العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

متى تتجاوز البصمة البيئية للبشرية موارد الأرض؟

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة
TT

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

صادف يوم 22 أغسطس (آب) «يوم تجاوُز موارد الأرض»، وهو التاريخ الذي يتجاوز فيه طلب البشرية على الموارد والخدمات البيئية في سنة معينة ما يمكن أن تجدّده الأرض في تلك السنة. هذا يعني أن العالم استنزف كامل ميزانيته لسنة 2020، وبدأ الاستدانة من رأس المال الطبيعي، ابتداءً من ذلك اليوم، وحتى نهاية السنة. ويستمر العجز من خلال استهلاك مخزون الموارد البيئية ومراكمة النفايات، وبالأخص ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
اللافت هذه السنة أن العالم بدأ «يستدين» من الطبيعة في يوم متأخر عن السنة التي سبقت، وذلك بسبب انخفاض الانبعاثات والاستهلاك نتيجة لجائحة «كورونا». ففي عام 2019 تم استهلاك ميزانية الطبيعة في 29 تموز (يوليو). وفي حين قد يفسّر البعض هذا بأننا ربحنا 3 أسابيع عن العام الماضي، فالواقع أن هذا التغيير طارئ وموقت، وستتضاعف الانبعاثات عندما تعود عجلة الاقتصاد إلى الدوران، إذا استمرت أنماط الاستهلاك والانتاج نفسها.
ويشارك المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) كل سنة «الشبكة العالمية للبصمة البيئية» في رصد هذا اليوم. وكان المنتدى أصدر عام 2012 تقريراً عن البصمة البيئية في البلدان العربية، وجد أن استهلاك العرب لمنتجات الطبيعة وخدماتها يبلغ ضعفي ما يمكن للأنظمة الطبيعية في هذه البلدان أن توفره من موارد متجددة.
تستخدم البشرية 50 في المائة أكثر من الموارد الطبيعية التي يمكن للأرض أن تجدّدها، مما يعني أننا بحاجة إلى كوكب ونصف الكوكب لتلبية احتياجاتنا بشكل مريح. مثلاً، إذا عاش البشر بأسلوب حياة المواطن الأميركي العادي، فسنحتاج إلى 5 كواكب لتلبية طلبهم على الموارد. إما إذا عاشوا مثل معدّل المواطن العربي العادي، فسوف يحتاجون إلى 1.2 كوكب.
إنها فكرة مخيفة، لكنها حقيقة لم يفهمها الناس تماماً بعدُ، حيث إن الموارد لا تزال موجودة، حتى الآن. ولكن إذا أردنا حماية أطفالنا من العيش في عالم مُقفر، حيث يصبح كل ما نأخذه اليوم كأمر مسلّم به، كالطعام والماء، أمراً نادراً، فعلينا المساعدة في تقليل بصمتنا البيئية.
كيف يتم احتساب البصمة البيئية؟
يمكن احتساب الطلب على الطبيعة عن طريق قياس «بصمة القدم» البشرية، بناءً على مساحة الأرض والمياه التي تستخدمها حضارتنا لتزويدنا بما نحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة، وذلك بالإجابة عن الأسئلة التالية:
- ما مساحة الأرض التي نحتاج إليها لزراعة محاصيل كافية وبناء البنى التحتية؟
- كم نحتاج من مساحة المحيطات لنؤمن طلباتنا الغذائية؟
- هل توجد أنظمة بيئية كافية لامتصاص ما ننتجه من نفايات وانبعاثات؟
يمكن لنظام القياس هذا أيضاً تحديد القدرة الحيوية للأرض، أو الموارد المتاحة. باختصار، البصمة البيئية هي مقدار الأنظمة والموارد الطبيعية اللازمة لتزويدنا بما نحتاج إليه لدعم أنماط حياتنا، وإبقائنا على قيد الحياة. أي الكميات التي نستخدمها، مقابل مقدار الموارد الموجودة بالفعل.
نحن لا نتعامل مع موضوع البصمة البيئية بشكل جدّي؛ فمعظم الناس يظنون أن الماء الذي نشربه والأشجار في الغابات والأسماك في البحار، ستكون موجودة ما دمنا نحتاج إليها. لذا فإننا نواصل حياتنا كما لو أن قلّة إدراكنا هذه لا تأتي بالضرر. ولكن الحقيقة هي أنه إذا استمررنا بالعيش كما نفعل الآن، فلن تكون هناك موارد متبقية لجيل المستقبل.
في الوقت الحالي، لا يزال بإمكاننا العمل على عكس الضرر، عن طريق تقليل البصمة البيئية الخاصة بنا. وهذا هو التحدي الذي نواجهه؛ فالهدف هو أن يعيش جميع البشر حياة مُرضية دون الإضرار بموارد كوكبنا.
- ما العمل؟
هنا مجموعة من الأمور التي يمكن القيام بها على المستوى الشخصي للمساهمة في ذلك:
1- وفّر في استخدام الكهرباء
2- وفّر في استخدام الماء
3- اشترِ المنتجات العضوية والمحلية
4- استخدم حقيبة التسوق الخاصة بك، المصنوعة من القماش
5- أعِد تدوير البلاستيك والكرتون والورق والزجاج
6- ازرع الأشجار المحلية
7- اختَر الأجهزة والإلكترونيات الموفّرة للطاقة
8- اشترِ المنتجات القابلة للتحلل البيولوجي والصديقة للبيئة
9- أعِد استخدام المواد حيث أمكن بدلاً من رميها
10- لا تشترِ أي منتجات على علاقة بالحيوانات المعرضة لخطر الانقراض
أما على مستوى الدول والمجتمعات، فثمة خمسة مجالات رئيسية تحدد اتجاهاتنا الطويلة الأجل بقوة أكبر:
1- الكوكب
يتطلب ضمان حصولنا على كوكب صحي قادر على الاستمرار بدعمنا في المستقبل تقليل وترشيد الطلب البشري على الموارد والحفاظ على نظام دعم الحياة على الأرض. ويتم ذلك من طريق: الحماية التقليدية، المتمثلة في الجهود المبذولة لحماية المساحات البرية والحفاظ عليها، لا سيما النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي. وإعادة إحياء النُظم الإيكولوجية التي تم الإفراط في استخدامها، مثل تشجير مواقع الغابات التي تم تحويلها سابقاً إلى مراعٍ لتربية الماشية، وإعادة تشجير الغابات الاستوائية وأشجار المنغروف. ولا بد من تعميم الزراعة المتجددة وتشجيع الصيد المستدام، للحفاظ على تغذية البشرية عن طريق إيجاد طرق للزراعة تحافظ على إنتاجية التربة ومستويات المياه الجوفية ودورات المياه الطبيعية والتنوع الجيني، مع تجنُّب التلوث.
2- المدن
من المتوقَّع أن يعيش ما بين 70 و80 في المائة من الناس في المناطق الحضرية بحلول عام 2050. وبالتالي، فإن لتخطيط المدن الذكية واستراتيجيات التنمية الحضرية دوراً فعالاً في التأكد من وجود رأسمال طبيعي كافٍ، ولتجنب الطلب البشري المفرط الذي قد يؤدي إلى تآكله. ومن الأمثلة المباني الموفرة للطاقة والتخطيط المتكامل للمناطق والمدن المدمجة والخيارات الفعالة للنقل العام. وعلى وجه الخصوص، يمكن أن يلعب التخطيط المدني دوراً رئيسياً في الحد من الحاجة إلى السيارات، حيث إن التنقل الشخصي يشكّل 17 في المائة من البصمة الكربونية للبشرية.
3- الطاقة
تشير التقارير الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ إلى أن التركيز طويل الأمد لغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، المُقاس بمكافئ ثاني أوكسيد الكربون، يجب أن يكون أقل بكثير من 450 جزءاً في المليون لتحقيق هدف «اتفاقية باريس». هذه السنة يحتوي الغلاف الجوي في المتوسط على أكثر من 413 جزءاً في المليون من ثاني أوكسيد الكربون. وعند تضمين جميع غازات الدفيئة الأخرى، بلغ التركيز في مكافئ ثاني أوكسيد الكربون 500 جزء في المليون عام 2019، وفقاً للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة. وتشير الأرقام إلى أن البصمة الكربونية الحالية تضيف 2 إلى 3 أجزاء في المليون من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي سنوياً. يُذكر أن تقليل عنصر الكربون في البصمة البيئية للبشرية بنسبة 50 في المائة سيحوّلنا من استهلاك موارد تساوي 1.6 مرة من استطاعة الأرض إلى 1.1 فقط، وهذا يؤدي إلى تأخير تاريخ يوم التجاوز بمقدار 93 يوماً.
4- الطعام
نظراً لاستخدام نصف القدرة البيولوجية للأرض لإطعام البشرية، فإن الطعام يُعدّ رافعة قوية لتأخير يوم تجاوز طاقة الأرض. إذا منعنا فَقْد الطعام وهدره، وفضّلنا الأطعمة النباتية، واخترنا الأطعمة التي تتم زراعتها وفقاً لممارسات الزراعة البيئية والتجديدية، يمكننا تأخير يوم تجاوز الأرض 32 يوماً.
5- تعداد السكان
بينما تتوقع الأمم المتحدة أن نحو 11 مليار شخص سيعيشون على الأرض بحلول سنة 2100، توقعت تقديرات أخرى أن يصل العدد إلى 16 ملياراً، بينما وجدت دراسات صدرت في الشهور الأخيرة أن العدد قد يصل الى ذروته في النصف الثاني من القرن الحالي، قبل أن يبدأ بالتراجع إلى نحو 9 مليارات في بداية القرن المقبل. وعلى الرغم من التفاوت في تقديرات عدد السكان وكميات الاستهلاك لدى الشعوب المختلفة، فمع زيادة عدد السكان سيزداد الضغط على كوكب الأرض. الحلول القوية والإيجابية لمنع الانفجار السكاني معروفة، مثل تمكين النساء والفتيات، والفوائد الاجتماعية فورية وذات قيمة عالية في حد ذاتها. وفي حين تظهر الفوائد البيئية للإدارة السكانية على نحو أبطأ، لكن تأثيرها بمرور الوقت يكون كبيراً جداً.
الوضع حرج والحاجة إلى عمل سريع لا تحتمل التأجيل. فإلى أن نعثر على كوكب آخر شبيه بالأرض يمكننا الذهاب إليه، تبقى هذه الأرض هي كل ما نملكه.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».