عاداتنا الغذائية بعد «كورونا»

بعد إغلاق المطاعم والطهي في البيوت

عاداتنا الغذائية بعد «كورونا»
TT

عاداتنا الغذائية بعد «كورونا»

عاداتنا الغذائية بعد «كورونا»

تغيرت العادات الغذائية خلال فترة الحجر الصحي وإغلاق المطاعم، وزاد الاعتماد على إعداد الطعام في المنزل والاعتماد على توصيل الأطعمة عبر خدمات «ديلفري» المتعددة. وزاد خلال فترة العزلة الاهتمام بالصحة العامة ونوعية الأطعمة ونظافتها والحرص على معرفة مصادرها. التغيرات التي حدثت خلال فترة العزل سوف تستمر بعد عصر «كورونا»؛ سواء من جانب المستهلك ومن ناحية الصناعة نفسها.
من التوجهات الأخرى التي بدأت بوادرها من قبل عصر «كورونا»؛ كان التحول عن استهلاك اللحوم إلى كثير من البدائل النباتية ضمن جهود المحافظة على الصحة العامة. وقد استجابت الصناعات الغذائية لهذا التوجه وظهرت بدائل أخرى للحوم يزداد الآن الإقبال عليها. ويجد المستهلك حالياً مزيداً من الأغذية النباتية على قوائم الأطعمة التي تنتجها شركات الأغذية الكبرى.
وأتاحت فترة العزل فرصة نادرة لأن يفكر العامة في مصادر الأغذية وكيفية تصنيعها وتوصيلها إلى المستهلك. ويتوجه العالم حالياً من مرحلة تصنيع اللحوم على نطاق هائل إلى توازن بين الأطعمة النباتية واللحوم والتحول نحو صناعة لحوم غير مدمرة للبيئة ويمكن حسبانها مستدامة.
وتعدّ «منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو)» أن انتشار وباء «كوفيد19» كان بمثابة الصدمة التي فاقت في إبعادها نكسة الأزمة المالية في عام 2008. ونتج عن الأزمة المالية السابقة تراجع مستوى المدخول وعدم الثقة في المستقبل، مما دفع بالمستهلك إلى عدم الإنفاق خارج نطاق الضرورات. وتراجع الطلب بوجه عام، خصوصاً على المطاعم، ومعه أيضاً المبيعات والأسعار.
ومع بداية انتشار «كوفيد19» كان رد الفعل عكس ما حدث في عام 2008؛ حيث توجه المستهلك إلى زيادة الشراء، ونتج عن ذلك فراغ رفوف منافذ السوبر ماركت من المنتجات الأساسية. وفي الدول الصناعية؛ لاحظت منظمة «فاو» أن الطلب تحول تدريجياً من المنتجات الحيوانية إلى الأسماك والخضروات والفواكه خوفاً من العدوى وحفاظاً على الصحة.
أما في الدول الفقيرة، فقد ارتبط الإنفاق على الطعام بمستوى الدخل العام الذي تراجع بنسب كبيرة بسبب فقدان الوظائف. وبالتالي زاد الاعتماد على الطعام المنزلي وتراجعت رحلات الشراء من الأسواق وزيارة المطاعم وطلبات «الديلفري».
وعلى مستوى الصناعات الغذائية؛ ازدادت الحاجة إلى رفع الاهتمام بجوانب النظافة وظروف العمل وتحسين وسائل إنتاج المزارع والثروة السمكية. وتتعاون منظمة «فاو» في الوقت الحاضر مع «منظمة الصحة العالمية» لإرساء قواعد جديدة للصناعات الغذائية تأخذ في حسبانها الدروس المستفادة من فترة الوباء.

- أنماط جديدة
التوقعات التي يتبادلها خبراء الغذاء حول التحولات المتوقعة بعد فترة الوباء والأنماط الجديدة التي سوف تسود بعد ذلك، تتفق بشكل عام على كثير من التحولات والتوجهات في المستقبل. وهذه التوجهات الخمسة أبرز ما يشير إليه مستقبل ما بعد «كورونا». وأهم هذه التوجهات:
- «الديلفري»: سوف يزيد بوجه عام نشاط توصيل الأطعمة إلى المنازل، ولكن التوجه الجديد هو نحو طلب وجبات فاخرة من المطاعم يعدها طهاة مشهورون للتوصيل المنزلي. هذا النمط لم يكن معروفاً من قبل، وهو يتبلور بسبب الحرص على جانبي النوعية والنظافة. أيضاً أدى تراجع مستوى الدخول بشكل عام وفقدان الوظائف إلى تراجع الدخل العام.
وكان الحل للأسر متوسطة الحال هو الاستمتاع بوجبات المطاعم في المنزل للحفاظ على النوعية وتوفير التكاليف. وأدى هذا الطلب إلى توجه المطاعم الفاخرة إلى توفير خيار التوصيل إلى المنازل سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق شركات التوصيل. وفي مستوى أعلى، تطلب بعض الأسر الثرية أن يقوم الشيف بإعداد هذه الوجبات في المنزل بصفة غير متفرغة لضمان نظافة الإعداد والتخلص من الطرف الثالث لتوصيل الوجبات الذي يزيد من مخاطر العدوى. أما الأسر محدودة الدخل فسوف تستمر في الاعتماد على خدمات توصيل الوجبات السريعة إلى المنازل لأنها أرخص وأوفر جهداً من إعداد الوجبات في المنازل. وتلتزم المطاعم فيما بعد «كوفيد19» بخطوات تطهير المطابخ دورياً، ورفع مستوى نظافة العاملين في إعداد الطعام، والاستمرار في توفير خدمات «الديلفري».
- التوجه نحو بدائل اللحوم: تغير أسلوب الحياة أثناء فترة «كورونا» نحو استهلاك الطعام النباتي والعضوي. وساهم في ذلك إغلاق مطاعم البرغر والأكلات السريعة. هذا التوجه سوف يتحول إلى أسلوب حياة في المستقبل بالاعتماد الأقل على اللحوم والتوجه نحو البدائل الصحية. وسوف يساهم في انتشار هذا الأسلوب ظهور نماذج من مطاعم جديدة توفر قوائم طعام صحية تشمل بدائل اللحوم وتخلو من الدهون. وسوف توفر هذه المطاعم بدائل أرخص تتواءم مع مرحلة تقشف آتية بعد عصر «كورونا». كما تظهر موجة جديدة من الأطعمة النباتية والبدائل التي تشبه اللحوم تماماً ولكنها تعتمد على البروتين النباتي. وتمتد هذه البدائل من مطاعم صغيرة تعمل بأسلوب فردي جديد، إلى الشركات الكبرى، مثل «ماكدونالدز» و«برغر كينغ»، التي تعود بقوائم طعام جديدة تشمل البدائل النباتية. وسوف يتناول غير النباتيين هذه الأطعمة على سبيل التجربة، ليكتشف البعض أنها لا تختلف كثيراً عن طعم اللحوم وتوفر مزايا صحية أفضل. ولن تكون معظم الأطعمة النباتية ابتكارات حديثة؛ وإنما إعادة اكتشاف لأطعمة إثنية من ثقافات أخرى لها تاريخ طويل، مثل الأطعمة الهندية والشرق أوسطية مثل الفلافل التي ستقدم في صيغة برغر نباتي بطعم يخلو من التوابل الحريفة.
- تحسن نوعية أطعمة الشوارع: كانت مرحلة «كوفيد19» أكثر تأثيراً على أطعمة الشوارع التي تراجع الإقبال عليها بشكل كبير مع زيادة الوعي بأهمية نظافة التحضير ونوعية المأكولات للبعد عن العدوى. بعد مرحلة «كورونا» سوف تستعيد أطعمة الشوارع شهرتها، ولكن في إطار جديد من الرقابة على النظافة؛ بما في ذلك ارتداء الأقنعة والقفازات أثناء تقديم الطعام وتحسين نوعية ما تقدمه هذه المنافذ. وسوف تدخل السوق منافذ بيع لأطعمة أرقى وأكثر تنوعاً بحيث يحصل المشتري على نوعية تشبه ما تقدمه المطاعم الراقية ولكن بأسعار أرخص. وفي المدى المنظور سوف تنخفض مبيعات الأطعمة المكشوفة، مثل السوموسا الهندية وأصابع الخضراوات الصينية وأصابع السجق الأوروبية، خوفاً من أساليب تحضيرها التي قد تفتقد إلى النظافة التامة، وذلك رغم تأكيد خبراء الصحة أن عدوى «كوفيد19» لا تنتقل عن طريق الأطعمة. كذلك سوف يقل الإقبال على الطعام الصيني من كل منافذه للأسباب نفسها. ومع ذلك، فإن الإقبال على المذاقات الإثنية من بلدان جنوب أوروبا والشرق الأوسط سوف يزداد، وهو توجه بدأ قبل موجة «كوفيد19» وانتشر في مهرجانات الطعام التي كانت تعقد دورياً في بريطانيا.
- الأطعمة المنزلية أفضل: بعد أشهر عدة من العزل في المنازل والاضطرار إلى الاعتماد الذاتي في تحضير وتقديم الطعام المنزلي، اكتسب كثير من الطهاة الهواة خبرة جيدة في إعداد وجبات منزلية لا تقل جودة عن وجبات المطاعم. ومن المتوقع أن يستمر هؤلاء بعد فترة الوباء في استعراض مهاراتهم في الطهي، خصوصاً أن المرحلة التالية للوباء سوف تكون مرحلة تقشف مع تراجع عروض الوظائف والنسب العالية من البطالة. هذا التوجه اكتشفته شركات السوبر ماركت واستعدت له بتوفير ما يعرف باسم «السلع الوسيطة» التي تسهل مهمة الطهي المنزلي. وزادت هذه الشركات من معروضات الصلصات الجاهزة للباشميل والبولونيز والباستا الطازجة والبصل المخروط المجمد والأرز المسلوق الجاهز للتقديم بعد تسخينه في المايكرويف. كما عاد بقوة الاعتقاد بأن الأطعمة المُعدّة منزلياً أفضل من تلك الجاهزة، حتى لهؤلاء الذين يعيشون بمفردهم ويعتمدون على الوجبات المنزلية الصغيرة أو السندويتشات. وقد مهدت فترة العزل الصحي لاكتساب الثقة في تحضير كثير من الوجبات المنزلية. وفي بعض الحالات جمعت الوجبات المنزلية من شمل العائلات في المنازل مرة أخرى، وهو توجه يسعى الأفراد إلى امتداده للمستقبل.
- تراجع الإقبال على المطاعم: كل التوجهات السابقة من الاعتماد على «الديلفري»، إلى إعداد الوجبات المنزلية، سوف تؤدي إلى تراجع الإقبال على المطاعم. وهناك عوامل أخرى، مثل تراجع مستوى الدخل العام، والخوف من جوانب النظافة، والتوجه نحو وجبات صحية يعدها المستهلك بنفسه ويعرف كل محتوياتها ونظافة تحضيرها. وقد يقتصر الإقبال على المطاعم على المناسبات الخاصة في المستقبل. ويشمل التراجع أيضاً الفئات العمرية من كبار السن، كما سوف يقل الإقبال من الصغار على منافذ بيع الوجبات السريعة.
من العوامل القاهرة المؤقتة خلال الشهور المقبلة أيضاً ضرورة التباعد الاجتماعي وشروط خفض عدد الزبائن وتوفير مساحات كافية بين الموائد. ويعتقد بعض الخبراء أن هذه الإجراءات قد تستمر إلى ما بين عام وعامين، أو إلى نهاية الفيروس بتعميم تطعيم ضده. وسوف يؤدي ذلك إلى خفض إيرادات المطاعم إلى النصف تقريباً وأضرار بعضها يصل إلى الإغلاق. وسوف تضطر المطاعم الباقية في السوق إلى إعادة النظر في قوائم الطعام والأسعار من أجل استعادة أكبر نسبة ممكنة من الزبائن. ومن ناحيتها، سوف تقوم المطاعم أيضاً بالاعتماد على تقنيات جديدة وعلى طمأنة الزبائن بتصميمات جديدة تتيح رؤية المطابخ خلف حواجز زجاجية تؤكد لهم على مستويات نظافة إعداد وجباتهم.


مقالات ذات صلة

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

رياضة عالمية غرانيت تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا (رويترز)

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

يعود غرانيت تشاكا لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا مجدداً، وذلك بعد غيابه عن آخر أربع مباريات لاعترافه بتزوير شهادات تطعيمه خلال جائحة كورونا (كوفيد - 19).

«الشرق الأوسط» (برن)
صحتك الهواء الجاف قد يؤثر في الأنف والحلق (بيكسلز)

لماذا يزيد الشعور بالتهاب الحلق في الخريف؟

إذا كنت تعاني من ألم في الحلق حالياً، يرى خبراء أن جفاف الهواء خلال فصل الخريف قد يكون وراء هذا الشعور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.