منجي حامدي لـ («الشرق الأوسط»): لسنا نموذجا لتصدير الثورة.. وتجربتنا السياسية خاصة بنا

وزير الخارجية التونسي يؤكد أهمية الدبلوماسية الأمنية لمواجهة الإرهاب

منجي حامدي لـ («الشرق الأوسط»): لسنا نموذجا لتصدير الثورة.. وتجربتنا السياسية خاصة بنا
TT

منجي حامدي لـ («الشرق الأوسط»): لسنا نموذجا لتصدير الثورة.. وتجربتنا السياسية خاصة بنا

منجي حامدي لـ («الشرق الأوسط»): لسنا نموذجا لتصدير الثورة.. وتجربتنا السياسية خاصة بنا

قال وزير الخارجية التونسي منجي حامدي، بأن نموذج التجربة السياسية في بلاده خاص بتونس فقط، وأنها ليست أنموذجا لتصدير الثورة، كما أكد حامدي في حوار مع «الشرق الأوسط» على أهمية الدبلوماسية الأمنية لمواجهة الإرهاب والتحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة.
وشدد الوزير على أن تونس كانت على علاقة طيبة مع جميع الدول، وهي حريصة في هذه المرحلة على تعزيز علاقاتها ودبلوماسيتها سياسيا واقتصاديا. وحول الأزمة الليبية قال حامدي بأنه لا يرى بديلا عن الحل السياسي في ليبيا، ودعا مختلف الأطراف المتنازعة للجلوس إلى طاولة الحوار من أجل التوصل إلى توافق وطني، وأن أمن تونس واستقرارها مرتبط باستقرار ليبيا.
كما أكد وزير الخارجية التونسي أن علاقة بلاده بالجزائر شهدت تطورا لارتباط مصالح البلدين أمنيا وسياسيا واقتصاديا، ودعا الحكومة المقبلة التي ستتسلم مهامها في غضون أشهر إلى ضرورة الانفتاح أكثر على دول الخليج التي رأى وعبر زياراته لها أنها مهتمة بالاستثمار في تونس، لكن لها تحفظات مرتبطة بالأوضاع الأمنية غير المستقرة في ليبيا.
«الشرق الأوسط» التقت وزير الخارجية التونسي منجي حامدي في مقر وزارته في تونس وكان لنا معه حوار، إليكم نصه:

* ما هو تقييمكم للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي شهدتها تونس مؤخرا؟
- كانت فرصة تاريخية لتونس وللتونسيين لاختيار قائدهم، وهي تونس التي نريد، أن تتمتع بحرية الاختيار، عكست الانتخابات مستوى حضاريا مميزا، وتمت في إطار الشفافية التامة وحسن التنظيم، وهذا حسب شهادات المراقبين من الخارج والملاحظين في الداخل.
* كيف تنظر الدول الأخرى إلى تونس في هذه المرحلة؟
- أرى أن الخارج ينظر إلى تونس أحسن بكثير مما ينظر التونسيون إليها، ومنذ الوفاق الوطني والحوار الذي دار في تونس بين مختلف الأطراف، عبر المجتمع الدولي عن إعجاب بالتجربة التونسية.
وقد توقفت حكومة التكنوقراط في الوصول بالبلاد إلى بر الأمان، والبرلمان الجديد، ونتمنى أن نركز في المدة القادمة على التنمية والنمو الاقتصادي، وقبل الثورة كان هناك نمو، لكن لم تكن هناك عدالة اجتماعية، فقد كانت طبقة بسيطة تستفيد من هذا النمو، والنظام الجديد يحاول خلق مواطن شغل والحفاظ على كرامة المواطن، وضمان العدالة في اقتسام الثروات ومحاولة القضاء على الفقر.
* في حديث سابق لنا مع وزير الاقتصاد والمالية التونسي، أكد أن الوضع السياسي أثر على الوضع الاقتصادي، حسب رأيكم إذا تمكنت تونس من تحقيق الاستقرار السياسي مع الحكومة الجديدة المقبلة، هل هذا كفيل بتحسين الأوضاع الاقتصادية؟
- أريد التعريج على أمر ما، باعتبار أنني رجل اقتصاد ومهندس بالإضافة إلى أنني وزير خارجية، لا شك في أن التجاذبات السياسية تؤثر على الاقتصاد، لكن نذكر أنه لا توجد ثورة في العالم لا تنتج عنها تجاذبات سياسية، والاقتصاد التونسي لم ينهر، ويعد النمو إيجابيا، وفي الواقع أن الـ3 سنوات التي مرت كان التركيز فيها على التجاذبات السياسية، لكن سنحاول في المرحلة القادمة العمل على تحقيق النمو والازدهار.
تونس حققت قفزة نوعية، ونريد أن يعود التونسي بطريقة للعمل منضبطة، ويؤمن بقدرات بلاده، وبأن كل المقومات موجودة لدينا.
* عفوا، لكن أرى أن هذه النظرة متفائلة أكثر من اللازم، هل يكفي أن يؤمن التونسي بقدراته وإمكانيات بلاده لتحقيق الاستقرار وتحسين ظروف العيش؟ نحن نعيش في منطقة تمر بمرحلة صعبة، والأوضاع في العراق وسوريا، وجارتكم ليبيا، ألا يؤثر كل هذا على الأوضاع في تونس؟
- مع الأسف المشكل الليبي يعد مشكلا تونسيا، لأن تداعياته الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تؤثر على تونس، ولا أتصور أن تونس ستستقر من دون استقرار ليبيا.
والكثير من المستثمرين التونسيين والأجانب يعتبرون تونس بوابة لأفريقيا، لكن عندما ينظرون لليبيا يترددون، فالوضع يمكن تشبيهه بمن يحاول بناء بيت والنار مشتعلة إلى جانبه، المستثمرون ينتظرون الوقت المناسب وهو طبعا استقرار الأوضاع في ليبيا.
وخاصة للتهديدات الأمنية الآتية من ليبيا، وحتى المستثمر التونسي خائف الآن من الدخول في مشاريع، ويخير الاحتفاظ بأمواله إلى أن تتضح الأمور، ليبيا هي بيت القصيد لكل الأمور في تونس، إضافة إلى العدد الهائل من الليبيين الموجودين في تونس وتأثيرهم على الاقتصاد التونسي.
* لكن الكثير من المتابعين يرون أن وجود الليبيين في تونس له الكثير من الإيجابيات، فهم يدخلون العملة الأجنبية للبلاد، ويشغلون النزل والمشافي الخاصة، فما ردكم على هذا؟
- نحن قمنا بدراسات عميقة حديثا أثبتت أن وجود الليبيين في تونس، له الكثير من الانعكاسات السلبية على الاقتصاد، لأن الاقتصاد التونسي اقتصاد مدعوم، لكن الليبيين يدفعون ثمن البنزين، والمواد الغذائية الأساسية، وفي استهلاكهم للطاقة أيضا من كهرباء وماء مثل التونسيين تماما، وعددهم يفوق المليون في تونس، وهذا له تأثير.
وحتى الكثير منهم يعتمدون على المستشفيات العمومية، طبعا منهم كثيرون يعالجون في المشافي الخاصة لكن الكثير منهم يتمتعون بالخدمات الصحية العمومية وهي مدعومة من الدولة وشبه مجانية.
* إذا نظرتم إلى التحديات التي تواجهونها، والمشاكل بسبب الأزمة، ما هي الحلول التي ترون أنه ممكن تحقيقها على المدى القصير؟
- نؤكد أن الليبيين ضيوف كرام وليسوا لاجئين في تونس، ونحن متفائلون بالتوصل لحل سياسي في ليبيا قريبا وانفراج الأزمة، لكن في انتظار ذلك، اقترحنا وتقدمنا بطلب للسلطات الليبية لتخفيض أسعار النفط الذي نشتريه يوميا من ليبيا فنحن نشتري من ليبيا نحو 30 ألف برميل يوميا وليس من المعقول أن نشتريه بأسعار السوق، ثم يأتي الليبيون هنا ويشترون ويستهلكون البنزين بعد أن دعمته الحكومة التونسية.
فإذا وجدنا تجاوبا مع طلبنا قد يخفف هذا من الأزمة وقد وعدني كل من وزيري الخارجية السابق والحالي للتعاون في الموضوع.
* انعدام الاستقرار في ليبيا وتغير الحكومات بالشكل الذي نراه، كيف يؤثر على تعاملكم كجهات رسمية مع السلطات الليبية؟
- طبعا أثر علينا بشكل كبير لأن معاملاتنا كبيرة مع ليبيا وعدم الاستقرار أثر على هذه التعاملات وكان لنا الكثير من رجال الأعمال هناك، أعمالهم متوقفة الآن، تونس كانت سباقة منذ مدة لدعم المصالحة بين الفرقاء الليبيين وأنا شخصيا تحدثت مع 30 دولة التي يهمها الشأن الليبي، ووجهت رسالة للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وضحت فيها نتيجة المشاورات التي قمنا بها بخصوص الشأن الليبي، وطلبنا ضرورة أن يعمل الإخوة الليبيون على العمل بجدية على إنشاء حوار وطني ليبي - ليبي في ليبيا.
وفي الوقت الحالي هناك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة يعمل حاليا في ليبيا ونحن نسانده مساندة كاملة، ويجب أن يعلم الجميع أنه لا يوجد حل بديل عن الحل السياسي في ليبيا.
* منذ فترة شهدنا الكثير من التحركات، وزيارات سياسيين ودبلوماسيين للجزائر، ومحادثات تخص الأزمة الليبية، فما هو الدور الذي تقوم به الجزائر؟ ولماذا الجزائر وليس المغرب مثلا؟
- الجزائر، لأننا نحن بوصفنا لجنة مكونة من دول الجوار تضم تونس، الجزائر، مصر، تشاد، النيجر، كلفناها بمتابعة الأزمة الليبية، خلال اجتماع قمنا به في مدينة الحمامات التونسية 23 و24 يوليو (تموز) السابق، أنشأنا لجنة هدفها تشجيع الفرقاء الليبيين على الجلوس على طاولة الحوار وبداية حوار وطني، بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية وهذا ما تقوم به الجزائر الآن.
* رقم مخيف تداولته وسائل الإعلام مؤخرا عن عدد التونسيين الذين توجهوا للقتال في سوريا والعراق، في صفوف داعش وهو 3000 مقاتل ويتصدرون قائمة المقاتلين الأجانب، فما هي دوافعهم؟
- في الحقيقة عندما نسمع مثل هذا الرقم الهائل ننزعج جدا ونتساءل عن دوافع توجه التونسيين للحرب في مناطق النزاع من بلد يعرف الاعتدال الاجتماعي مثل تونس.
نحن منزعجون لكن مستعدون لكل الاحتمالات.
* ماذا تقصدون بالاستعداد لمختلف الاحتمالات؟
- هذه مسائل أمنية، لكن سيتم التعامل معهم في إطار القانون وهناك جهات مختصة تابعة لوزارة الداخلية وجاهزة للتعامل مع العائدين منهم، بصفة أمنية وإرشاد أيضا، لأن الكثير منهم من المغرر بهم، لكن سيتم التعامل معهم بكل حزم وجدية.
فالمصلحة الوطنية قبل كل شيء.
* هل اتخذت الحكومة إجراءات احترازية لوقف تدفق الشباب التونسي للقتال في صفوف الإرهابيين؟
- أنا تحدثت عن التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء الدفع بهذا العدد الهائل للتوجه للقتال، لكن هناك الكثير من الشبكات المسؤولة عن تهريب هؤلاء الشباب، والتي نجحت إلى حد الآن وزارة الداخلية في تفكيك الكثير منها، وهناك إجراءات احترازية أكثر.
* الآن عندما نتحدث عن الدبلوماسية، وخاصة المتعلقة بالعلاقات الخارجية، نتحدث بالضرورة عن دبلوماسية اقتصادية، إذا أردنا رصد الدبلوماسية الاقتصادية، وتأثير ما مرت به تونس من 2011. ما هو الرسم البياني (الغراف) الذي تقدمونه ونسبة الاهتزازات فيه؟
- في الواقع تونس وصلت الاستثمارات الخارجية فيها إلى أحسن نسبها وأعلاها سنة 2006. وكان ذلك أساسا بفضل شبكة «اتصالات تونس»، و2007 و2008 نزلت بسبب الأزمة الاقتصادية في أوروبا، ثم عادت نسبيا سنة 2010 ثم 2011.
الآن هي أقل بكثير من مستوى تطلعاتنا، وهناك الكثير من الخليجيين وخاصة الإماراتيين الذين يطمحون للاستثمار في تونس، وقد تقابلت مع الكثير، منهم موانئ دبي «مبادلة»، هم مهتمون جدا بتونس لكن هناك تحفظ من الناحية الأمنية.
* ألا ترون أن امتناع الإمارات وبعض دول الخليج الأخرى عن الاستثمار في تونس، لعلاقة الحكومة بدولة قطر؟
- نعم ربما كان هذا الأمر في فترة ما، لكن الآن ومع الحكومة الجديدة نتمتع بعلاقات ممتازة وعلى أعلى مستوى مع كل الدول، لنا علاقة استراتيجية مع الإمارات ومع قطر ومع المملكة العربية السعودية التي لنا معها تشاور وتنسيق.
وكذلك مع مصر علاقاتنا مميزة ومع كل الدول.
* ماذا عن تركيا؟
- نفس الشيء لا مشكل لنا مع أي دولة، وأريد أن أذكرك بشيء، أنا زرت مصر منذ 4 أسابيع ومن مصر زرت تركيا ومنها الجزائر ثم المغرب، ثم الإمارات ومنها إلى قطر، وكل هذا يصب في سبيل تعزيز العلاقات، رغم أي اختلافات، بالنسبة لنا في تونس كل هذه الدول شقيقة وصديقة، ونسعى لعلاقات متميزة. وميزة الدبلوماسية التونسية هي صفر مشاكل مع كل الدول.
نمر بظروف صعبة كلها توتر وإرهاب وغيره، التهريب، نحن نحاول الوقوف للتحديات الأمنية على خط واحد، بقطع النظر عن الخيارات السياسية المختلفة.
* هل تعززت العلاقات الخارجية في هذه المرحلة مع الجزائر، خاصة مع التحديات الأمنية التي تواجهها تونس، ومسألة الإرهاب؟ سمعنا الكثير عن الاستعانة بالخبرات الجزائرية في التصدي للإرهابيين وخاصة في المناطق الحدودية وجبال الشعانبي؟
- العلاقات طبيعية، نحن نؤمن بأن مستقبلنا مستقبل واحد، ومصيرنا واحد وأمن تونس من أمن الجزائر، وأمن الجزائر من أمن تونس، وهناك رغبة حقيقية من البلدين لتعزيز العلاقات.
والعلاقات الجزائرية التونسية اليوم وحسب الملاحظين في أعلى مستوياتها. كذلك علاقتنا مع المغرب لنا تشاور أمني وتعاون في الكثير من المجالات.
* يرى متابعون أن ما وقع في مصر غير القوى السياسية في تونس، وأثر عليها، هل هذا صحيح، وإلى أي مدى تأثرت الأوضاع في تونس بما شهدته مصر؟
- نحن نسعى لحل مشاكلنا عبر الحوار الوطني، ولنا طبقة سياسية غلبت المصلحة الوطنية على مصالحها الشخصية، ولهذا السبب نجحنا في تحدياتنا السياسية التي مرت بالبلد وأرادت أن تقسمه إلى شقين، شق إسلامي وشق علماني، لكن بفضل التسامح وانفتاح التونسي وطبعه تمكنا من تجاوز الأزمة.
* لكن هل فعلا طبع التونسي كان سببا كافيا لتجاوز الأزمة؟
- أنا أرى أن لنا شعبا واعيا، وطبقة سياسية واعية، ومجتمعا مدنيا قويا جدا، وحتى إذا عدتم بذاكرتكم إلى 2011 وفي أشد أيام «الثورة» تصعيدا، لم ينقطع التيار الكهربائي، أو الاتصالات الهاتفية لدقيقة واحدة، وهذا ما يعكس قوة المؤسسات.
لكن أود التشديد على أننا لا نعتبر تونس نموذجا لتصدير الثورة، ولا نرغب في ذلك هي تجربة سياسية لتونس وتونس فقط.
* ماذا تقولون للحكومة الجديدة التي ستتسلم زمام الأمور بعدكم، وما هي التحديات التي ستواجهها؟
- نتمنى أن تكون أفضل من حكومتنا، وأن يكون الآتي أحسن من الماضي، لكن طبعا ستكون أمامها تحديات أمنية واقتصادية، حول الإرهاب والتونسيين في سوريا والعراق، والاقتصاد.
ومن المهم العمل على دعم الدبلوماسية الاقتصادية والبحث عن أسواق واعدة للمستثمرين خاصة في الدول الأفريقية، كما أؤكد على أهمية الدبلوماسية الأمنية للتمكن من مواجهة الإرهاب والتحديات الأمنية الجديدة، وكذلك أتمنى دعم الفضاء المغاربي، ونأمل أن يتطور التعامل الجدي مع دول الخليج التي لم يكن التعاون معها بالمستوى المطلوب، فنحن نسعى للانفتاح أكثر على كل دول الخليج من دون استثناء.



انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهمين التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.


خسائر الحوثيين في الساحل الغربي تدفعهم لتوسيع التجنيد

خروق الجماعة الحوثية للتهدئة تكبدها خسائر بشرية كبيرة (فيسبوك)
خروق الجماعة الحوثية للتهدئة تكبدها خسائر بشرية كبيرة (فيسبوك)
TT

خسائر الحوثيين في الساحل الغربي تدفعهم لتوسيع التجنيد

خروق الجماعة الحوثية للتهدئة تكبدها خسائر بشرية كبيرة (فيسبوك)
خروق الجماعة الحوثية للتهدئة تكبدها خسائر بشرية كبيرة (فيسبوك)

كشفت مصادر يمنية مطلعة عن تصاعد الخسائر البشرية في صفوف الجماعة الحوثية خلال المعارك الأخيرة في جبهات الساحل الغربي، بالتوازي مع تكثيف عمليات التجنيد والاستقطاب بمناطق سيطرتها، في محاولة لتعزيز صفوفها بالمقاتلين.

وأفادت المصادر بأن مستشفيات خاضعة لسيطرة الحوثيين في الحديدة وصنعاء استقبلت خلال الأيام الأخيرة عشرات القتلى والجرحى العسكريين الذين جرى نقلهم من جبهات الساحل الغربي، عقب سقوطهم خلال عمليات تصدٍّ نفذتها القوات الحكومية لهجمات حوثية متكررة.

وقالت المصادر إن نحو ثلاثة مستشفيات حكومية خاضعة للحوثيين في مدينة الحديدة، هي مستشفيات الثورة العام، وما يُسمى مستشفى 21 سبتمبر، والمستشفى العسكري، شهدت تدفقاً للقتلى والجرحى الحوثيين، قبل نقل عدد من الحالات إلى مرافق صحية في العاصمة المختطفة صنعاء.

البوابة الرئيسية لمستشفى الثورة الخاضع للحوثيين في الحديدة (فيسبوك)

وتزامن ذلك مع فرض الجماعة إجراءات أمنية مشددة حول عدد من المستشفيات والمنشآت الصحية في صنعاء، وسط قيود على حركة العاملين والزوار، وتكتم على أعداد القتلى والجرحى وهوياتهم.

وأكدت مصادر طبية أن مستشفيات عسكرية وحكومية في صنعاء شهدت خلال اليومين الماضيين وصول أعداد كبيرة من المصابين والقتلى المقبلين من جبهات عدة، بينها جبهات الساحل الغربي.

استنفار أمني وطبي

شملت الإجراءات الحوثية الأمنية، وفق المصادر، المستشفى العسكري والمستشفى الجمهوري ومستشفى «48» ومستشفى القدس العسكري ومستشفى الشرطة، إلى جانب مرافق صحية أخرى خاضعة للجماعة.

وقال أطباء وعاملون صحيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الكشف عن هوياتهم خشية تعرضهم للانتقام، إن وتيرة استقبال المصابين والقتلى ارتفعت بصورة ملحوظة، مشيرين إلى وصول بعض الحالات في أوضاع حرجة، ونقل جثامين إلى ثلاجات الموتى تمهيداً لاستكمال إجراءات الدفن.

معرض سابق أقامه الحوثيون لصور قتلاهم (الشرق الأوسط)

وأوضح طبيب يعمل في المستشفى العسكري أن غالبية الحالات التي وصلت كانت مرتبطة بإصابات ناجمة عن مواجهات وعمليات عسكرية، لافتاً إلى الضغوط التي واجهتها الطواقم الطبية نتيجة تدفق المصابين خلال فترات متقاربة.

وحسب المصادر، أصدرت ما تسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين تعليمات بنقل عشرات المرضى المدنيين من بعض المستشفيات إلى مرافق صحية أخرى في صنعاء، لإفساح المجال أمام استقبال الجرحى والقتلى المقبلين من الجبهات.

وتشير هذه الإجراءات، وفق المصادر ذاتها، إلى مساعٍ حوثية لإدارة تدفق المصابين والقتلى بعيداً عن المدنيين، في وقت تحيط فيه الجماعة حجم خسائرها البشرية بتكتم شديد.

تعبئة جديدة

في موازاة تدفق القتلى والجرحى إلى المستشفيات، دفعت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة بنحو 95 شخصاً من المهمشين، معظمهم من العاملين في قطاع النظافة بمحافظة إب ومديرياتها، إلى جبهات القتال في تعز والضالع، وفق مصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن المجموعة خضعت بصورة عاجلة لعمليات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية قبل نقلها إلى مناطق المواجهات، في وقت تزداد فيه عمليات التجنيد والاستقطاب التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في مناطق سيطرة الجماعة.

وأوضحت أن عملية التجنيد الأخيرة شملت عمال نظافة من مدينة إب ومديريات أخرى، وأن بعضهم اقتيد إلى مواقع تجميع في ضواحي المدينة قبل نقله إلى مناطق التدريب، ثم الدفع به إلى جبهات القتال.

مهمشون يمنيون لقوا حتفهم أثناء القتال مع الحوثيين (فيسبوك)

وأفادت المصادر بأن العملية أشرفت عليها قيادات حوثية معنية بملفات التعبئة والأمن والتجنيد، بينما تحدث عمال نظافة وأقارب مجندين عن انقطاع التواصل مع عدد ممن جرى نقلهم، قبل معرفة أنهم أُرسلوا إلى مناطق تدريب تمهيداً لدفعهم إلى الجبهات.

وقال «عمران»، وهو اسم مستعار لعامل نظافة من مديرية العدين، إن عملية الاستقطاب الأخيرة ضمت عدداً من المهمشين العاملين في صندوق النظافة، مضيفاً أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وتراجع فرص العمل، ومحدودية مصادر الدخل تجعل أفراد هذه الفئة أكثر عُرضة للضغوط والاستقطاب.