«تحرير الجينوم»... لإطعام سكان الأرض

علماء «كاوست» يدرسون تقنيات تعزيز إنتاجية المحاصيل ومرونة النبات

«تحرير الجينوم»... لإطعام سكان الأرض
TT

«تحرير الجينوم»... لإطعام سكان الأرض

«تحرير الجينوم»... لإطعام سكان الأرض

بحلول عام 2050، ستكون هناك حاجة إلى زيادة الإنتاج العالمي من الغذاء بمقدار الضعف تقريباً، حتى يمكن إطعام البشر الذين يُتوقع وصول عددهم إلى تسعة مليارات نسمة. غير أن تحقيق الأمن الغذائي من أجل المستقبل يعترضه عدد من التحديات، بدءاً من تزايد ضغوط الاحترار العالمي، وتَبَدُّل الأحزمة المناخية، وصولاً إلى نقص الأراضي الزراعية الصالحة، والأعباء الكبيرة على مصادر المياه العذبة.

مرونة المحاصيل
في هذا السياق، يبحث علماء النبات بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) عن طرق لتحسين مرونة المحاصيل الزراعية، وتعزيز قدرة النبات على مقاومة الإجهاد، ومكافحة الأمراض التي ظهرت حديثاً. ويُسلّط الفريق الضوء على طرق يمكن أن تؤمِّن القدر الكافي من الطعام عالي الجودة والمغذّي، بهدف إطعام العالم الذي يزداد سكانه عدداً، عبر استعراض آخر تقنيات تحرير الجينوم، التي تعيد كتابة المادة الوراثية لأي كائن حي.
بداية، يشدد عالم النباتات البروفسور مارك تِسْتَر، الأستاذ في علوم النبات والمدير المشارك بمركز الزراعة الصحراوية بـ«كاوست» والمهتم بإنتاج محاصيل تتحمل الملوحة، على العمل من القاعدة وصولاً إلى القمة، من أجل مكافحة الفقر وتدني مستوى التغذية. ويضيف: «لقد أظهرت الدراسات أنه إذا ازدادت مستويات الدخل لدى صغار المزارعين، فستتراجع معدلات الفقر سريعاً، لذا من الضروري أن تتوفر لديهم نباتاتٌ قادرة على إنتاج أفضل محصول ممكن في بيئتهم، ويمكن تحقيق ذلك باستخدام تقنيات التحرير الجيني الآمنة وغير الباهظة».
لقد دأب المزارعون على الانتقاء الوراثي لنباتات المحاصيل منذ آلاف السنين، بانتقاء النباتات التي تبدو ذات جودة أعلى (اعتماداً على مظهرها، أو خصائصها الشكلية) عند الزراعة. ومنذ بدايات القرن العشرين، وفي أعقاب الاكتشافات العظيمة التي أدَّت إلى فهم الوراثة الجينية، عمد مزارعو النباتات إلى تهجين أصناف مستنبَتة من المحاصيل بهدف التحسين منها، غير أن اختيار النبات اعتماداً على خصائصه الشكلية يستغرق وقتاً طويلاً، كما أنه مكلِّف في أغلب الأحيان.
من جانب آخر، يشير الدكتور سايمون كراتنجر، أستاذ علوم النبات المساعد بـ«كاوست» والخبير في علم وراثة الحبوب والتفاعل بين النبات والممرِضات، إلى أنه، ومنذ تسعينات القرن الماضي، يجري تعزيز الانتقاء المعتمد على الشكل، عن طريق علامات سلسلة الحمض النووي للنبات، التي تقترن بصفات مرغوبة، لكن ثمة مشكلات تتعلق بهذا الأمر، لأنه إذا لم يكن هناك وجود لصفة ما داخل مجموعات جينات لنوع معين، فلا يمكن حينئذٍ انتقاء هذا النوع.

التحوير الوراثي
تشمل التقنيات الأخرى ما يُطلق عليه «التحوير الوراثي» (GM)، الذي يتضمّن استثارة طفرات عشوائية في النباتات أو إدخال جينات عليها من أنواع أخرى (عملية نقل الجينات)، غير أن فكرة الأطعمة المعدّلة وراثياً لا تزال تثير المخاوف لدى العامة بخصوص مستوى أمانها، وتحديداً في تلك المناطق التي لم تُضطر بعدُ إلى الاعتماد على مثل هذه الطرق من أجل إطعام مجموعاتها السكانية. وبسبب وصمة التعديل الوراثي هذه، ربما يصعب إقناع الناس بأن تحرير الجينوم أمر آمن.
يقول الدكتور مجدي محفوظ، أستاذ الهندسة الحيوية المشارك بـ«كاوست»، الذي يشارك بكثافة في ابتكار وتطوير تقنيات تحرير الجينوم: «إن تحرير الجينوم طريقة دقيقة ومحدّدة الهدف، نُدخل من خلالها تعديلات على نبات طبيعي ليصبح أكثر قدرة على التكيُّف، وعلى إنتاج محصول أوفر، دون الحاجة إلى إدخال حمض نووي غريب إلى الجينوم الخاص به أو إكسابه مقاومة للأمراض مصدرها جينات بكتيرية». ويتابع موضحاً: «إنها عملية تختلف تماماً عن التعديل الوراثي، فهذه التقنيات المثيرة تعني أنه من الممكن عملياً الآن إحداث تغيرات محددة في الحمض النووي لنوع من النباتات، وتحفيز ظهور صفات لم تكن لديه من قبل».
ويتطلّع محفوظ إلى التسريع من وتيرة هندسة جينومات نباتات الجيل القادم، وتوسيع نطاقها، مع التركيز على محاصيل الحبوب الغذائية واستجابات النبات للإجهادات اللاأحيائية، أي التأثير السلبي لمؤثرات غير حيّة على كائنات حيّة في بيئات معينة.

المقص الجيني
ومن التقنيات الأساسية التي يتعامل معها محفوظ مقصّات «كرسبر» (CRISPR) الجزيئية، التي تسمح للعلماء بقصّ أجزاء محدّدة داخل شريط الحمض النووي والاستعاضة عنها بأخرى. وقد طوَّر فريقه أخيراً منصة لـ«كرسبر» تسمح لهم بهندسة صفات مهمة من الناحية الزراعية، عبر مجموعة متنوعة من أنواع المحاصيل وبكفاءة عالية، وهدفهم الأساسي إنتاج محاصيل ذات أداء جيّد في ظل الإجهادات ذات الصلة بالمناخ.
يقول محفوظ: «نريد أيضاً أن نُطلق العنان لقدرات النباتات البرية، ونعمل باستخدام تقنية (كرسبر) على استئناس نباتات برية لديها القدرة على تحمل البيئات القاسية، بما في ذلك المناطق القاحلة والتربة الملحية».
استخدم كراتنجر وزملاؤه تقنية «كرسبر» أخيراً، لاستحداث القدرة على مقاومة الأمراض داخل جينوم نبات الأُرز، ونظراً إلى أن ما بين 10 و15 في المائة من المحصول العالمي للأرز يُفقَد سنوياً بسبب الأمراض التي تصيبه، فإن تعزيز مقاومة النبات للأمراض أمر بالغ الأهمية.
وفي مجال تعزيز تغذية النبات يستخدم البروفسور سالم البابلي أستاذ علوم النبات بـ«كاوست» وفريقه، منذ وقت طويل، تقنية نقل الجينات، بواسطة نقل الجينات من نوع إلى آخر، ويتطلَّع أعضاء الفريق إلى استكشاف طرق أكثر تطوراً ودقة يوفّرها تحرير الجينوم.
يقول البابلي: «لقد نجحنا في زيادة محتوى (بروفيتامين A) لدى محاصيل كالأرز الذهبي، باستخدام تقنيات نقل الجينات، لكن تحرير الجينوم يفتح المجال أمام إمكانات غير مسبوقة لتحسين المحاصيل. ونعمل حالياً على تحديد الجينات المستهدفة التي يمكن تحريرها، من أجل تعزيز مقاومة نبات الدخن اللؤلؤي لطفيل الجذور الذي يُعرَف باسم (دغل الساحرة)، الذي يتسبب في حدوث خسائر هائلة في إنتاج الحبوب في أفريقيا».
لكن كراتنجر يشير إلى أنه في الوقت الذي يمكن فيه تغيير مقاومة الأمراض بطرق بسيطة نسبياً، نظراً لكونها محكومة ببضعة جينات فحسب، فإن الصفات الأكثر تعقيداً، مثل إجمالي المحصول، أو تحمّل الجفاف، التي تتحكم فيها مئات الجينات التي تعمل معاً، تحتاج إلى عملية تحرير أكثر صعوبة، لافتاً إلى أن فريق «كاوست» سيواصل إجراء التجارب وتطوير التقنيات اللازمة للتحكم في الخصائص المعقدة للنبات في السنوات المقبلة.
ونظراً إلى ما يسببه التغيّر المناخي من تغيير في معاقل الممرِضَات (المواد المسببة للمرض)، وما يفرضه من تحديات جديدة أمام الزراعة، فقد حان الوقت لتشجيع الناس على قبول ودعم هذه التقنيات. ويشير تِستر إلى ضرورة الاهتمام بالتعليم في دول العالم كافة، من أجل تأمين مواردنا الغذائية مستقبلاً.



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».