دول الخليج تبحث مواجهة تقلبات أسعار النفط بزيادة مساهمة الصناعة

نسبة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي تساوي 10 في المائة

جانب من اجتماع وزراء تجارة دول الخليج في العاصمة الرياض يوم أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من اجتماع وزراء تجارة دول الخليج في العاصمة الرياض يوم أمس («الشرق الأوسط»)
TT

دول الخليج تبحث مواجهة تقلبات أسعار النفط بزيادة مساهمة الصناعة

جانب من اجتماع وزراء تجارة دول الخليج في العاصمة الرياض يوم أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من اجتماع وزراء تجارة دول الخليج في العاصمة الرياض يوم أمس («الشرق الأوسط»)

أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي، تسعى خلال المرحلة الحالية بصورة جادة نحو تعزيز مستويات مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس، مما يخفف وطأة تقلبات الاعتماد المطلق على الصادرات النفطية، يأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه مسؤول خليجي رفيع المستوى يوم أمس، أن أسعار النفط أصبحت عرضة للتغيرات الناتجة عن أسباب اقتصادية وغير اقتصادية.
وتأتي هذه التطورات، في الوقت الذي بلغت فيه مساهمة القطاع الصناعي الخليجي في الناتج المحلي الإجمالي ما نسبته 10 في المائة، مما يعني أن دول المجلس بدأت فعلياً في تقليل اعتمادها على الصادرات النفطية فقط، يأتي ذلك في وقت شهدت فيه أسعار النفط خلال الأيام الماضية تراجعات ملحوظة.
وعلى صعيد القطاع التجاري الخليجي، عقدت لجنة التعاون التجاري في دول الخليج يوم أمس، اجتماعها الـ50 في مقر الأمانة العامة للمجلس بالرياض، جاء ذلك قبل أن يكون هنالك اجتماع خليجي آخر لوزراء الصناعة، وسط معلومات خاصة حصلت عليها «الشرق الأوسط» يوم أمس، تؤكد أن وزراء دول الخليج أبدوا خلال اجتماعهم يوم أمس، ارتياحا تاما لما توصلت إليه دول المنطقة في ملف مكافحة الغش التجاري.
وخلال الاجتماع الخليجي لوزراء تجارة دول المجلس، قال عبد الله الشبلي، الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في الأمانة العامة للمجلس: «إن مسيرة مجلس التعاون قطعت شوطاً كبيراً نحو تحقيق الأهداف التي رسمها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس مما عزز من تحقيق الكثير من الإنجازات، خصوصا في مجال التكامل الاقتصادي، كما كان للجنة التعاون التجاري دور مهم وفعال في تعميق وتعزيز التكامل بين دول مجلس التعاون في العمل المشترك وتحقيق المواطنة الخليجية وما يمثله هذا الدور من قوة إيجابية دافعة للتنمية الشاملة التي يسعى المجلس إلى تحقيقها في مختلف المجالات وعلى كل أوجه النشاط التجاري في مختلف مجالاته».
وأضاف الشبلي في كلمته الافتتاحية يوم أمس: «إن لجنة التعاون التجاري تمكنت خلال الفترة الماضية من توفير الأرضية المناسبة والبيئة الملائمة لقيام عمل تجاري مشترك يحقق تطلعات وطموحات القطاع الخاص الخليجي من خلال وضع عدد من القوانين التجارية الاسترشادية التي سيتم العمل التجاري والسماح لمواطني دول المجلس بممارسة الأنشطة التجارية وفتح الفروع لشركاتهم».
ونوه الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بالجهود التي بذلتها دولة الإمارات العربية المتحدة في احتضانها للمعرض المشترك لمجلس التعاون في دورته الخامسة عشرة، الذي أقيم في مركز «إكسبو»، متطلعًا لانعقاد المعرض في دورته السادسة عشرة في المملكة العربية السعودية عام 2016، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة العمل على تكثيف الجهود لتحقيق المزيد من التكامل والترابط فيما بين دول المجلس، إلى جانب إزالة جميع العقبات التي تعترض مسيرة العمل الخليجي المشترك والعمل على إيجاد استراتيجيات تقوم على المنافسة والتصدي للعوائق التي قد تواجه صادرات دول المجلس.
من جهة أخرى، قال الدكتور عبد المحسن المدعج، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير التجارة والصناعة بدولة الكويت، : «إن الاجتماع الخمسين للجنة التعاون التجاري جاء لإكمال مسيرة التكامل والتوحد الذي نطمح إليه جميعًا لتحقيق المزيد من المكتسبات التي تدفع بعجلة مجلس التعاون إلى الإمام»، مبينا أن مجلس التعاون حقق خلال مسيرته إنجازات مهمة وخطوات واسعة في جميع المجالات، وفي مقدمتها المجال التجاري وتطبيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول مجلس التعاون في شتى المجالات التجارية، الذي عملت به دول المجلس بعد الإعلان عن قيام السوق الخليجية المشتركة، عاداً تطبيق المساواة في المعاملة التجارية في دول مجلس التعاون أحد أهم الأهداف الأساسية للمجلس.
ولفت الدكتور المدعج خلال حديثه، إلى أن جعل تطبيق المساواة في المعاملة التجارية في دول مجلس التعاون نقطة انطلاق إلى آفاق أرحب في مسيرة التكامل الاقتصادي، يحتاج من الجميع إلى المرونة تجاه القضايا المطروحة بما تم الاتفاق عليه بين دول المجلس من قرارات، مضيفاً: «مشروع جدول الأعمال يتضمن الكثير من الموضوعات المهمة وهي ثمرة جهود مكثفة قامت بها الكثير من اللجان بالتعاون مع الأمانة العامة التي سينتج عنها دفع مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي المشترك إلى الإمام».
كما أشار الدكتور المدعج إلى أن وكلاء وزارات التجارة رفعوا عدة توصيات خلال اجتماعهم التحضيري للجنة، من أبرزها التوصية الخاصة بمشروع اللائحة التنفيذية لقانون العلامات التجارية والتوصية الخاصة بدعم هيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون، والتوصية المتعلقة بالمعرض المشترك لدول مجلس التعاون.
وفي الإطار ذاته، عُقد بمقر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في الرياض أمس، الاجتماع الـ39 للوزراء المعنيين بالصناعة بدول الخليج، وفي هذا الخصوص قال عبد الله الشبلي الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في الأمانة العامة للمجلس: «دول الخليج أولت جل اهتمامها لتنمية القطاع الصناعي وحرصت على تحسين بيئته الاستثمارية وتهيئة المقومات والحوافز المشجعة للمستثمرين وتأطير العلاقة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تنمية مشتركة ومستدامة، واستطاعت تحقيق زيادات متتالية لمساهمة قطاعها الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، إذ تشير المصادر إلى أنها تبلغ حاليا قرابة 10 في المائة».
وأضاف الشبلي في الوقت ذاته: «أن قيام الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة جاء ناقلا للعمل الاقتصادي المشترك من مرحلة التنسيق والتعاون إلى مرحلة متقدمة من الاندماج والتكامل الاقتصادي»، معربا عن تطلع دول المجلس لتحقيق بيئة اقتصادية واستثمارية محفزة للقطاع الصناعي من خلال العمل على تطبيق مبدأ المواطنة الاقتصادية وإزالة العوائق التي تعترضها.
وتأتي هذه التطورات، في الوقت الذي رسم فيه الخليجيون ملامح مواصفات ومقاييس موحدة من المتوقع أن يتم تعميمها على كل دول المنطقة عقب الانتهاء من وضع استراتيجيتها، جاء ذلك في الوقت الذي اتفقوا فيه خلال اجتماع هيئات المواصفات والمقاييس بدول المجلس مع نظرائهم وزراء التجارة والصناعة بالرياض في وقت سابق، على الاعتراف المتبادل بعلامات الجودة وشهادات المطابقة.



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.