السينما التونسية تنتعش مع بدء عرض أفلامها على «نتفليكس»

شعار منصة «نتفليكس» (أرشيفية - رويترز)
شعار منصة «نتفليكس» (أرشيفية - رويترز)
TT

السينما التونسية تنتعش مع بدء عرض أفلامها على «نتفليكس»

شعار منصة «نتفليكس» (أرشيفية - رويترز)
شعار منصة «نتفليكس» (أرشيفية - رويترز)

تحقّق السينما التونسية قفزة جديدة تزيد من انتشارها مع بدء منصة «نتفليكس»، قبل أسابيع، عرض أفلام تونسية أنتجت خلال السنوات الأخيرة.
في مطلع القرن الحالي، كانت السينما التونسية فيما يُشبِه حالة موت بطيء، إذ لم تكن تنتج أكثر من فيلمين أو ثلاثة في السنة. لكن في عام 2012 سجلت نقلة نوعية وصارت تنتج سنويا 12 فيلماً طويلاً لاقى معظمها استحسان الجمهور محلياً وعربياً ودولياً، ونالت جوائز في مهرجانات سينمائية شهيرة، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».
وتمكّن جيل شاب من المخرجين والمنتجين التونسيين من تناول مواضيع اجتماعية وسياسية، بينها الحريات الفردية والتشدد الديني وحقوق المرأة، التي كانت تخضع لرقابة مشددة قبل ثورة 2011 وتقديمها في طرح جريء، فساهموا في ظهور «سينما جديدة»، على ما يرى كثير من السينمائيين في تونس.
وفي أول تعاون بين مخرجين تونسيين وخدمة «نتفليكس» للبث التدفقي، ستعرض المنصة الأميركية العملاقة أعمالاً سينمائية من تونس.
وتقول مديرة قسم المشتريات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا في «نتفليكس»، نهى الطيب: «نبحث عن مواضيع تحفّز على الإبداع والخيال وتثير نقاشاً (...)، والأفلام التونسية تتمتع بقدرة فائقة على معالجة قضايا جوهرية»، معتبرةً الخطوة «منصة للتعبير بين سينمائيين من العالم العربي والجمهور العريض».
وتضيف: «القصص العظيمة تأتي من أي مكان. وما يهمنا خصوصاً القصص المحلية الأصيلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعدّ بوتقة لثقافات متنوعة مختلفة»، عما هي الحال في الدول الغربية.
وسيضيف عملاق البث التدفقي الذي يتخذ في كاليفورنيا مقراً، قريباً إلى منصته نحو الأربعين فيلماً عربياً، من بينها أربعة أفلام روائية طويلة من تونس أُنتجت في الفترة ما بين 2017 و2019. بحسب بيان صدر عنه أمس (الخميس).
ومن المتوقّع أن يبث الفيلم الروائي الطويل «نورا تحلم» للمخرجة التونسية هند بوجمعة، اعتباراً من 25 يونيو (حزيران).
ويعالج الفيلم الحائز الجائزة الكبرى في «مهرجان قرطاج السينمائي»، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مسائل حساسة ومحظورة اجتماعياً، من خلال قصة أمّ كادحة من وسط شعبي تتعرض لعنف مادي ومعنوي، لكنها تستمر في الحلم بحياة أفضل مع حبيبها الذي تلتقيه خلسة.
وتقوم الممثلة التونسية هند صبري بدور الأم فيه. وأعلنت صبري الشهر الماضي أنها بدأت تعاونا مع منصة «نتفليكس» في إطار الإنتاج. وكتبت على حسابها على «إنستغرام» قائلة: «أشعر بالحماسة والسعادة، وأنا أشارككم خبر انضمامي إلى عائلة (نتفليكس) في عمل فني جديد يحمل رؤية جديدة تتركز حول المرأة العربية».
وأضافت: «للمرة الأولى، سأكون منتجة تنفيذية لمسلسل عربي يُعرَض على نطاق عالمي». ومن المتوقع أن ينطلق التصوير في خريف 2021. كذلك، ستعرض «نتفليكس» فيلم «بيك نعيش»، باكورة الأعمال السينمائية الطويلة للمخرج الشاب مهدي البرصاوي، الذي يتناول العلاقات العائلية وحدود الحريات الجديدة بعد ثورة العام 2011 في تونس.
واستهلت «نتفليكس» العروض التونسية ببث فيلم «على كفّ عفريت» لكوثر بن هنية في مايو (أيار) الماضي. ويتطرق إلى صعوبات واجهت امرأة تونسية تعرضت للاغتصاب، وهو مقتبَس من واقعة اغتصاب أمنيين لفتاة هزّت الرأي العام في تونس، عام 2012.
وتلاه عرض فيلم «دشرة»، أول فيلم رعب تونسي، لعبد الحميد بوشناق في السادس من يونيو (حزيران) الحالي.
ويرصد الفيلم الذي حقّق نجاحاً كبيراً عند انطلاق عروضه، العام الماضي، مع مشاهدة أكثر من 350 ألف شخص له، ظاهرة السحر والشعوذة وأكل لحوم البشر.
وتقول بوجمعة: «أشعر بالفخر (...)، هذا التعاون السينمائي يُعدّ اعترافاً دولياً بالسينما التونسية وبجودتها»، واصفة العمل السينمائي بأنه «كالرضيع، ينمو ويتطور بفضل الجمهور». وتعبّر عن أملها «في أن يشكل هذا التعاون حافزاً لمزيد من دعم السينمائيين» في بلادها.
ويعتبر المخرج التونسي الشاب بوشناق أن «الوقت حان لكي تنطلق السينما التونسية نحو العالمية». ويواجه قطاع السينما في تونس عراقيل عدّة منها تشريعات قانونية قديمة لا تنظم العلاقة بين المنتجين والموزعين والتمويل.
وأعلنت وزارة الثقافة التونسية، في مارس (آذار) الماضي، عن استراتيجية جديدة من أجل دفع الحياة الثقافية في مختلف المجالات و«إبراز الهوية التونسية للعالم». وأقامت «يوماً مفتوحاً لمناقشة قانون الفنانين والمهن الفنية» الذي يطالب به أهل الاختصاص.
وإذا كان التعاون بين السينما التونسية و«نتفليكس» بدأ حديثاً، فإن المنصة تستضيف أعمالاً عدة من العالم العربي.
ويقول المخرج المصري يسري نصر الله إن «نتفليكس» أعطت «حياة جديدة لأفلامي التي أصبحت في متناول جمهور شاب واسع». ومن بين أعماله التي ستبث على «نتفليكس» فيلما «المدينة» و«مرسيدس» اللذان أُنتجا تباعاً في 1999 و1993.
وستعرض المنصة الفيلم الجزائري «بابيشا» لمنية مدور، الممنوع في الجزائر. وكان خروج الفيلم إلى الصالات في الجزائر مقررّاً في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه مُنع في اللحظة الأخيرة من دون تبريرات من السلطات الجزائرية.
ويروي «بابيشا» قصة الطالبة «نجمة» خلال الحرب الأهلية التي مزقت البلاد بين عامي 1992 و2002.
وأعلنت شركة «نتفليكس»، أمس (الخميس)، ارتفاع أرباحها مع ازدياد عدد المشتركين في خدماتها للبث التدفقي بنحو 16 مليوناً في العالم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، نصفهم تقريباً في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
وأضاف البيان الصادر عنها: «أوقفنا معظم إنتاجنا في كل أنحاء العالم استجابة لتدابير الإغلاق التي فرضتها الحكومات (...) وسنجد طريقة لدعم برنامجنا هذا العام».



كيف يربي الآباء الأطفال المتميزين؟ 9 خطوات بسيطة لكنها فعّالة

طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
TT

كيف يربي الآباء الأطفال المتميزين؟ 9 خطوات بسيطة لكنها فعّالة

طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)
طفل يقوم بممارسة هواية الرسم والتلوين (بيكسلز)

عندما نفكر في الأطفال الناجحين، يتبادر إلى أذهان كثيرين طلاب متفوقون دراسياً، أو فائزون بجوائز رياضية، أو حاصلون على خطابات قبول جامعية مرموقة.

لكن بعد سنوات من دراسة أكثر من 200 علاقة بين الآباء والأبناء، تبيّن أن النجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في الإنجاز الأكاديمي أو التفوق الظاهري، بل في تربية أطفال واثقين بأنفسهم، مستقرين عاطفياً، ومتصلين بعمق بذواتهم وبالعالم من حولهم، وذلك وفقاً لما أوردته شبكة «سي إن بي سي».

الآباء الذين أدركوا هذه الحقيقة تبنّوا، في كثير من الأحيان، استراتيجيات غير تقليدية، أعطت الأولوية للفضول، وحب التعلم، والذكاء العاطفي، بدلاً من الانشغال المفرط بالتوقعات المجتمعية.

وفي ما يلي تسعة أمور قام بها هؤلاء الآباء بشكل مختلف منذ البداية، وفقاً لريم روضة، مدرّبة التربية، وأم، ومبتكرة «باوند»، وهي مجلة للتواصل بين الوالدين والطفل تهدف إلى تنمية الذكاء العاطفي وتقدير الذات:

1. عملوا على تطوير أنفسهم

بدلاً من التركيز المفرط على كيفية استجابة أطفالهم للمواقف الصعبة، أدرك هؤلاء الآباء أن سلوكهم الشخصي هو العامل الأكثر تأثيراً في تنمية مرونة أطفالهم. فحرصوا على أن يكونوا قدوة في القوة الذهنية والعاطفية، من خلال إدارة ضغوطهم وانفعالاتهم أمام أطفالهم بطريقة صحية.

2. امتنعوا عن قول «أحسنت!» باستمرار

بدلاً من الاكتفاء بعبارة «أحسنت!»، شجّعوا أبناءهم على التأمل الذاتي بعبارات مثل: «يجب أن تفخر بنفسك» أو «لقد بذلت جهداً كبيراً في هذا العمل، كيف تشعر تجاه ما أنجزته؟».

ورغم أن عبارة «أحسنت!» تنطوي على نية طيبة، فإن تكرارها قد يعزز اعتماد الطفل على التقدير الخارجي. لذلك ركز هؤلاء الآباء على تنمية الدافع الداخلي لدى أبنائهم، ومساعدتهم على الاعتزاز بإنجازاتهم انطلاقاً من شعورهم الشخصي بالفخر.

3. ركزوا على علاقتهم بأطفالهم

من خلال قضاء وقت نوعي مع أبنائهم، وممارسة الاستماع الفعّال، ومشاركة التجارب اليومية معهم، جعلوا الأطفال يشعرون بالتقدير والأمان والتفهم. وقد أسهم ذلك في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، ومنحه الجرأة لخوض التجارب وتحقيق النجاح.

4. لم يعاقبوا أطفالهم

تجنب هؤلاء الآباء أسلوب العقاب التقليدي، لإدراكهم أنه غالباً ما يولّد الاستياء ويؤدي إلى الانفصال العاطفي، بدلاً من تعليم المهارات.

وبدلاً من ذلك، سمحوا للعواقب الطبيعية بأن تؤدي دورها التربوي. فعلى سبيل المثال، إذا نسي الطفل أداء واجبه المدرسي، كان عليه أن يشرح الأمر لمعلمه، وهو موقف يتيح له تعلم المسؤولية ومهارات حل المشكلات. وقد ساعد هذا النهج في بناء حس المساءلة وتعزيز المرونة.

5. لم يكافئوا التفوق الأكاديمي

بدلاً من تقديم مكافآت مقابل الدرجات الجيدة، ركزوا على غرس حب التعلم في نفوس أطفالهم. سواء أكان الطفل متفوقاً أم يواجه صعوبات، ظل الاهتمام منصباً على نموه وتطوره، مع التأكيد له أن درجاته لا تحدد قيمته الشخصية.

6. فضّلوا الأسئلة على الإجابات

شجّعوا أبناءهم على طرح أسئلة «لماذا» و«كيف»، بدل الاكتفاء بالبحث عن الإجابة «الصحيحة» فقط. وقد عزز هذا النهج فضول الأطفال، ومنحهم الثقة في التفكير النقدي وتحدي الوضع القائم، وهي صفات أساسية في قادة المستقبل.

7. سمحوا لأطفالهم بأن يعلّموهم شيئاً ما

سواء أكان الأمر يتعلق بحل مسألة رياضية أم بشرح لعبة مفضلة، منحت هذه اللحظات الأطفال شعوراً بالأهمية والكفاءة.

ومن خلال التراجع قليلاً وإتاحة المجال لأبنائهم لتولي زمام المبادرة، أظهر هؤلاء الآباء احتراماً لقدرات أطفالهم، وعززوا ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بالقيمة.

8. جعلوا القراءة عادة يومية

لم تُقدَّم القراءة بوصفها واجباً ثقيلاً، بل كانت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. سواء أكانت كتباً مصورة تُقرأ قبل النوم، أم روايات يُستمتع بها في أوقات الهدوء، أصبحت القراءة نشاطاً مألوفاً ومحبباً، ما عزز الإبداع وحب التعلم مدى الحياة.

9. علّموا أطفالهم تقبّل مشاعرهم

تعامل هؤلاء الآباء مع المشاعر باعتبارها تجارب ذات قيمة، وليست أموراً ينبغي إصلاحها أو تجنبها.

فعندما كان الطفل يشعر بالحزن بعد خسارة لعبة، على سبيل المثال، قد يقول أحد الوالدين: «أرى كم أن هذا الأمر مهم بالنسبة لك. من الصعب أن تخسر شيئاً عزيزاً عليك». وقد ساعد هذا النوع من التعاطف والدعم البسيط الطفل على فهم مشاعره والتعامل معها، وبناء مرونته النفسية على المدى الطويل.


هولندا تمنح موظفيها يوماً إضافياً للحياة… فهل كانت النتيجة أفضل؟

موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
TT

هولندا تمنح موظفيها يوماً إضافياً للحياة… فهل كانت النتيجة أفضل؟

موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)
موظفة تعمل في الأرشيف الجيولوجي للمتحف الملكي لأفريقيا الوسطى بالقرب من بروكسل (أ.ف.ب)

تبنّى الهولنديون، بهدوء ومن دون ضجيج، نظام العمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع. لكن تكثر التساؤلات حول أثر هذا النظام، وما إذا كان سيستمر على المدى الطويل.

يقول غافين آرم، الشريك المؤسس لشركة Positivity Branding الصغيرة في أمستردام: «أطفالك يكونون صغاراً مرة واحدة فقط».

ويضيف: «معظم الناس، عندما يديرون شركة، يكرّسون أنفسهم لها ويعملون بجد لتحقيق النجاح. وغالباً ما يفعلون ذلك من أجل أطفالهم. لكن عندما يكبر هؤلاء الأطفال، ينظر الآباء إلى الوراء ويقولون: لقد فاتني ذلك الجزء من حياتهم، وهذا أمر مؤسف. نحن لا نريد أن نكون مثلهم».

كان آرم يتحدث إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من مكتب شركته المريح في العاصمة الهولندية، داخل حي يشتهر بأسواقه الصاخبة وتاريخه البوهيمي وتسارُع وتيرة تطوره العمراني.

وتقدّم الشركة، التي أسسها بالاشتراك مع زميله بيرت دي ويت، خدمات استشارية للشركات في ما يتعلق بهوية علاماتها التجارية وتصميم وتغليف منتجاتها.

قبل سبع سنوات، قرر آرم ودي ويت تحويل نظام العمل في شركتهما - لهما ولموظفيهما - إلى أربعة أيام في الأسبوع.

لم يُطلب من الموظفين قبول أي تخفيض في رواتبهم، كما لم يُطلب منهم العمل لساعات أطول خلال الأيام الأربعة. بل ظلّ إجمالي ساعات العمل ثابتاً عند 32 ساعة أسبوعياً، أي ثماني ساعات يومياً.

ويقول دي ويت، رافضاً فكرة أن موظفيه يعملون جهداً أقل مقابل الأجر ذاته: «كان تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية هو جوهر هذا النظام». ويضيف أن الفكرة تقوم على «العمل بذكاء، لا بجهد أكبر».

ويتابع: «في بلدان أخرى، قد يقضي الموظفون وقتاً طويلاً في أماكن العمل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يعملون بفاعلية طوال تلك الساعات. إن تغيير ثقافة العمل وطريقة التفكير هو التحدي الأكبر».

انتشار واسع وضغط نقابي

أصبح العمل أربعة أيام في الأسبوع شائعاً في هولندا منذ سنوات، حتى إن بعض الشركات الكبرى اعتمدته.

وفي الوقت نفسه، يواصل أكبر اتحاد نقابات عمالية في البلاد (FNV)، الضغط على الحكومة الهولندية لاعتماد هذا النظام كتوصية رسمية. ومع ذلك، يتمتع الموظفون الهولنديون بالفعل بحق قانوني في طلب تخفيض ساعات عملهم.

تقول ماريكي بيبرز، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة البرمجيات الهولندية Nmbrs: «نحب أن نمنح أنفسنا وقتاً للراحة. أفضل الأفكار تراودني عندما أتمشى مع كلبي».

وتحصل بيبرز على إجازة كل يوم جمعة. وتضيف: «لا أحد ينتظرني، فأجد الإلهام وأكون في حالة ذهنية أفضل».

وتؤكد أن الشركة، منذ اعتمادها نظام الأربعة أيام، «شهدت انخفاضاً في معدلات مرض الموظفين وارتفاعاً في نسبة الاحتفاظ بهم». لكنها تشير إلى أن تطبيق الفكرة لم يكن سهلاً في البداية.

وتوضح: «كان علينا إقناع المستثمرين. حتى موظفونا كانوا متشككين في البداية، ومن بين ردود أفعالهم: لا أستطيع إنجاز عملي في خمسة أيام، فكيف سأفعل ذلك في أربعة؟ شعر البعض بضغط كبير. لكن كان علينا أن نكون دقيقين جداً في تحديد أولوياتنا، فقلّلنا عدد الاجتماعات».

إنتاجية مرتفعة وساعات عمل أقل

حظي تبنّي هولندا الهادئ لأسبوع العمل ذي الأربعة أيام باهتمام دولي واسع. ويبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية للموظفين الهولنديين 32.1 ساعة، وهو الأدنى في الاتحاد الأوروبي، وأقل بكثير من متوسط الاتحاد البالغ 36 ساعة.

في المقابل، يظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هولندا من بين الأعلى في أوروبا، ويقترب من صدارة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ذات الاقتصادات المتقدمة.

ويتحدى ذلك الافتراض السائد بأن الدول الغنية تحتاج إلى ساعات عمل طويلة للحفاظ على قدرتها التنافسية.

هل يُعدّ أسبوع العمل الهولندي القصير نجاحاً اقتصادياً؟

تقول دانييلا غلوكر، الخبيرة الاقتصادية في مكتب هولندا بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «صحيح أن هولندا تتمتع بإنتاجية عالية وساعات عمل أقل، لكن ما لاحظناه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية هو أن الإنتاجية لم تشهد نمواً يُذكر. لذلك، إذا أراد الهولنديون الحفاظ على مستوى معيشتهم، فعليهم إما زيادة الإنتاجية أو زيادة المعروض من العمالة».

وتعني بذلك أنه ينبغي على العاملين الحاليين إنتاج مزيد من السلع والخدمات يومياً، أو أن تدخل أعداد أكبر من الأشخاص إلى سوق العمل، ربما عبر زيادة الهجرة.

تُعدّ هولندا الدولة ذات أعلى نسبة من العاملين بدوام جزئي بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ يعمل نحو نصف الموظفين بدوام أقل من الكامل.

وتؤدي الأجور المرتفعة، إلى جانب هيكل الضرائب الذي يفرض عبئاً أكبر على شريحة الدخل المتوسطة، إلى تقليل جاذبية العمل لساعات إضافية، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى تفضيل الوقت على زيادة الدخل.

ويشير تحليل حكومي إلى أن ثلاثاً من كل أربع نساء، وواحداً من كل أربعة رجال، يعملون أقل من 35 ساعة أسبوعياً.

وتجادل النقابات بأن تقليص يوم عمل أسبوعياً يمكن أن يعزز الطاقة والإنتاجية ويُحسّن المجتمع عموماً، كما أن اعتماد نظام منتظم من أربعة أيام قد يحافظ على وظائف أشخاص قد ينسحبون من سوق العمل نهائياً.

غير أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحذّر من أن هذه الميزة ترافقها ضغوط متزايدة. فمثل غيرها من الدول، تواجه هولندا شيخوخة سكانية؛ ومع ارتفاع أعداد المتقاعدين، يتراجع عدد العاملين.

ويقول نيكولاس غون، الخبير الاقتصادي في المنظمة: «الهولنديون أغنياء ويعملون ساعات أقل، لكن السؤال هو: إلى أي مدى يمكن استدامة هذا الوضع؟ لا يمكن إنجاز الكثير بعدد محدود من العمال. ما نراه هو أن هولندا تواجه قيوداً من جميع الجهات، والحل الأمثل لتخفيف هذه القيود هو زيادة المعروض من العمالة».

من بين سبل زيادة المعروض من العمالة رفع نسبة النساء العاملات بدوام كامل. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات توظيف النساء، فإن أكثر من نصفهن يعملن بدوام جزئي، وهي نسبة تقارب ثلاثة أضعاف متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ولا يزال توفير خدمات رعاية أطفال بأسعار معقولة يمثل عائقاً رئيسياً، كما أن ارتفاع ضرائب الدخل وتعقيد نظام المزايا الاجتماعية قد يثنيان بعض الأشخاص، خصوصاً المعيلين الثانيين في الأسرة، عن زيادة ساعات عملهم.

ويشير بيتر هاين فان موليجن، من مكتب الإحصاء الهولندي، إلى وجود «نزعة محافظة مؤسسية» متجذرة في المجتمع الهولندي، تُشكّل عائقاً أمام مشاركة المرأة بدوام كامل.

وأظهرت دراسة أُجريت عام 2024 أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في هولندا يرى أن الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار جداً (ثلاث سنوات أو أقل) ينبغي ألا يعملن أكثر من يوم واحد في الأسبوع، بينما يعتقد نحو 80 في المائة أن ثلاثة أيام أسبوعياً هي الحد الأقصى.

ترى إيفيت بيكر، من نقابة FNV، أن أسبوع العمل لأربعة أيام يمكن أن يساهم في تقليص الفجوة بين الجنسين، مضيفة: «تزداد الإنتاجية عندما تنخفض معدلات التغيب عن العمل».

وفي شركة Positivity Branding، يؤكد دي ويت أن هذا النظام يجعل فرص العمل «أكثر جاذبية»، خاصة في القطاعات التي تعاني نقصاً في الكوادر، مثل التعليم والرعاية الصحية. ويضيف: «قد يكون ذلك وسيلة لجعل هذه المهن أكثر جذباً واستعادة الإنتاجية».

أما شريكه آرم، فيختصر المسألة بقوله عن أسبوع العمل لأربعة أيام: «هل أنتم أكثر سعادة؟ هل تستمتعون بحياتكم أكثر؟ هذا هو جوهر الأمر».


الدراما الخليجية تعود إلى السبعينات... من «شارع الأعشى 2» إلى «الغميضة»

‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
TT

الدراما الخليجية تعود إلى السبعينات... من «شارع الأعشى 2» إلى «الغميضة»

‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩
‎⁨الممثلة إلهام علي تتوسط نجوم الموسم الجديد من مسلسل «شارع الأعشى» (حساب الفنانة في منصة إكس)⁩

يشكّل عقد السبعينات من القرن الماضي سمة لافتة في أبرز أعمال الدراما الخليجية المرتقبة لشهر رمضان، بوصفه فضاءً غنياً بالحكايات والتحولات الاجتماعية، من خلال عملين، هما «شارع الأعشى 2» و«الغميضة»، حيث يتناول كلاهما الذاكرة الجماعية بوصفها مادة درامية حيّة، ويعيدان تشكيلها عبر قصص إنسانية تتقاطع فيها العائلة والمجتمع، في سياق يوازن بين الحكاية الشعبية والرؤية الفنية المعاصرة.

ويستكمل هذا التوجه ما اعتاد عليه الجمهور في رمضان من استثمار التاريخ الاجتماعي القريب بوصفه مرآة لقراءة الحاضر، حيث تتحوّل البيوت والأحياء والشوارع القديمة مسارح للصراع الدرامي، وتغدو التفاصيل اليومية مدخلاً لفهم أعمق للعلاقات والقيم والاختيارات الفردية.

«شارع الأعشى 2»... يستكمل الحكاية

يأتي الجزء الثاني من المسلسل السعودي «شارع الأعشى» ليواصل استكشاف حياة سكان الحي في الرياض خلال عقد السبعينات، وهي مرحلة اتسمت بتحولات اجتماعية وثقافية تركت أثرها العميق في بنية المجتمع والعلاقات الإنسانية. وبعد النجاح الذي حققه الجزء الأول، يعود العمل ليبني على ما سبق، ويمنح شخصياته مساحات أوسع للتطور والتغيّر، مع تصاعد واضح في مستوى الرهانات الدرامية. ويركّز الموسم الجديد على مصائر الشخصيات التي وصلت في نهاية الجزء الأول إلى لحظات حاسمة، كما يتجه إلى توسيع نطاق الحكاية خارج الإطار الأولي للرواية التي استُلهم منها العمل، عبر إضافة خطوط درامية تخدم استمرارية السرد، إلى جانب إدخال وجوه جديدة يُنتظر أن تلعب أدواراً مؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحي.

ووفقاً لبرومو العمل، تبرز شخصية «وضحى» التي تؤديها الممثلة السعودية إلهام علي بوصفها إحدى الركائز الأساسية في السرد، حيث تشهد مسيرتها تحولات تضعها في قلب الصراع بين الرغبة الشخصية والقيود الاجتماعية. ويعود بقية أبطال العمل، وفي مقدمتهم خالد صقر في دور «أبو إبراهيم»، وعائشة كاي بدور «أم إبراهيم»، إلى جانب أميرة الشريف، ولمى عبد الوهاب، وآلاء سالم ومها الغزال، الذين يواصلون تقديم أدوارهم ضمن قصص الحي. كما يشهد الجزء الثاني انضمام وجوه جديدة تمثل عناصر جذب للجمهور، على رأسهم مهند الحمدي وناصر الدوسري، في أدوار يُتوقع أن تضيف توترات وصراعات جديدة إلى المسار الدرامي.

الفنانة هدى حسين في بوستر مسلسل «الغميضة» (إيغل فيلم برودكشين)

«الغميضة»... كويت السبعينات

وفي المسار نفسه، يقدّم مسلسل «الغميضة» تجربة خليجية تنطلق من الكويت في سبعينات القرن الماضي، وتتمحور حول شخصية «وداد» التي تؤديها النجمة هدى حسين، وهي أم كفيفة تعيش وسط أسرتها وتواجه تعقيدات الحياة اليومية والعلاقات الأسرية. ومن خلال هذه الشخصية، يبني العمل حكاية تتشابك فيها العاطفة مع الصراع، وتبرز فيها التوترات بين المصالح الفردية وروح العائلة.

يحمل «الغميضة» توقيع الكاتبة هبة مشاري حمادة، المعروفة باهتمامها بالبعد الإنساني والاجتماعي في نصوصها، في حين يتولى إخراجه علي العلي، ويشرف على إنتاجه جمال سنان عبر شركة «إيغل فيلم». وقد جرى اختيار محافظة الأحساء موقعاً للتصوير؛ لما تحمله من ملامح تراثية قادرة على تجسيد أجواء السبعينات بصرياً، بما يمنح العمل خلفية مكانية تضيف إلى صدقيته التاريخية وتساعد في بناء عالم درامي متكامل تتفاعل فيه الشخصيات مع المكان بوصفه عنصراً سردياً فاعلاً.

ويتصدّر بطولة «الغميضة» عدد من النجوم الخليجيين إلى جانب هدى حسين، من بينهم محمود بوشهري، وفاطمة الصفي، وليلى عبد الله، ولولوة الملا، وميس قمر، وزهرة الخرجي ومنصور البلوشي، وغيرهم.

الممثل إبراهيم الحجاج يعود بجزء جديد في مسلسل «يوميات رجل متزوج» (إيغل فيلم برودكشين)

حضور طاغٍ للكوميديا السعودية

وإلى جانب هذه العودة الواضحة إلى السبعينات عبر «شارع الأعشى 2» و«الغميضة»، يشهد الموسم الرمضاني حضوراً سعودياً متنوعاً يراهن على الكوميديا الاجتماعية بوصفها مرآة للحياة اليومية، ويبرز في هذا السياق مسلسل «يوميات رجل متزوج» كأحد الأعمال التي تختار الاقتراب من تفاصيل البيت والعلاقة الزوجية بلغة خفيفة الظل، يقودها إبراهيم الحجاج في دور رجل يكتشف أن الزواج يفتح باباً واسعاً من المواقف غير المتوقعة. ويشارك في بطولته عدد من الوجوه الشابة، مثل فاطمة الشريف وآيدا القصي، في عمل يتناول مفارقات الحياة اليومية داخل الأسرة، ويحوّل التفاصيل الصغيرة مادة كوميدية قادرة على التواصل مع جمهور واسع يبحث عن ترفيه قريب من واقعه.

وفي مساحة الكوميديا الشعبية التي اعتاد عليها الجمهور، تواصل بعض الأعمال حضورها بثقة، وعلى رأسها «شباب البومب» في موسمه الرابع عشر، حيث يعود فيصل العيسى ورفاقه لتقديم يوميات الشباب بلغة ساخرة تستمد مادتها من التحولات الاجتماعية والتقنية المتسارعة. وبالنبرة نفسها، يواصل «جاك العلم» في جزئه الثالث تقديم كوميديا المواقف المستوحاة من الحياة العائلية والجوار، عبر شخصيات أصبحت مألوفة للمشاهد، وتحويل التفاصيل البسيطة مشاهد تحمل طابعاً ساخراً ودافئاً في آن واحد، بما يضيف إلى الخريطة الرمضانية بعداً خفيفاً يوازن ثقل الدراما الاجتماعية والتاريخية ويمنح الموسم تنوعه الواضح في النبرة والموضوع.

الدراما التاريخية

وفي اتجاه مختلف، تحضر الدراما التاريخية عبر مسلسل «كحيلان» الذي يفتح نافذة على نجد القديمة، ويستعيد أجواء الصراعات القبلية بلغة بصرية تقوم على الصحراء والبيئة النجدية بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد. ويضم العمل أسماء مثل مطرب فواز، وعبد العزيز السكيرين وريم الحبيب، ويقدّم حكاية تتقاطع فيها السلطة بالولاء، وتتحول فيها القبيلة مسرحاً لصراعات إنسانية تتجاوز بعدها الزمني، حيث يغدو التاريخ محرّكاً درامياً يمنح الشخصيات ثقلها ويضفي على الحكاية نبرة ملحمية واضحة.

الدراما الخليجية... تصدّر البطولات النسائية

وعلى مستوى الدراما الخليجية، يبدو الاعتماد على البطولات النسائية سمة بارزة في عدد من الأعمال، حيث يبرز مسلسل «غلط بنات» بوصفه عملاً اجتماعياً يتكئ على منظور نسائي، ويجمع أسماء معروفة مثل إلهام الفضالة، وجمال الردهان، وفاطمة الشرقاوي وعبد الله بهمن، ضمن حكاية تتناول العلاقات الإنسانية والتوترات اليومية داخل الأسرة والمجتمع. وهو عمل من تأليف جميلة جمعة وإخراج سائد بشير الهواري.

وبالخط العائلي نفسه، يحضر مسلسل «بنات عبد الغني» كدراما أسرية تتمحور حول علاقة الأب ببناته وصراع الأجيال داخل البيت الخليجي. تقود البطولة هنادي الكندري إلى جانب عبد الله التركماني، وليالي دهراب، وسعود بوشهري ومرام البلوشي، في عمل كتبه علي الدوحان، ويركّز على التوترات التي تنشأ من اختلاف القيم والتوقعات بين الآباء والأبناء.

وفي مساحة الدراما العائلية، يقدّم مسلسل «أمور عائلية» صورة بانورامية عن شبكة العلاقات داخل الأسرة الخليجية، من خلال شخصيات تجمع شجون الهاجري وعبد الله بوشهري وعلي كاكولي، ويشتغل العمل على التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، ويحوّلها مادة درامية تقوم على التفاعل بين الأجيال والأدوار داخل البيت الواحد.

وبهذا التنوع، يبدو موسم الدراما الخليجية في رمضان هذا العام موزّعاً بين الذاكرة والتاريخ، والبيت والعائلة، في خريطة درامية تجمع بين المتعة السردية والاقتراب من أسئلة المجتمع وتحوّلاته، بما يمنح المشاهد خيارات متعددة تتراوح بين الضحك والتأمل والعودة إلى جذور الحكاية الخليجية.