لوحة «الثالث من مايو» لغوياً ومشهد اغتيال حقيقي لناشط كربلائي

الرسام الإسباني وضع الثائر في مركز لوحته الشهيرة بينما ركن القتلة إلى الجانب

لوحة «الثالث من مايو» لغويا
لوحة «الثالث من مايو» لغويا
TT

لوحة «الثالث من مايو» لغوياً ومشهد اغتيال حقيقي لناشط كربلائي

لوحة «الثالث من مايو» لغويا
لوحة «الثالث من مايو» لغويا

يقول الشاعر الإسباني مانويل ماتشادو المولود في إشبيلية عام 1874 والمتوفى في مدريد عام 1947، وهو أخو الشاعر الإسباني الكبير أنطونيو ماتشادو، في قصيدة له، واصفاً لوحة «الثالث من مايو» للرسام الإسباني فرانشيسكو دي غويا (1746-1828):
على الأرض مصباح لا يكاد يضيء
نوره الأصفر ينشر الرعب،
صفّ البنادق الموجهة في وحشية ورتابة،
لا تكاد العين تراه.
نواح، لعنات. قبل صدور الأمر بإطلاق النار،
الضحايا المقدمون للموت، تثور نفوسهم غضباً،
رموش عيونهم مفتوحة على اتساعها
لحمهم الأبدي يناول الأرض التحية.
أستعيد هذه اللوحة المشهورة التي أكملها غويا عام 1814 والمعروضة في متحف البرادو في مدريد بينما مشاهد اغتيالات المتظاهرين في العراق تتوالى في مقاطع مسجلة وصور تبث علناً في القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي. أحد هذه المشاهد المروعة التي تتناص تماماً مع لوحة «الثالث من مايو» هي مقطع اغتيال الناشط المدني فاهم الطائي في مدينة كربلاء أثناء عودته من المظاهرات الاحتجاجية السلمية إلى بيته. في اللحظة التي ترجل بها فاهم الطائي عن الدراجة النارية التي كانت تقله، كانت دراجة نارية أخرى تلحقه، استقام واقفاً بكامل أناقته وبثيابه فاتحة اللون في مشهد يستدعي حالاً وقفة الثائر ذي القميص الأبيض الذي يشغل مركز لوحة غويا. الثائر العراقي ثبّت عينيه بشجاعة وذهول على القتلة الملثمين، كما في لوحة غويا، حيث تغيب وجوه القتلة الذين يرفعون اسلحتهم ليقتلوا الثوار من مسافة قريبة، وهو ما حدث في مشهد الاغتيال الفعلي. القاتل في مشهد القتل الحي، يبدو ضئيل الحجم ومقوس الظهر قياساً بالضحية الذي كان مستقيماً وواثقاً من نفسه ومن قدره، الأمر ذاته في لوحة غويا، حيث الثائر المقبل على الموت أكبر حجماً وأنصع ثياباً ويرفع يديه في حركة تستدعي وضعية صلب السيد المسيح، خصوصاً أن هناك ثقباً في يده اليمنى يحاكي ثقب مسمار الصلب، ويستحوذ الثائر على مركز اللوحة بينما ينبذ القتلة في الجانب. وبالعودة إلى لوحة «الثالث من مايو» التي تصور كوارث الحرب الأهلية وفظائع جنود نابليون بونابرت في فترة احتلاله إسبانيا (1808- 1814) وخلعه الملك فرديناند السابع عن العرش وتنصيب أخيه جوزيف ملكاً على إسبانيا، حيث وثق غويا رعب هذا الصراع في لوحات عدة، من أهمها لوحة إعدام الثائرين في مدريد أو «الثالث من مايو». وسبب هذه التصفيات الجسدية هي أن جماهير مدريد انخرطت في مقاومة جنود نابليون بما توفر لديهم من سلاح في الثاني من مايو (أيار) 1808، وعلى أثر ذلك صرح الجنرال جواكيم مورات، قائد قوات نابليون في إسبانيا بأن «الدم الفرنسي الذي سال في مدريد يطلب الثأر»، شُكلتْ بعد ذلك التصريح محكمة عسكرية قضت بإعدام كل إسباني يحمل أو يخبئ سلاحاً في بيته، وتمت تصفية 400 إنسان، منهم مانويل الحدائقي، وخوان أنطونيو مارتنيث المتسول، وجوليان الصائغ، والراهب الفرنسيسكاني، وغيرهم في يوم واحد، ولا تزال السجلات المدنية تحتفظ بأسمائهم. يصور غويا في لوحته، أحد الثوار وهو يغرق في بركة من دمه بينما تمتد ذراعاه على سفح الجبل كأنما تعانق الأرض التي سقط عليها في تفصيل يذكرنا بلحظة استشهاد الثائر العراقي عمر سعدون في ساحة التحرير.
الشخص في مركز اللوحة يواجه الرصاص بصدره العاري بينما يُساق آخرون خلفه إلى حتفهم بالطابور، حدثت أغلب هذه الإعدامات فجراً وفي أماكن متعددة، وبالتزامن في ليلتي الثاني والثالث من مايو، وفي لوحة غويا هناك خيط من ضوء يتسلل في عتمة الأفق، وربما كان الفنان شاهداً على هذه الفظاعات التي حدثت ليست بعيداً عن بيته في سفح تل بيرنثيبو بيو، وهو تل مقفر يقع بين نهر مانثاراس ومدينة مدريد، حيث تمت تصفية 45 شخصاً على سفحه. تبدو كتلة المباني واضحة في خلفية اللوحة، وهذا الموقع هو اليوم حديقة عامة في مدريد. كان عمر غويا وقت حدوث هذه المجازر 62 عاماً، وربما كان شاهداً عليها من خلال منظار مكبر من نافذة بيته، لاحقاً سيحمل الفنان فانوساً ويسجل المشهد الكارثي في دفتر تخطيطاته. في لوحة «الثالث من مايو» هناك تصوير لمواجهة الموت كمصير فردي وأيضاً كحكم جماعي، وهذا جلي جداً من خلال تباين ردود فعل الثوار في مواجهة الموت. ما هو قدر خاص ينصهر بالقدر العام، ورغم عدم التمييز بين الكارثة الفردية والجماعية، هناك جو خانق داخل اللوحة، عتمة الأفق توائم الظلم الأعمى الذي يمارسه ثمانية جنود فرنسيين منضبطين في حركتهم ويرفعون أسلحتهم بتأهب لإطلاق النار، لكن وجوههم مغيبة لصالح انكشاف وجوه الثوار بالنور الذي ينبع من صندوق مستطيل موضوع على الأرض ويفصل بين جنود نابليون والثوار.
فرانسيسكو غويا المولود عام 1746 في مقاطعة الأرغون الإسبانية والذي يُعَدُ أهم الفنانين الإسبان في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، يعتبره نقاد الفن آخر الفنانين الكبار الكلاسيكيين وأول المحدثين. تأثر كثيراً بفنان البلاط الملكي فلاسكوث، لكن هذا التأثر ساهم في ترسيخ أسلوبه المتفرد في استبطان النفس ومشاعرها وهواجسها، واقترابه من التعبيرية حتى حين رسم الصور الشخصية للنبلاء والعائلة المالكة الإسبانية وغيرهم من الشخصيات المهمة في عصره. ولعل لوحة «فرديناند السابع في الرداء الملكي- 1814» خير دليل على أسلوبه في استبطان الشخصيات، وهي اللوحة التي أعقبت هزيمة الفرنسيين في إسبانيا وعودة فريدناند السابع من منفاه واستئناف غويا عمله رساماً أول في القصر، حيث صور غويا يد الملك التي توحي بالنفوذ والقوة المطلقة وهي تقبض على السيف المعلق إلى خصره، ورغم التفاصيل المزركشة والمبهرة في هذا البورتريه، لكن غويا سخر بطريقته التعبيرية من الملك الذي أعاد سلطة محاكم التفتيش واعتقل الكثير من التنوريين الإسبان، فشعر الملك الفاحم الذي يؤطر وجهه الخبيث وأنفه المفلطح والذقن المربع الناتئ والنظرة التي تضمر الشر وانعدام الأكتاف كلها توحي بالسخرية وليس التبجيل. وغويا من منظور فني أكثر عمقاً هو رائي الكوابيس الليلية السوداء والكائنات المشوهة والأشباح والشياطين، أثر في أجيال لاحقة من الفنانين، منهم بيكاسو ومانيه كما ألهمت ثيمات جدارياته الكابوسية السورياليين، وتحديداً سلفادور دالي. لم يكن غويا سياسياً، لكنه كان تنويراً آمن بمبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والعدل والمساواة، لكنه رفض احتلال نابليون لبلاده، بل إن ردة فعله ضد الطغيان ورعبه من الدم الذي سال في شوارع مدريد، اتخذت تعبيرات فنية صادمة؛ لأنه رأى الإنسان مسؤولاً عن جحيمه في الأرض ومعاقباً لذاته. إن هذه اللوحة تحديداً تؤرخ لانتصار دم الثوار في كل زمان ومكان على سلاح الطغاة والقناصين ومغتصبي حقوق البشر، وسواء تمت تصفية 400 شاب إسباني في يومين أو 600 شاب عراقي أعزل خلال شهرين، فإن الدم البريء قد صرخ وما زال يصرخ مطالباً بالحقوق، وما من سلاح أو حكم بالإعدام قادر على إسكاته. الناقد الفني البريطاني كينيث كلارك أرّخ للوحة «الثالث من مايو» كبداية للحداثة الفنية والتي يمكن تسميتها بالثورية في أسلوبها وموضوعها ومقصدها. وقد تكون هذه اللوحة تحديداً هي الرائية والمصورة الراهنة لكل آلام المغدورين ظلماً وفي كل عصر.



«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».


الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».


سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
TT

سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)

أثار طرح بوستر برنامج المقالب «رامز ليفل الوحش»، الذي يقدمه الفنان رامز جلال في رمضان 2026، اهتماماً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدَّر الترند عبر منصة «X» في مصر، الثلاثاء.

كان رامز جلال قد كشف عن الملصق الترويجي للبرنامج، الذي ظهر من خلاله وقد أعطى ظهره للكاميرا دون أن يكشف عن ملامح أو تفاصيل أخرى، ثم ظهر في ملصق آخر وقد طغى اللون الأحمر على كل شيء؛ ملابسه ونظارته وملابس القرد الذي يحمله على كتفه وفانوس رمضان الذي يمسكه بيده، بينما ظهر بشعر برتقالي على شكل حمم بركانية، ما أشعل سباق التوقعات بين الجمهور حول فكرة الموسم الجديد من البرنامج الذي اعتاد إثارة الجدل وخطف الانتباه في مواسمه السابقة.

رامز جلال كما ظهر على بوستر البرنامج (إم بي سي مصر)

وكتب رامز، عبر حسابه على «X»: «بسم الله توكلنا على الله»، معلناً بطريقته المعتادة الموسم الجديد لبرنامج المسابقات الذي يقدمه بعنوان «رامز ليفل الوحش» في رمضان 2026 على «MBC مصر».

وأضاف: «اجمد ومتبقاش خفيف... الموضوع مخيف»، الذي تتخذه قناة MBC شعاراً للبرنامج، وقد جرى تصويره بمدينة الرياض، وهو من إنتاج الهيئة العامة للترفيه (GEA) ليعلق متابعون حول توقعاتهم لطبيعة المقلب الذي سيتعرض له ضيوف البرنامج. وكتب حساب باسم «محمد العريفي»: «أيوة كده يا رامز، نجم رمضان كل سنة». وكتب حساب باسم «شهد»: «البوستر يجنن، وطبعاً لون شعرك خيالي».

وعلق «Abdou»: «واضح إن الضحايا، هذا العام، داخلين أخطر تجربة في حياتهم، (رامز ليفل الوحش) هيكسر الدنيا».

في حين كشف حساب باسم «MEMO» أن «مفاجأة رامز جلال، هذا الموسم في رمضان، هو استضافته اللاعب أشرف حكيمي، ليبدأوا لعبة مثل (سكواد جيم)، ووسط اللعب سيجري حبس الضيف في غرفة مظلمة بمفرده ليس بها غير شاشة، وفجأة رامز هيشغل عليها جول «بابا غابي» في المغرب بنهائي أمم أفريقيا».

وكتب حساب باسم «Arabian Crave»: «بما إن الفضول واصل للسماء والكل بيسأل رامز جلال ناوي على إيه السنة دي، خليني أفكّلك اللغز وأوريك الطريق اللي هتحس فيه ريحة المقلب قبل ما يبدأ، تخيل نفسك رايح مهرجان عالمي وفجأة تلاقي نفسك جوة نسخة مخيفة من لعبة الحبار، بس المرة دي كلها مصرية».

ويحظى تسجيل حلقات البرنامج بكثير من السرية حتى لا تتسرب الفكرة لبقية ضيوف البرنامج الذي يعمل رامز وفريق الإعداد والإخراج معه على الانتهاء من تصوير الحلقات كاملة قبل شهر رمضان بوقت كاف.

وأكد الناقد أحمد سعد الدين أن اسم رامز جلال يتحول إلى «ترند» مع اقتراب شهر رمضان، وقبل عرض برنامجه؛ لأن اسمه وحده يكفي، سواء أكان تحت مسمى «رامز قلب الأسد» أم «رامز ليفل الوحش»، فهو يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الخليجي والجمهور المصري، مشيراً إلى أنه يعتمد في كل مرة على فكرة جديدة في برنامج يتمتع بإنتاج ضخم يتيح له أن يحقق إبهاراً فنياً، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لكن مشكلة البرنامج أنه يعتمد على فكرة واحدة طوال شهر رمضان، وبعد عرض خمس حلقات يكون المشاهد قد أدرك الفكرة وتوقّع ما سيقوله الضيف، ومن الأفضل أن يقدم فكرة مختلفة لكل عشر حلقات».

ويلفت سعد الدين إلى أن الحلقات الأولى التي قدمها لم تكن تتمتع بإنتاج كبير، لكن بعدما اتجه للإنتاج في كل من دبي والسعودية توافرت له إمكانات واسعة مكّنته من تقديم عناصر إبهار أكثر، والاستعانة بنجوم عالميين في بعض الحلقات.

بدأ الفنان رامز جلال «52 عاماً» تقديم برنامج المقالب، الذي يحمل اسمه بشكل موسمي في رمضان من كل عام، في 2011، وقد حملت عناوين متعددة، على غرار «رامز قلب الأسد»، و«رامز ثعلب الصحراء»، و«رامز مجنون رسمي»، و«رامز إيلون مصر».