تحقيقات حول معاملة تفضيلية لبعض الشركات في دول الإتحاد الأوروبي

استفادت من تأجيل سداد مساهماتهم المالية في موازنة الاتحاد.. وبريطانيا المستفيد الأول

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (أ. ب)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (أ. ب)
TT

تحقيقات حول معاملة تفضيلية لبعض الشركات في دول الإتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (أ. ب)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (أ. ب)

قرر مجلس وزراء المال في دول الاتحاد الأوروبي في ختام اجتماعات انعقدت ببروكسل، تكليف المفوضية بتقديم مقترح لتعديل اللائحة الخاصة بمسائل تتعلق بمساهمات الدول الأعضاء في الموازنة العامة للاتحاد الأوروبي في المواعيد المحددة وهي الأول من ديسمبر (كانون الأول)، ويأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي قد تمر بعض بها الدول الأعضاء مما يسمح لبعض الدول بتأجيل تاريخ دفع المطلوب منها ماليا لفترة معقولة من الزمن أقصاها مطلع شهر سبتمبر (أيلول)، على أن يصدر هذا التعديل قبل مطلع ديسمبر القادم ويضع في الاعتبار المعاملة المتساوية بين الدول الأعضاء في هذا الصدد.
واتفق الوزراء على أن هناك حاجة ضرورية لمعالجة الزيادة غير المسبوقة من المطالبات غير المسددة لتنفيذ البرامج التي تتضمنها موازنة الاتحاد، ولذلك يمكن الاستفادة من المرونة التي يوفرها اتفاق موازنة 2014 - 2020 لتبني اتفاق يشأن تعديل موازنة 2014 في الوقت المناسب، مع الأخذ في الاعتبار الموقف الفعلي الذي اتخذه المجلس الأوروبي بشأن إقرار مشروع موازنة 2015.
وكانت مصادر أوروبية على هامش الاجتماعات قالت إن وزراء المال الأوروبيين اتفقوا على السماح للعاصمة البريطانية لندن تمديد مهلة تسديد مساهمتها الإضافية في ميزانية الاتحاد الأوروبي بمقدار 2.1 مليار يورو «حتى سبتمبر 2015».
وحسب تقارير إعلامية يهدف هذا الاتفاق إلى إرضاء رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي رفض تسديد هذا المبلغ في الموعد المحدد في الأول من ديسمبر من أجل كسب الوقت تمهيدا للانتخابات التي ستجرى في بلده في مايو (أيار) 2015. كما قالت هذه المصادر.
وكانت اجتماعات لوزراء المال والاقتصاد في دول الاتحاد الأوروبي انطلقت الخميس واستغرقت يومين، وعرفت مناقشات حول الكثير من القضايا منها ما يتعلق بالموازنة وضريبة على المعاملات المالية وإمكانية عودة ضريبة القيمة المضافة القياسية وذلك في إطار مناقشة الملفات التشريعية للخدمات المالية وتطرق الوزراء إلى إعادة النظر في الضريبة على القيمة المضافة والدخل القومي الإجمالي وأرصدة الموارد الخاصة وتعديل التوجيه الأوروبية بشأن النظام الموحد الأوروبي للضرائب التي تطبق في حالة الشركات الأم والشركات التابعة لها في دول الاتحاد الأوروبي وعمل الوزراء خلال المناقشات على التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن فرض ضريبة على المعاملات المالية واقتراح لتوجيه المجلس الأوروبي الذي يضم الدول الأعضاء لتنفيذ التعاون في مجال تعزيز المالية من خلال ضريبة على المعاملات المالية كما بحث الوزراء فيما يعرف بملف تمويل المناخ في إطار التحضير لمؤتمر الأطراف الـ20 في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي التي ستعقد في ليما عاصمة بيرو في الفترة من الأول إلى الـ12 من ديسمبر القادم.
وفي مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع، قالت المفوضية الأوروبية إنه لا بد من إعطاء الأمل للمواطنين وخاصة من الشباب في ظل شعور بخيبة أمل لدى البعض من المشروع الوحدوي وإنه أصبح يمثل عائقا بدلا من أن يمثل أملا أو حلا ولهذا فإن المفوضية الجديدة لديها واجب جماعي وتواجه تحديات خلال السنوات الـ5 القادمة للرد على رسالة القلق التي أظهرتها الانتخابات الأوروبية الأخيرة ولهذا لا بد من تركيز المؤسسات الأوروبية على تعزيز النمو وفرص العمل من خلال المزيد من الاستثمارات ومزيد من القدرة التنافسية وإصلاحات أكثر طموحا وتقوية المالية العامة، وجاء ذلك على لسان بيير موسكوفيشي المفوض الأوروبي المكلف بالشؤون المالية والاقتصادية في مؤتمر صحافي على هامش اجتماعات وزراء المال الأوروبيين في بروكسل التي انطلقت الخميس واستغرقت يومين.
من جانبها قالت مارغريت فيستاغر المفوضة المكلفة بشؤون المنافسة، إن الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي فتح تحقيقا في هولندا ولوكسمبورغ وآيرلندا حول ما أثير من ممارسات في بعض الدول الأعضاء من تفضيل بعض الشركات على الأخرى في الأحكام الضريبية، وذلك في أعقاب ما أثير من احتمال حصول بعض الشركات على معاملة أفضل من الشركات الأخرى في المعاملة الضريبية بما لا يتماشى مع القواعد الضريبية للبلاد، ورفضت المسؤولة الأوروبية التعليق على الأمر وقالت إنه لا بد من الانتظار حتى تنتهي التحقيقات «ولا نحبذ الأحكام المسبقة بل سنتابع الملف وسنراقب الأمور وبكل يقظة فيما يتعلق بمساعدات الدولة للشركات بطريقة عادلة ومبررة».
ونفت دوقية لوكسمبورغ رسميا أي أعمال تنافسية مالية مخالفة للقانون أو ترتيبات مالية غير شرعية خصصتها لشركات كبرى.
ويأتي النفي بعد نشر ملف سري يشير إلى أن السلطات الرسمية في لوكسمبورغ سمحت بترتيبات مالية تسمح لشركات كثيرة بدفع ضرائب أقل.
وقال وزير مالية لوكسمبورغ بيار غرامينيا: «ما تم شرعي وبفعل هذه الشرعية لا داعي للإشارات الاتهامية».
رئيس المفوضية الأوروبية الذي كان سابقا وزيرا للمالية ثم رئيسا للحكومة في لوكسمبورغ قال لدى سؤاله عن الموضوع أثناء مؤتمر صحافي في العاصمة الأوروبية بعد أول اجتماع لهيئة المفوضية الأوروبية الجديدة: «المفوضية الأوروبية ستقوم بعملها ولن نتدخل في شأن ملف هو من اختصاص المفوضة المكلفة بشؤون المنافسة»، وأضاف جان كلود يونكر «المفوضية لها ملء الصلاحيات للتحرك والقرار ومن غير اللائق أن نعيق عملها».
وقال النائب الألماني الأوروبي عن حزب الخضر سفن غيغولد إن «مصداقية جان كلود يونكر على المحك وهل سيتصرف جان كلود يونكر كرئيس للمفوضية الأوروبية أم كرئيس لحكومة لوكسمبورغ وهل سيوضح الترتيبات التي قام بها في السابق وما هي خطته الضرائبية بالنسبة للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات العاملة في أوروبا».
جدير بالذكر أن دوقية لوكسمبورغ كانت قد أعلنت عن رفع السرية المصرفية عن الحسابات المودعة في مصارفها اعتبارا من مطلع 2015.



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.