لقاء عاصف بين كيري وعريقات في لندن ينتهي بإصرار فلسطيني للتوجه إلى مجلس الأمن

تهديد فلسطيني بالانضمام إلى الجنائية الدولية إذا أشهرت واشنطن الفيتو ضد القرار * المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة لـ «الشرق الأوسط»: اللقاء كان سلبيا * كيري: عليهم تقدير خطواتهم بحذر

وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى لقائه وفد الجامعة العربية والفلسطينيين في لندن أمس  (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى لقائه وفد الجامعة العربية والفلسطينيين في لندن أمس (أ.ب)
TT

لقاء عاصف بين كيري وعريقات في لندن ينتهي بإصرار فلسطيني للتوجه إلى مجلس الأمن

وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى لقائه وفد الجامعة العربية والفلسطينيين في لندن أمس  (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى لقائه وفد الجامعة العربية والفلسطينيين في لندن أمس (أ.ب)

أكد المندوب الفلسطيني لدى الامم المتحدة رياض منصور لـ{الشرق الأوسط} أن اللقاء الذي جمع بين كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ووزير الخارجية الاميركي جون كيري في لندن أمس لبحث مشروع قرار عربي - فلسطيني لانهاء الاحتلال الاسرائيلي، كان {سلبيا ومتوترا}، وأكد عزم الفلسطينيين التوجه الى مجلس الامن الدولي اليوم لعرض مشروع القرار.
وأكد منصور أن كيري {لم يأت بجديد} في المشاورات و{لا يريد المشروع العربي ولا الفرنسي}، الذي تعتزم باريس عرضه على مجلس الامن بعد موافقة الفلسطينيين والاسرائيليين على بنوده.
من جانبه أكد مسؤول فلسطيني قريب من الوفد الفلسطيني الذي التقى في لندن كيري، أن الأخير أبلغ الوفد الفلسطيني بعزم بلاده على {استخدام حق الفيتو} ضد مشروع القرار المقدم إلى مجلس الأمن والذي يتضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي خلال سنتين. وقال المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن كيري أبلغ الوفد الفلسطيني برئاسة صائب عريقات أن واشنطن {ستستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع القرار العربي الذي يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية}. ووصف المسؤول لقاء كيري - عريقات بأنه {كان صعبا جدا وطويلا ولم يحقق نتائج}. وتابع المسؤول أن الوفد الفلسطيني أبلغ كيري أنه إذا استخدمت واشنطن الفيتو فإن الجانب الفلسطيني {سيتوجه إلى الانضمام إلى كافة المنظمات الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية بما فيها التوقيع على اتفاقية روما الخاصة بالانضمام إلى محكمة لاهاي لجرائم الحرب}. وأضاف المسؤول أن الجانب الفلسطيني {سيقدم مشروعه غد الأربعاء (اليوم) إلى مجلس الأمن الدولي للتصويت عليه وتم إبلاغ كيري بذلك}. وكشف المسؤول الفلسطيني أيضا أن الإدارة الأميركية {ترفض وجود نص واضح بأن القدس ستكون عاصمة للدولتين، فلسطين وإسرائيل}، كما ترفض مبدأ {مدة السنتين لإنهاء الاحتلال.. وتريد الإشارة إلى الدولة اليهودية في مشروع القرار}.
وكانت القيادة الفلسطينية قد قررت في وقت سابق أمس إرجاء تقديم مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي إلى مجلس الأمن، الذي كان متوقعا اليوم، إلى موعد لاحق سيتقرر غدا الخميس بعد اكتمال صورة المشاورات التي يجريها الوفد الفلسطيني - العربي، الذي التقى وزير الخارجية الأميركية جون كيري في لندن ووزراء الخارجية الأوروبيين في باريس، وعلى ضوء توصيات من وزراء الخارجية العرب بعد التشاور معهم في هذا الشأن. وأجلت القيادة الفلسطينية أيضا اجتماعا كان مقررا مساء أمس في رام الله لاتخاذ قرارات إلى وقت لاحق ربما يوم الخميس.
وكان من المقرر أن تتجه القيادة الفلسطينية إلى مجلس الأمن الدولي اليوم لطلب التصويت على مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، لكن هذه المبادرة قد تصطدم بفيتو أميركي، إذ إن واشنطن تعارض أي إجراء أحادي الجانب من جانب الفلسطينيين يهدف إلى الحصول من الأمم المتحدة على اعتراف بدولتهم، معتبرة أنه ينبغي أن يأتي ثمرة مفاوضات سلام.
وشهدت لندن حركة دبلوماسية مكثفة بوصول وفد فلسطيني يضم كبير المفاوضين صائب عريقات ووزير الخارجية رياض المالكي، ووفد عربي يقوده نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية، وأجرى الوفد مشاورات مكثفة شملت عددا من المسؤولين، بوجود وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حيث ناقشت الاجتماعات إمكانية التوصل إلى حل توافقي بشأن التوجه إلى مجلس الأمن.
وأكد كيري أمس أن بلاده لم تحسم أمرها بعد بشأن أية قرارات محتملة لمجلس الأمن تتعلق بالدولة الفلسطينية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة وشركاءها يبحثون عن سبل لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط. وأشارت مصادر أميركية إلى احتمالات إقناع الفلسطينيين بمبادرة سلام جديدة.
وكان وزير الخارجية الأميركي قد عقد مباحثات مكثفة خلال اليومين الماضيين في روما ولندن، حيث التقي مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي ومع وزراء خارجية مصر والأردن والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى لقاءاته أمس مع المسؤولين الفلسطينيين والأمين العام للجامعة العربي نبيل العربي.
وقال كيري للصحافيين: «محور المحادثات ركز على قلقنا العميق إزاء الأوضاع على الأرض في إسرائيل والضفة العربية والدعوات المتزايدة من المجتمع الدولي لاتخاذ تدابير دبلوماسية للتصدي لهذه الأوضاع، وليس هذا هو الوقت المناسب للتحدث أو التكهن بشأن قرار لمجلس الأمن لم يتم طرحه بعد، وبغض النظر عن التصريحات التي خرجت علنا حول ذلك فإن هناك شعورا مشتركا بالحاجة إلى العمل بشكل عاجل بالنظر إلى التهديدات المستمرة في التصعيد ومخاطر دوامة العنف».
وقال كيري إن ما يحاول القيام به خلال لقاءاته المكثفة هو «إجراء محادثات بناءةة مع الجميع لإيجاد أفضل طريقة للمضي قدما من أجل تهيئة المناخ للعودة إلى المفاوضات». وأضاف: «نتفهم مشاعر الإحباط لدى الفلسطينيين والرئيس (الفلسطيني محمود) عباس وأنهم لا يرون فائدة دورة أخري من المفاوضات، لذا فإن المفتاح لحل ذلك هو محاولة البحث إذا كان هناك خيارات أخرى وسبل أخرى يمكن أن تدعم عملية يخضع لها الإسرائيليون وتحرك احتياجات المنطقة وتنزع فتيل المواجهات، هذا ما نسعى لتحقيقه».
وتعمل فرنسا مع كل من بريطانيا وألمانيا على تقديم مشروع قرار ينص على استئناف سريع للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وفقا لقواعد التعايش السلمي بين دولة فلسطينية وإسرائيل والانتهاء من التوصل إلى تسوية حول القضايا العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال عامين دون أن يشير إلى تحديد موعد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وقد قامت باريس خلال الأسابيع الماضية بمشاورات مع لندن وواشنطن وعمان لإعداد نص توافقي يمكنه أن يحصد تأييد أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر. وأشار مسؤول بالخارجية الأميركية إلى أن الولايات المتحدة أكثر انفتاحا لمشروع القرار الفرنسي، لكنها لم تحسم أمرها بعد حول التصويت حول المشروع الفرنسي.
وصرح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي بأن محادثاته مع وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس تركزت حول الصيغة التي تقترحها فرنسا لمشروع القرار المقدم لمجلس الأمن. وقال: «نعمل مع فرنسا من أجل اعتماد كل الملاحظات والتعديلات الفلسطينية على مشروع القرار»، مشيرا إلى أنه اطلع الجانب الفرنسي على الملاحظات الفلسطينية في ما يتعلق بعدم الإشارة إلى موضوع «يهودية دولة إسرائيل»، وقال: «تم الاتفاق حول كل ملاحظاتنا وأهمها أنه لن تتم الإشارة إلى موضوع يهودية دولة إسرائيل، وفي حال اعتماد كل ملاحظاتنا فإن فرنسا ستقدم الصيغة المعدلة إلى مجلس الأمن والتي تقترح مفاوضات لمدة عامين، ونحن طلبنا مفاوضات لمدة عام فقط وخلال العام الثاني يتم التفاوض على الانسحاب وتفكيك الاحتلال لأراضي دولة فلسطين».

* السيناريوهات المتوقعة
- الخلافات الأميركية العربية والفرنسية حول المشروعين المطروحين على الطاولة (العربي والفرنسي) تجعل كل الاحتمالات مفتوحة.
- إذا وافقت الولايات المتحدة على المشروع الفرنسي فإنه سيصار على الأغلب إلى إدخال تعديلات مقبولة من كل الأطراف، على أن يطرح في مجلس الأمن هذا الشهر أو الذي يليه للتصويت عليه.
- إذا رفضته الولايات المتحدة فيبقى تقديمه رهنا بالاتفاق بين العرب والفلسطينيين من جهة والأوروبيين من جهة أخرى على إدخال تعديلات عليه وعرضه على الرغم من معارضة الولايات المتحدة.
- إذا فشلت المفاوضات جميعها حول المشروع الفرنسي فإن الأردن ممثلا للعرب والفلسطينيين سيطرح مشروع إنهاء الاحتلال بغض النظر عن المواقف الأميركية والفرنسية منه.

* المشروع العربي لإنهاء الاحتلال
- مشروع فلسطيني عربي يتكون من 14 فقرة، تبدأ بالطلب من مجلس الأمن تحقيق حل سلمي قائم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 وتحقيق رؤية قيام دولتين، دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة وذات السيادة والمترابطة جغرافيا والقادرة على الحياة جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل في سلام وأمن وضمن حدود معترف بها على أساس حدود ما قبل عام 1967.
ويدعو مشروع القرار إلى تكثيف الجهود من خلال المفاوضات لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم للصراع العربي الإسرائيلي القائم على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن بينها قرار 242 (1967) و338 (1973) و1397 (2002) و1515 (2003) و1850 (2008) ومرجعية مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام والمبادرة العربية للسلام وخارطة الطريق التي صاغتها اللجنة الرباعية. وبناء على هذه المبادئ يتم اتخاذ الخطوات التالية:
1. تقوم إسرائيل، سلطة الاحتلال، بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية كافة، بأقصى سرعة ممكنة وضمن إطار زمني محدد بحيث لا يتجاوز شهر نوفمبر 2016 وتحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره.
2. حل عادل لوضع القدس كعاصمة لدولتين.
3. حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرار الجمعية العامة 194 لعام 1947.
ويطالب القرار الأمين العام بتقديم تقرير خلال 30 يوما من تاريخ اعتماد مشروع القرار حول تشكيل إطار دولي لمتابعة التنفيذ وتقديم تقارير دورية لمجلس الأمن كل 30 يوما.

* المشروع الفرنسي
- ينطوي على ترتيب مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل تحت مظلة مؤتمر دولي لإطلاق «محاولة أخيرة للتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين بمشاركة جميع الأطراف المعنيين خلال فترة أقصاها 24 شهرا. وينص على أن تلتزم إسرائيل في حال استئناف المفاوضات الثنائية بالإعلان عن التزامها بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 مع تبادل أراض متساو في المساحة والنوع وإقامة دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل عادل ووفق المعايير والقرارات الدولية.
يتضمن المشروع الاعتراف بالدولة اليهودية من خلال كتابة بند حول القرار 181 وتوضيح أنه ينص على دولة عربية ودولة يهودية، إضافة إلى اقتراحات أخرى تتحدث عن إعادة توطين وتعويض اللاجئين الفلسطينيين، ونزع سلاح الدولة الفلسطينية.



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.