اليابانية ناوومي كاواسي تفتح جراحاً خاصّة وقديمة

فيلمها الجديد حول صراع بين والدتين لطفل واحد

مشهد من «أمهات حقيقيات»
مشهد من «أمهات حقيقيات»
TT

اليابانية ناوومي كاواسي تفتح جراحاً خاصّة وقديمة

مشهد من «أمهات حقيقيات»
مشهد من «أمهات حقيقيات»

كان من المفترض لفيلم «أمهات حقيقيات» (True Mothers) أن يُعرض كواحد من الأفلام التي انتخبت لمسابقة الدورة الملغاة من مهرجان «كان» السينمائي. عندما لم يستطع المهرجان الفرنسي العتيد إنجاز الدورة الموعدة في الشهر الخامس من هذا العام، قام بتوزيع أفلامه تلك على مهرجانات ثلاث في الأساس: سان سابستيان ولوميير (مدينة ليون، فرنسا) وتورونتو. فيلم المخرجة ناوومي كاواس كان من نصيب المهرجان الكندي وبعده شهد عروضاً مختلفة بينها العروض الحالية الخاصة «بجمعية مراسلي هوليوود الأجانب».

مفتاح العودة
يفتح الفيلم على شاشة سوداء. صوت البحر. صوت امرأة تتأوّه من الألم، ثم صوت طفل وُلد للتو. يتلاشى السواد تدريجياً فنرى البحر أخضر اللون في البداية. نقرات على البيانو مسموعة. لقطة لطائر يجوب الفضاء. لقطة لامرأة تنظر إلى ذلك البحر الشاسع، ثم لقطة أخرى للبحر من زاوية شاملة. من الظلام إلى النور ومن الألم إلى الجمال والولادة، كما يقول أحد الممثلين في الفيلم «معجزة».
تدمج كاواسي كل ذلك بلقطاتها الطبيعية والأمومية. وهي كثيراً ما تعرّضت لموضوع الأمومة ووجدت في رواية ميزوكي تسوجيمورا «الصباح يأتي» (وهو عنوان الفيلم الأصلي بينما «أمهات حقيقيات» هو عنوانه التسويقي) مفتاح العودة إلى الموضوع الذي تحب طرحه أكثر من سواه.
لكن الرواية التي قامت بكتابة السيناريو عنها ليست هي ذاتها التي نشاهدها في أحداث الفيلم فالكاتب تسوجيمورا كاتب ألغاز وخيوط روائية غامضة، وهو ما تبتعد عن تناوله المخرجة كاواسي. الغموض الوحيد الذي يشعر به المشاهد هو ذاك المتأتي عن تقديم وتأخير أحداث الفيلم على نحو من يضع أحجار الدومينو في غير مواقعها ما يسبب ارتباك التتابع أكثر من مرّة.
المرأة التي نتعرّف عليها بعد المقدّمة هي ساتوكو (هيرومي ناغاساغو) ونراها تتابع بحرص وشغف محاولة طفلها الصبي تنظيف فمه بالمعجون بنفسه. تضحك له وتتحدث إليه وتساعده في لقطات قريبة (كلوز أب) تخصصها المخرجة عادة للمشاهد التي تنوي عبرها الإيحاء بالعاطفة. بعد قليل ستهرع إلى مدرسة الحضانة بعدما قيل لها إن ابنها دفع رفيقاً له مما تسبب في إصابة قدمه.
ننتقل في فصل ثانٍ إلى ما قبل كل ذلك: تكشف طبيبة عن أن الزوج لا يملك ما يكفي من المُنى للإنجاب. نفهم لاحقاً بأنه يحاول عبر عمليات تلقيح لا تنفع. تختار المخرجة مشهداً لهما بانتظار السفر إلى مدينة أخرى للعلاج لكي تمرر واحداً من أرق مشاهدها: هما جالسان على مقعد واحد. هو متأزم. هي صامتة. اللقطة جانبية. تنتقل إلى أمامية. تؤسس المخرجة حميمية اللحظة التي تشعر الزوجة بالأسى لما يمر به زوجها من أحاسيس عجز. تقترح عليه ألا يسافرا، بل يعودا للمدينة. لمطعم. لصالة سينما أو للبيت. تقول «لا حاجة لكي نواصل السعي». ينفجر الزوج بالبكاء وهو يقول «كنت أريد أن أطلب منك ذلك لكني لم أستطع».
هذا المشهد المؤلّف من توقيت صحيح ولقطات منضبطة وحوار موجز والكثير من الأداء الملائم من بين أفضل ما يوفره الفيلم. ولو سار الفيلم في هذا السياق لخدم حكايته، لكنه لا يفعل.
كاواسي لا تريد أن تسرد الحكاية بالترتيب الذي يتماشى مع كل هذه العواطف، بل تنتقل ما بين فصول الفيلم الزمنية لتوسيع إطار ما تسرده ليشمل، على سبيل المثال، انتقال وجهة السرد من الأم وحادثة المدرسة، إلى ما قبل وجود الطفل، ثم إلى اختيار الزوجين التبني و- فجأة - إلى تقديم شخصية الأم الحقيقية التي تتصل ذات يوم للابتزاز «إما إن تعيدا لي طفلي أو تدفعان».
بتقديم الأم الحقيقية (التي رغم محاولتها الابتزاز تعالجها المخرجة كامرأة مظلومة) تنتقل وجهة الحدث، ولفترة طويلة في زمن يتعدى الساعتين والعشر دقائق بقليل إلى حكاية تلك الأم الفعلية، وكيف أنجبت وهي في الخامسة عشرة من عمرها (ما يفسّر سبب تخليها عنه). كل هذا قبل العودة إلى الأم التي تبنّت الطفل في معاينة رقيقة (والرقة من خصائص كاواسي) لكليهما ومن له الحق بالاحتفاظ بالطفل.

أسباب تواصل
هو موضوع آخر، إذن، من مواضيع الأمومة والطفولة والألم الناتج عن الحب. سبق لها أن تناولت ذلك في «سوزاكو» (أول أفلامها) كما في «غابة الصباح»، الذي كان فاز بالجائزة الكبرى للجنة تحكيم «كان» سنة 2007. وسبب اهتمامها راجع إلى أن طفولتها ذاتها لم تكن خالية من الألم. والدها ترك البيت ولم يعد منذ كانت صغيرة، وما لبثت أن انتقلت إلى عناية جدّتها وعاشت في رعايتها قبل سنوات رشدها. ما يبعث على الإعجاب هو أن التجربة العاطفية الصعبة التي مرّت بها لم تُترجم إلى غضب وكره حيال العالم (كما حال بعض المخرجين الآخرين)، بل تميّزت بالألفة والنعومة والتماثل بين الحدث الماثل وبين رموز الطبيعة مثل الماء والشجر والسماء والطيور.
وُلدت سنة 1969 وأحبّت السينما باكراً وأمّتها كدراسة ثم كاحتراف في عام 1997. في بعض تعليقاتها تكرر الإشارة إلى أنها رفيقة سينمائية لمخرجين كلاسيكيين كبار سبقوها بجيل أو جيلين مثل أكيرا كوروساوا وناغيزا أوشيما. لكن هذا قولها الذي ربما استخدمته في البداية كدعاية لها. لا تؤكده مجموعة أفلامها إلا من حيث عملها على إيجاد الرابط ما بين الموضوع المحلّي والأسلوب الغربي لمعالجة.
بالتالي، لا يوجد تواصل فعلي بين أساليب من سبقها (أضيف ميتزوغوشي وياسوجيرو أوزو) التعبيرية إلا على مستوى ذلك الاهتمام بالانتماء إلى العالمية بتوظيف لغة فنية ليست بالضرورة يابانية. وحتى في هذا النطاق، هناك الكثير مما يُمكن طرحه للنقاش.
لا تتوقف كاواسي عن العمل، لجانب أفلامها الطويلة، لديها عدة أفلام قصيرة وأفلام أخرى تقوم بإنتاجها لمخرجين مختلفين. لكن المهرجان الذي حاز على العروض الأولى لمعظم أفلامها التي حققتها خلال السنوات الثلاث والعشرين الأخيرة هو مهرجان «كان» التي خرجت منه بأكثر من جائزة على مدى 20 سنة (1997 - 2017) خصّته فيها بتسعة أفلام. «أمهات حقيقيات» كاد أن يكون الفيلم العاشر.
نجاحها هو استثمار ذكي لما تقوم به وعززته دوماً بأعمال تبدو في سياقها أقرب إلى فيلم واحد من فصول مختلفة نظراً لتشابه مواقع تصويرها (عموماً وليس دائماً) ولجوئها لتصوير الطبيعة بين كل مشهد وآخر ولمعالجتها مسائل العلاقات العاطفية بنعومة ورقّة لدرجة أن المرء الباحث عن الأزمة في تلك العلاقات سيكتشف إنها ليست بين الأشخاص، بل بينهم (على اختلافهم) وبين الظروف والطروحات التي يعيشونها.
«أمهات حقيقيات» ليس بقوّة أعمالها الأخرى. هادئ كسواه باستثناء ما يقع عندما تنتقل عنوة من زاوية سرد لزاوية سرد أخرى مكاناً وزماناً ما يخلق تركيبة غير مريحة إلا في حدود.

بالأرقام
> عدد أفلامها الروائية الطويلة: 14
> عدد أفلامها التسجيلية الطويلة: 8
> عدد أفلامها القصيرة: 8
> عدد ما كتبته من سيناريوهات: 13
> الأفلام التي قامت بإنتاجها: 13
> عدد الجوائز التي حصلت عليها: 24 (بينها ثلاثة من مهرجان كان).



نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.


شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
TT

شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)

القصص

(جيد)

• إخراج: أبو بكر شوقي

• مصر، فرنسا (2026) | ملحمة عن عائلة ووطن

هناك كثير ممّا يمكن الحديث عنه في هذا الفيلم الخامس لمخرجه، وهذا كثير يفصح عن عمل ذي طروحات عدّة، تمتزج فيه حسنات كثيرة وبعض السلبيات.

إنه ميلودراما عن عائلة محورها «أحمد» (أمير المصري جيّد في كلّ مشاهده). لديه شقيقان، هما «شرف»، خالد مختار، و«حسن»، أحمد الأزعر. هذا الأخير يُجنَّد في الجيش قبيل حرب 1973 ويستشهد فيها، ممّا يترك تأثيراً نفسياً كبيراً في «أحمد»، فيترك فيينا، حيث كان قد حصل على منحة لدراسة الموسيقى، ويعود إلى القاهرة. عائلة «أحمد» كبيرة، وهي منصرفة إلى متابعة مباريات كرة القدم وما يدور من أوضاع في مصر قبيل هزيمة 1967 وبعدها، مروراً بحرب 1973، وصولاً إلى عام 1984. يمرّ الفيلم بذلك على مراحل جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات وحسني مبارك، مبيّناً ما كان يعيشه الشارع بوصفه محيطاً عاماً، والعائلة بوصفها مثالاً.

كان «أحمد» قد التقى في فيينا صديقة المراسلة «إليزابيث»، ڤاليري باشنر، التي تأتي إلى القاهرة ويتزوّجان. لاحقاً، نراهما يُرزقان بولد. عند ذلك، تنتهي الصورة المرسومة والمزدحمة بمعالم الألم، ومن دون حنين. هذا ليس فيلم نوستالجيا، لأن لا شيء يدعو إلى الحبور في مراحل يبدو فيها الوطن موزّع الاتجاهات، ومواطنوه يدفعون الثمن في كلّ مرحلة. الدمج بين النموذج الشخصي المتوافر عبر «أحمد» وعائلته، وبين الشارع والأجواء السياسية وانعكاساتها، ناجح.

ما هو أقل نجاحاً أن المخرج نقل التعبير من فرد إلى آخر على نحو متكرّر. لم يعد الفيلم عن رؤية «أحمد» وحده، وإنما عن رؤى الأب والأم وباقي أفراد العائلة، يستدرجها المخرج لعكس آراء وحالات. أيضاً، هناك مَشاهد متكرّرة في مفادها. أحدها أن اشتغال المخرج على عبارة «السمكة بلا أجنحة والطير لا يسبح في الماء» تكرّر، مرّة مع شخصية يهودية التقاها «أحمد» في فيينا، ومرّة أخرى (بعد دقائق يسيرة) في مشهد من «Fiddler on the Roof» بطولة توبول. أيضاً، هناك رغبة لدى المخرج في خلق «ترند» شعبي لحكايته. بهذا، تتحوّل الدراما إلى ميلودراما، مع ما يلزمها من جدّية هنا وكوميديا هناك، وحتى مشهد احتفال راقص.

إلى كلّ ذلك، يعمد المخرج في عدد من المَشاهد الداخلية (منزل العائلة وخارجها) إلى التذكير بأنّ للكاميرا دوراً. نراها تنتقل من وجه إلى آخر بحركة أفقية سريعة، عوض اعتماد تأسيس المشاهد بأسلوب رصين يناسب جدّية الموضوع.

«أطفال غير معروفين»: آمي كوياي في مشهد من الفيلم (بنكر هِل)

CHILDREN UNKNOWN

(ممتاز)

• إخراج: ميوا نيشيكاوا

• اليابان (2026) | دراما | عروض «مهرجان تورنتو»

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي، أفاقت اليابان على مشكلات جيل من الأطفال فقدوا ذويهم في هاتين المدينتين، أو وجدوا أنفسهم ضحايا البطالة والظروف الاجتماعية في بلد يحاول الوقوف على قدميه من جديد.

بطلة الفيلم فتاة تُدعى «كوتوكو»، آمي كوياي، في الـ12 من عمرها، وابنة عائلة شجّعتها على عزف البيانو، لكنها الآن مشرَّدة ومعرّضة لخطر الاعتداءات والجوع. نتيجة ذلك، تقصّ شعرها وتتنكّر في زيِّ صبي، ممّا يتيح لها الانضمام إلى صبيان يعيشون في مثل حالتها، وتحت وطأة الظروف القاسية نفسها. عصابة من «الياكوزا» تؤويهم وتدرّبهم على النشل والسرقة. هذا هو نصف الحبكة وجزء بسيط من الحكاية (لضيق المجال). النصف الآخر يتناول مدرّسة الموسيقى «فوميكو»، (فومي نيكايدو)، التي تبحث عن «كوتوكو». تكنّ «فوميكو» للفتاة تقديراً إنسانياً وفنياً كبيراً، وتريد إنقاذها ودفعها إلى العودة للعزف. والفيلم ينتقل من الحبكة الأولى (التي تستغرق معظم الوقت) إلى الحبكة الثانية بسلاسة ومن دون افتعال.

إلى جانب ما توفّره المخرجة نيشيكاوا من إدارة للأحداث بحرفية تنفيذية مثيرة للإعجاب، هناك قدرتها على أن تبقى دائماً فوق الحكاية التي تسردها، قريبة من شخصياتها وذات رؤية شاملة في الوقت ذاته. يخلق ذلك عملاً مثيراً جداً للإعجاب على أكثر من مستوى؛ أوّلها إنساني يتعلّق بالوضع الذي تعيشه «كوتوكو»، والذي يهدّدها باستمرار، وثانيها القالب التاريخي الذي تدور الحكاية في أرجائه. كلّه ضمن نسيج فنّي لا يخلو من الرموز والمجازات، من دون التخلّي عن وضوح رؤيته وموضوعه. فيلم آسر لا يجب تفويته.


«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.