي»: «النتيجة الرئيسية لبحثنا هي الاكتشاف القاطع لأول حدث اندماج شهدته مجرتنا في مهدها».

بعض النجوم التي نراها اليوم بدأت حكايتها في مجرة أخرى (إ.ب.أ)

وتابع أنّ مسألة ما إذا كان النمو المبكر لـ«درب التبانة» مدفوعاً بتكوّن النجوم فيها أم باندماج مجرّي كانت محل نقاش. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الاندماج أمدَّ «درب التبانة»، في وقت مبكر من تاريخها، بكمية كبيرة من النجوم والغاز بين النجمي الذي يغذّي تكوّن النجوم، فضلاً عن المادة الغامضة المعروفة باسم المادة المظلمة.

وأضاف: «أودّ أن أقول إنه، من وجهة نظر النجوم، كان الاندماج هادئاً إلى حدّ ما، من دون اصطدامات بين النجوم. لكن من وجهة نظر الغاز، كان الاندماج أكثر (انفجارية)، ومن المرجح أن يكون التصادم بين غاز (إل كيه إتش) وغاز (درب التبانة) قد حفّز تكوّن عدد كبير من النجوم».

وقال ماساري إنه ربما لا يزال هناك كثير من النجوم التي تشكلت في الأصل في المجرة القزمة مدفونة في المناطق الداخلية من «درب التبانة»، وبعضها داخل عناقيد نجمية. لكنه أضاف أن تحديد النجوم الفردية صعب جداً بسبب الغبار بين النجمي الكثيف في هذه المنطقة.

ومن المعروف أنّ «درب التبانة» شاركت في اندماجين مجرّيّين ضخمين آخرين. فقد ابتلعت مجرة قزمة تُسمى «غايا-سوسيدج-إنسيلادوس» بعد نحو 1.8 مليار سنة من اندماج «إل كيه إتش». وعلى مدى نحو 6 مليارات سنة مضت، كانت تندمج مع مجرة القوس القزمة.


مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
TT

مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)

قال المخرج الكولومبي مانويل بونس دي ليون إن فيلمه «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) لم يكن يوماً مشروعاً تاريخياً بالمعنى التقليدي، بل انطلق منذ البداية من رغبة في استكشاف العالم الداخلي للإنسان. وأكد أن الرحلة التي يخوضها أبطال الفيلم ليست رحلة إلى مكان بقدر ما هي رحلة إلى الذاكرة والحنين والهوية. ولم يكن هذا التصور وليد مراحل الكتابة، بل كان حاضراً منذ اللحظة الأولى؛ إذ ظل اهتمامه بالذاكرة يمثّل القاسم المشترك بين جميع أعماله السابقة.

وأضاف مانويل بونس دي ليون، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن الحنين، بالنسبة إليه، ليس مجرد استرجاع للماضي، بل عملية إبداعية يعيد الإنسان من خلالها تشكيل ذكرياته كلما عاد إليها. ولفت إلى أن الذاكرة لا تعمل بوصفها أرشيفاً يحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما تعيد إنتاجها وفقاً لمشاعر الإنسان وتجربته الراهنة؛ ما يجعل العودة إلى الماضي فعلاً من أفعال الخيال بقدر ما هي استدعاء لما حدث بالفعل.

مخرج الفيلم الكولومبي مانويل بونس دي ليون (تصوير: إليسا تريانا)

وأشار إلى أن «هذه الحالة تمنح الإنسان فرصة للتأمل العميق، وتجعله يعيش ما يشبه الحلم وهو في كامل وعيه؛ فالسفر إلى المجهول يظل من أكثر التجارب قدرة على استحضار هذا النوع من التأمل الداخلي».

وتدور أحداث فيلم «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) في كولومبيا خلال القرن التاسع عشر؛ إذ يقرر الزوجان السويديان كارل وبيترونيلا الإبحار عبر نهر ماغدالينا بحثاً عن منجم ذهب يعتقدان أنه سيمنحهما مستقبلاً جديداً. غير أن الرحلة تتجاوز هدفها الأول شيئاً فشيئاً. وعُرِض الفيلم للمرة الأولى في الدورة الماضية من «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأوضح المخرج الكولومبي أن «التحدي الحقيقي في أثناء تطوير المشروع لم يكن مرتبطاً ببناء التحولات النفسية للشخصيات؛ لأن هذه التحولات كانت واضحة في ذهني منذ المراحل الأولى، وإنما تمثّل في العثور على الرحلة الفعلية القادرة على تجسيد هذه التحولات بصرياً».

وأضاف أن «فريق العمل انشغل طويلاً بالبحث عن المسار الجغرافي الذي يمكن أن يقود الشخصيات إلى تلك المناطق الخفية في دواخلها، بحيث تصبح الحركة في المكان انعكاساً مباشراً لما يحدث في الداخل، لا مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى؛ لأن الفيلم بُني منذ البداية على العلاقة بين الرحلتين الخارجية والداخلية، ولا يمكن لإحداهما أن تكتمل من دون الأخرى».

ورأى بونس دي ليون أن استلهام عنوان الفيلم من قصيدة للشاعر الكولومبي ليون دي غريف لم يكن يعني تحويل القصيدة نصاً سينمائياً أو محاولة شرحها للمشاهد، بل كان سعياً إلى ابتكار لغة بصرية تمتلك الحس الشعري نفسه. وأوضح أن فريق كتابة السيناريو اتفق منذ البداية على الابتعاد عن أي معالجة مباشرة للنص الأدبي؛ لأن الهدف لم يكن تفسير القصيدة، وإنما نقل الأثر العاطفي الذي تركته في نفوسهم إلى الشاشة.

صُوّر الفيلم في ظروف صعبة (لايتس أون)

وأضاف أن «هذه المهمة كانت من أصعب المراحل التي مرَّ بها المشروع؛ لأن شعر ليون دي غريف يتميَّز بكثافة رموزه واتساع تأويلاته؛ ما جعل التوصل إلى صيغة سينمائية تحافظ على روحه من دون أن تتحول إلى اقتباس أدبي مباشر، أمراً بالغ التعقيد».

وأشار إلى أن السيناريو مرَّ بمسودات كثيرة، وسبقته سنوات من السفر والبحث والحوار، إلى جانب تجارب متعددة جمعت بين السينما الوثائقية والروائية، حتى بدأ الفيلم يكشف تدريجياً عن شكله النهائي. ولفت إلى أن العمل على الفيلم تحوَّل، مع مرور الوقت، رحلةً شخصية بالنسبة إليه، لا تقل عمقاً عن الرحلة التي يخوضها أبطاله في الأحداث.

وأوضح المخرج الكولومبي أن البعد الشخصي للفيلم لا يقتصر على علاقته بقصيدة ليون دي غريف، بل يمتد أيضاً إلى علاقته بوالده، الذي كان شاعراً وصاحب التأثير الأكبر في تكوينه الإنساني والفني.

وقال إن الفيلم يمثّل، في جانب كبير منه، حواراً مستمراً مع والده، ليس عبر الكلمات وحدها، بل من خلال الطريقة التي تعلّم بها النظر إلى الطبيعة والتفاعل معها. وأشار إلى أن ذكريات طفولته كانت الشرارة الأولى التي أعادت إحياء هذا المشروع خلال سنوات إقامته في الخارج.

وأضاف أن والده لم يورثه حب الشعر فحسب، بل علّمه أيضاً تأمَّل تفاصيل العالم الطبيعي، بدءاً من حركة النهر، مروراً بالضباب الذي يغطِّي الجبال مع بزوغ الفجر، ووصولاً إلى الرياح والأشجار والشروق والغروب.

وأوضح أن هذه العناصر لم تدخل الفيلم بوصفها خلفيات جمالية، بل غدت جزءاً من اللغة التي تتواصل بها الشخصيات مع العالم من حولها. وأشار إلى أن الطبيعة، بالنسبة إليه، كيان حيّ يحمل ذاكرته الخاصة ويؤثر في مصائر الشخصيات بقدر ما تتأثر به؛ ما يفسّر الحضور الطاغي للمناظر الطبيعية في الفيلم.

ركَّز المخرج على الجوانب الإنسانية (لايتس أون)

وانتقل بونس دي ليون إلى الحديث عن فكرة الذهب، التي تبدو، في ظاهرها، المحرِّك الأساسي للأحداث، مؤكداً أنها «لا تمثّل، في الحقيقة، سوى رمز لكل الأوهام التي تدفع البشر إلى مغادرة أوطانهم والبحث عن حياة أخرى؛ فالإنسان يتحرَّك دائماً مدفوعاً بالاعتقاد بأن شيئاً ما ينقصه، وأن هذا الشيء موجود في مكان آخر، سواء أكان ثروة أم نجاحاً أم حياة أفضل أم شعوراً بالاكتمال».

وأوضح أن أكثر ما يثير اهتمامه هو المفارقة الناشئة بين التطلع إلى المستقبل والحنين إلى الماضي، عادَّاً أن كليهما يعتمد على الخيال؛ فالإنسان يتخيَّل المستقبل مثلما يتخيَّل الماضي، ويعيد تشكيلهما في ذهنه بالطريقة نفسها تقريباً. ولذلك؛ يرى أن السعي إلى المستقبل لا ينفصل عن الرغبة المستمرة في استعادة ما تركناه خلفنا.