العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

متى تتجاوز البصمة البيئية للبشرية موارد الأرض؟

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة
TT

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

العالم صرف ميزانية 2020 وبدأ الاستدانة من الطبيعة

صادف يوم 22 أغسطس (آب) «يوم تجاوُز موارد الأرض»، وهو التاريخ الذي يتجاوز فيه طلب البشرية على الموارد والخدمات البيئية في سنة معينة ما يمكن أن تجدّده الأرض في تلك السنة. هذا يعني أن العالم استنزف كامل ميزانيته لسنة 2020، وبدأ الاستدانة من رأس المال الطبيعي، ابتداءً من ذلك اليوم، وحتى نهاية السنة. ويستمر العجز من خلال استهلاك مخزون الموارد البيئية ومراكمة النفايات، وبالأخص ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
اللافت هذه السنة أن العالم بدأ «يستدين» من الطبيعة في يوم متأخر عن السنة التي سبقت، وذلك بسبب انخفاض الانبعاثات والاستهلاك نتيجة لجائحة «كورونا». ففي عام 2019 تم استهلاك ميزانية الطبيعة في 29 تموز (يوليو). وفي حين قد يفسّر البعض هذا بأننا ربحنا 3 أسابيع عن العام الماضي، فالواقع أن هذا التغيير طارئ وموقت، وستتضاعف الانبعاثات عندما تعود عجلة الاقتصاد إلى الدوران، إذا استمرت أنماط الاستهلاك والانتاج نفسها.
ويشارك المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) كل سنة «الشبكة العالمية للبصمة البيئية» في رصد هذا اليوم. وكان المنتدى أصدر عام 2012 تقريراً عن البصمة البيئية في البلدان العربية، وجد أن استهلاك العرب لمنتجات الطبيعة وخدماتها يبلغ ضعفي ما يمكن للأنظمة الطبيعية في هذه البلدان أن توفره من موارد متجددة.
تستخدم البشرية 50 في المائة أكثر من الموارد الطبيعية التي يمكن للأرض أن تجدّدها، مما يعني أننا بحاجة إلى كوكب ونصف الكوكب لتلبية احتياجاتنا بشكل مريح. مثلاً، إذا عاش البشر بأسلوب حياة المواطن الأميركي العادي، فسنحتاج إلى 5 كواكب لتلبية طلبهم على الموارد. إما إذا عاشوا مثل معدّل المواطن العربي العادي، فسوف يحتاجون إلى 1.2 كوكب.
إنها فكرة مخيفة، لكنها حقيقة لم يفهمها الناس تماماً بعدُ، حيث إن الموارد لا تزال موجودة، حتى الآن. ولكن إذا أردنا حماية أطفالنا من العيش في عالم مُقفر، حيث يصبح كل ما نأخذه اليوم كأمر مسلّم به، كالطعام والماء، أمراً نادراً، فعلينا المساعدة في تقليل بصمتنا البيئية.
كيف يتم احتساب البصمة البيئية؟
يمكن احتساب الطلب على الطبيعة عن طريق قياس «بصمة القدم» البشرية، بناءً على مساحة الأرض والمياه التي تستخدمها حضارتنا لتزويدنا بما نحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة، وذلك بالإجابة عن الأسئلة التالية:
- ما مساحة الأرض التي نحتاج إليها لزراعة محاصيل كافية وبناء البنى التحتية؟
- كم نحتاج من مساحة المحيطات لنؤمن طلباتنا الغذائية؟
- هل توجد أنظمة بيئية كافية لامتصاص ما ننتجه من نفايات وانبعاثات؟
يمكن لنظام القياس هذا أيضاً تحديد القدرة الحيوية للأرض، أو الموارد المتاحة. باختصار، البصمة البيئية هي مقدار الأنظمة والموارد الطبيعية اللازمة لتزويدنا بما نحتاج إليه لدعم أنماط حياتنا، وإبقائنا على قيد الحياة. أي الكميات التي نستخدمها، مقابل مقدار الموارد الموجودة بالفعل.
نحن لا نتعامل مع موضوع البصمة البيئية بشكل جدّي؛ فمعظم الناس يظنون أن الماء الذي نشربه والأشجار في الغابات والأسماك في البحار، ستكون موجودة ما دمنا نحتاج إليها. لذا فإننا نواصل حياتنا كما لو أن قلّة إدراكنا هذه لا تأتي بالضرر. ولكن الحقيقة هي أنه إذا استمررنا بالعيش كما نفعل الآن، فلن تكون هناك موارد متبقية لجيل المستقبل.
في الوقت الحالي، لا يزال بإمكاننا العمل على عكس الضرر، عن طريق تقليل البصمة البيئية الخاصة بنا. وهذا هو التحدي الذي نواجهه؛ فالهدف هو أن يعيش جميع البشر حياة مُرضية دون الإضرار بموارد كوكبنا.
- ما العمل؟
هنا مجموعة من الأمور التي يمكن القيام بها على المستوى الشخصي للمساهمة في ذلك:
1- وفّر في استخدام الكهرباء
2- وفّر في استخدام الماء
3- اشترِ المنتجات العضوية والمحلية
4- استخدم حقيبة التسوق الخاصة بك، المصنوعة من القماش
5- أعِد تدوير البلاستيك والكرتون والورق والزجاج
6- ازرع الأشجار المحلية
7- اختَر الأجهزة والإلكترونيات الموفّرة للطاقة
8- اشترِ المنتجات القابلة للتحلل البيولوجي والصديقة للبيئة
9- أعِد استخدام المواد حيث أمكن بدلاً من رميها
10- لا تشترِ أي منتجات على علاقة بالحيوانات المعرضة لخطر الانقراض
أما على مستوى الدول والمجتمعات، فثمة خمسة مجالات رئيسية تحدد اتجاهاتنا الطويلة الأجل بقوة أكبر:
1- الكوكب
يتطلب ضمان حصولنا على كوكب صحي قادر على الاستمرار بدعمنا في المستقبل تقليل وترشيد الطلب البشري على الموارد والحفاظ على نظام دعم الحياة على الأرض. ويتم ذلك من طريق: الحماية التقليدية، المتمثلة في الجهود المبذولة لحماية المساحات البرية والحفاظ عليها، لا سيما النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي. وإعادة إحياء النُظم الإيكولوجية التي تم الإفراط في استخدامها، مثل تشجير مواقع الغابات التي تم تحويلها سابقاً إلى مراعٍ لتربية الماشية، وإعادة تشجير الغابات الاستوائية وأشجار المنغروف. ولا بد من تعميم الزراعة المتجددة وتشجيع الصيد المستدام، للحفاظ على تغذية البشرية عن طريق إيجاد طرق للزراعة تحافظ على إنتاجية التربة ومستويات المياه الجوفية ودورات المياه الطبيعية والتنوع الجيني، مع تجنُّب التلوث.
2- المدن
من المتوقَّع أن يعيش ما بين 70 و80 في المائة من الناس في المناطق الحضرية بحلول عام 2050. وبالتالي، فإن لتخطيط المدن الذكية واستراتيجيات التنمية الحضرية دوراً فعالاً في التأكد من وجود رأسمال طبيعي كافٍ، ولتجنب الطلب البشري المفرط الذي قد يؤدي إلى تآكله. ومن الأمثلة المباني الموفرة للطاقة والتخطيط المتكامل للمناطق والمدن المدمجة والخيارات الفعالة للنقل العام. وعلى وجه الخصوص، يمكن أن يلعب التخطيط المدني دوراً رئيسياً في الحد من الحاجة إلى السيارات، حيث إن التنقل الشخصي يشكّل 17 في المائة من البصمة الكربونية للبشرية.
3- الطاقة
تشير التقارير الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ إلى أن التركيز طويل الأمد لغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، المُقاس بمكافئ ثاني أوكسيد الكربون، يجب أن يكون أقل بكثير من 450 جزءاً في المليون لتحقيق هدف «اتفاقية باريس». هذه السنة يحتوي الغلاف الجوي في المتوسط على أكثر من 413 جزءاً في المليون من ثاني أوكسيد الكربون. وعند تضمين جميع غازات الدفيئة الأخرى، بلغ التركيز في مكافئ ثاني أوكسيد الكربون 500 جزء في المليون عام 2019، وفقاً للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة. وتشير الأرقام إلى أن البصمة الكربونية الحالية تضيف 2 إلى 3 أجزاء في المليون من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي سنوياً. يُذكر أن تقليل عنصر الكربون في البصمة البيئية للبشرية بنسبة 50 في المائة سيحوّلنا من استهلاك موارد تساوي 1.6 مرة من استطاعة الأرض إلى 1.1 فقط، وهذا يؤدي إلى تأخير تاريخ يوم التجاوز بمقدار 93 يوماً.
4- الطعام
نظراً لاستخدام نصف القدرة البيولوجية للأرض لإطعام البشرية، فإن الطعام يُعدّ رافعة قوية لتأخير يوم تجاوز طاقة الأرض. إذا منعنا فَقْد الطعام وهدره، وفضّلنا الأطعمة النباتية، واخترنا الأطعمة التي تتم زراعتها وفقاً لممارسات الزراعة البيئية والتجديدية، يمكننا تأخير يوم تجاوز الأرض 32 يوماً.
5- تعداد السكان
بينما تتوقع الأمم المتحدة أن نحو 11 مليار شخص سيعيشون على الأرض بحلول سنة 2100، توقعت تقديرات أخرى أن يصل العدد إلى 16 ملياراً، بينما وجدت دراسات صدرت في الشهور الأخيرة أن العدد قد يصل الى ذروته في النصف الثاني من القرن الحالي، قبل أن يبدأ بالتراجع إلى نحو 9 مليارات في بداية القرن المقبل. وعلى الرغم من التفاوت في تقديرات عدد السكان وكميات الاستهلاك لدى الشعوب المختلفة، فمع زيادة عدد السكان سيزداد الضغط على كوكب الأرض. الحلول القوية والإيجابية لمنع الانفجار السكاني معروفة، مثل تمكين النساء والفتيات، والفوائد الاجتماعية فورية وذات قيمة عالية في حد ذاتها. وفي حين تظهر الفوائد البيئية للإدارة السكانية على نحو أبطأ، لكن تأثيرها بمرور الوقت يكون كبيراً جداً.
الوضع حرج والحاجة إلى عمل سريع لا تحتمل التأجيل. فإلى أن نعثر على كوكب آخر شبيه بالأرض يمكننا الذهاب إليه، تبقى هذه الأرض هي كل ما نملكه.


مقالات ذات صلة

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

شمال افريقيا صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع نواكشوط، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.