أروقة دافوس تشهد «تهدئة رقمية» بين باريس وواشنطن

مساعٍ لتعجيل الاتفاق مع أوروبا وتوقعات بمفاوضات أسهل مع لندن

تحركت واشنطن على عدة محاور متوازية خلال وجود المسؤولين في «دافوس» لوضع النقاط فوق الحروف فيما يخص عدد من المسائل التجارية مع أوروبا (رويترز)
تحركت واشنطن على عدة محاور متوازية خلال وجود المسؤولين في «دافوس» لوضع النقاط فوق الحروف فيما يخص عدد من المسائل التجارية مع أوروبا (رويترز)
TT

أروقة دافوس تشهد «تهدئة رقمية» بين باريس وواشنطن

تحركت واشنطن على عدة محاور متوازية خلال وجود المسؤولين في «دافوس» لوضع النقاط فوق الحروف فيما يخص عدد من المسائل التجارية مع أوروبا (رويترز)
تحركت واشنطن على عدة محاور متوازية خلال وجود المسؤولين في «دافوس» لوضع النقاط فوق الحروف فيما يخص عدد من المسائل التجارية مع أوروبا (رويترز)

تستغل دول كبرى وجودها في أروقة دافوس بممثلين رفيعي المستوى لمحاولة إنجاز اتفاقات كبرى على هامش المنتدى العالمي. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى دفع الاتحاد الأوروبي للموافقة على إبرام اتفاق تجاري أفضل لواشنطن من العلاقات القائمة حالياً، فإنها تضغط من جهة أخرى على فرنسا للتراجع عن الضريبة الرقمية، مهددة كلا الطرفين بعقوبات انتقامية تجارية، فيما تسارع على محور ثالث لموقف تجاري قوي مع بريطانيا التي ستبدأ عملية «بريكست» بعد أيام.
وقال وزير المالية الفرنسي برونو لومير، أمس (الخميس)، إن فرنسا توصلت إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول أساس محادثاتهما المستقبلية بشأن ضريبة رقمية عالمية على مستوى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وقال لومير خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في سويسرا: «أجرينا محادثات مطولة صباح اليوم (أمس) مع‭ ‬وزير الخزانة الأميركي وأمين عام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويسعدني أن أعلن لكم أننا توصلنا إلى اتفاق بين فرنسا والولايات المتحدة يوفر الأساس للعمل على فرض ضريبة رقمية، في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية». وأضاف: «إنها أنباء جيدة لأنها تقلل خطر فرض عقوبات أميركية وتفتح المجال للتوصل إلى حل دولي بشأن الضريبة الرقمية».
وعلى صعيد موازٍ، أوضح وزير التجارة الأميركي ويلبور روس، أمس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يطالب بالتوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي قريباً، ولكنه لم يضع مهلة لإبرام هذا الاتفاق. وقال في مؤتمر صحافي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «لقد اتخذ قراراً مفاده أنه ما دامت المفاوضات تجدي نفعاً فسيستمر في التفاوض».
وأضاف وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين: «نحن لا نضع مواعيد تعسفية». مع ذلك، كرر الوزيران تحذير ترمب من أن واشنطن سوف تفرض رسوماً على واردات السيارات الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وأكد منوتشين أن أميركا تسعى للتوصل إلى اتفاق تجاري هذا العام مع بريطانيا، التي من المقرر أن تخرج من الاتحاد الأوروبي. وقال روس إن المفاوضات مع لندن سوف تكون أسهل من المباحثات مع بروكسل، مشيراً إلى أوجه التشابه بين الاقتصادين البريطاني والأميركي والعلاقات الوثيقة بين خدماتهما المالية.
وبعد التوصل إلى هدنة تجارية مع الصين، وتوقيع اتفاق تبادل حر مع كندا والمكسيك، يسعى الرئيس الأميركي الذي يفتخر بقدرته على عقد «صفقات»، للمواصلة على نفس الوتيرة. وصرح ترمب، أول من أمس (الأربعاء)، في دافوس بأنه يأمل أيضاً عقد اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي قبل الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني).
ويبدو أن المفاوضات الأميركية مع كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا تسير على التوازي. ومساء الأربعاء، قال لومير عقب محادثاته مع منوتشين: «لقد توصّلنا إلى اتّفاق (...) على إطار عمل دولي مشترك». وأضاف أنّ الاتفاق ينصّ على إرجاء فرنسا مبالغ مالية مطلوبة لضريبتها الرقمية حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020، في حين تعلّق الولايات المتحدة العقوبات التي تهدد بفرضها على فرنسا. ولكنه تابع أن «فرنسا لن تقبل سواء بسحب أو تعليق الضريبة التي فرضتها على شركات الإنترنت ما دام لا يوجد حل دولي».
وتدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي محاولة من منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير للتوصل إلى حل دولي قابل للتطبيق. وقال لومير: «ما زلنا بحاجة إلى الاتفاق على أساس مشترك للعمل» مع واشنطن لدفع المحادثات.
من جهته، قال وزير المالية البريطاني ساجد جاويد، في وقت سابق في دافوس، إن لندن تعتزم المضي قدماً في خططها لتطبيق فرض ضريبة رقمية في أبريل (نيسان) المقبل، مؤكداً أنه سيتم التخلي عن هذا التشريع في حال التوصل إلى حل دولي.
لكن على صعيد آخر، يبدو أن هناك جوانب أخرى للخلافات بين واشنطن من جانب وفرنسا من جانب آخر، وربما تؤثر بدورها على تحرك المفاوضات التجارية، أو تستغل كأوراق «ضغط محتملة»... إذ مارست الولايات المتحدة، الأربعاء، ضغوطاً على فرنسا لحملها على اتخاذ «إجراءات أمنية قوية» ضد اختراقات محتملة قد تتيحها شبكات الجيل الخامس التي تطورّها شركة الاتصالات الصينية «هواوي»، محذّرة من أن عدم القيام بذلك قد يؤثر على التبادلات الاستخباراتية بين واشنطن وباريس.
وتصدرت المخاوف التي تحيط بالجيل الخامس لـ«هواوي» جدول أعمال الاجتماع الثالث الأميركي الفرنسي حول الأمن السيبري، وفق ما أفاد الدبلوماسي الأميركي روبرت ستراير للصحافيين في باريس. وأوضح ستراير أن الولايات المتحدة لم تطلب من فرنسا مقاطعة «هواوي»، بل اتخاذ إجراءات حماية قوية ضد «اختراقات خبيثة» ناتجة عن تحديثات برامج الأنظمة التي تقدمها الشركة الصينية. وأضاف أنه إذا فشلت فرنسا في اتخاذ خطوات كافية، فإن الولايات المتحدة «سوف يتعين عليها إعادة تقييم كيفية إجراء العمليات» التي تتطلب تبادل معلومات حساسة، بما في ذلك التدريبات العسكرية المشتركة وعمليات مكافحة الإرهاب.


مقالات ذات صلة

لاغارد مرشحة لرئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في 2027

الاقتصاد لاغارد تتحدث إلى وسائل الإعلام عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (أ.ب)

لاغارد مرشحة لرئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في 2027

قالت صحيفة «إن زد زد» السويسرية، الأحد، إن رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قد تتولى رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت ما من عام 2027.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
الاقتصاد رئيس الوزراء الصيني يلقي كلمة في حفل افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في داليان (أ.ف.ب)

الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية يتصدران «دافوس الصيفي» في الصين

تتصدر الذكاء الاصطناعي والتوترات الجيوسياسية جدول أعمال اجتماعات «دافوس الصيفي» في مدينة داليان الصينية.

«الشرق الأوسط» (داليان، الصين)
تحليل إخباري من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

يضع هذا التناقض الجذري صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

أنطوان الحاج
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
TT

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)

اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، خفضاً كبيراً لانكشافه على سندات الخزانة الأميركية، في إطار إعادة هيكلة أوسع لاستثماراته في السندات بهدف تحسين العوائد، وفقاً لرسالة نُشرت هذا الأسبوع.

وأوصت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر السندات القياسي من 70 في المائة إلى 50 في المائة، مع توجيه الجزء الأكبر من الخفض إلى سندات الخزانة الأميركية، التي تمثّل أكبر حيازات الصندوق، وفقاً للرسالة.

وستؤدي هذه التغييرات إلى خفض ما يقرب من 80 مليار دولار من حيازات الصندوق الحالية من سندات الخزانة الأميركية، التي بلغت نحو 215 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران)، وفقاً لحسابات «رويترز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية اضطرابات مؤخراً، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل بشكل حاد، في ظل مخاوف المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم ومستويات الدين الحكومي.

ويمتلك صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم، في المتوسط 1.5 في المائة من جميع الشركات المدرجة عالمياً. ويعني حجمه الهائل أن قراراته الاستثمارية قادرة على التأثير في تدفقات السوق على نطاق واسع.

وأكدت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً.

وجاءت مقترحات الصندوق رداً على استفسارات من وزارة المالية النرويجية بشأن استراتيجية استثمار صندوق الثروة السيادي في السندات.

وقال بنك النرويج للاستثمار إنه سينتظر رد الوزارة، مضيفاً أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً تأتي للحد من تأثيرها على السوق وتكاليف المعاملات.

وكتبت محافظة «بنك النرويج»، إيدا وولدن باش، والرئيس التنفيذي لإدارة الاستثمار في «بنك النرويج»، نيكولاي تانجن، في الرسالة: «نوصي بخفض المؤشر الفرعي الحكومي لمؤشر السندات من 70 في المائة إلى 50 في المائة».

وأضافا: «ستكون حصة حكومية بنسبة 50 في المائة كافية لتغطية احتياجات السيولة، بما في ذلك خلال فترات اضطراب الأسواق المالية».

كما اقترح الصندوق، في رسالة منفصلة، النظر في زيادة استثماراته في الأصول غير المدرجة، جزئياً بوصفها وسيلة للحد من مخاطر التركّز التي تزايدت في محفظة أسهمه الخاصة وسط الارتفاع القوي في أسعار أسهم عدد من شركات التكنولوجيا الأميركية.

وبموجب تفويضه الحالي، يمكن للصندوق الاستثمار في أصول عقارية وأصول أخرى للطاقة المتجددة غير المدرجة، إلا أن حصة الاستثمارات غير المدرجة لديه لا تزال أقل من مثيلاتها لدى الصناديق المماثلة.

خفض سندات الخزانة الأميركية

أعلنت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن التغيير الأبرز في مؤشر السندات يتمثّل في زيادة الاستثمار في أدوات الدين غير الحكومية، بما في ذلك الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بهدف تحسين تنويع المحفظة وزيادة الانكشاف على علاوات المخاطر.

وصرّح متحدث باسم إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بأن إجمالي الانكشاف على الدولار الأميركي سيظل عند نحو 50 في المائة، مضيفاً: «يكمن التغيير في تركيبة سوق الدولار: انخفاض حيازات سندات الخزانة الأميركية الحكومية، وزيادة مقابلة في سندات الرهن العقاري الأميركية والسندات الحكومية».

وبموجب المقترحات، سينخفض وزن سندات الخزانة الأميركية الحكومية في مؤشر السندات من 34.1 في المائة إلى 21.9 في المائة، وفقاً للرسالة، فيما سينخفض تخصيص سندات منطقة اليورو بشكل طفيف من 16.8 في المائة إلى 14.1 في المائة.

وسيرتفع تخصيص سندات الحكومة اليابانية من 4.6 في المائة إلى 7.4 في المائة، في حين سيظل تخصيص السندات البريطانية دون تغيير عند 4.2 في المائة. وقال الصندوق إن هذه التغييرات ستجعل المؤشر أكثر توافقاً مع أوزان السوق العالمية.

وفي حين سينخفض انكشاف الصندوق على سندات الخزانة الأميركية، سترتفع النسبة المقترحة للديون غير الحكومية الأميركية من 16.2 في المائة إلى 27.6 في المائة، ما يعني أن الوزن الإجمالي لمؤشر السندات المقوّم بالدولار الأميركي سينخفض بشكل طفيف فقط، من 52.9 في المائة إلى 52.5 في المائة.


المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
TT

المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

عادت المعادن النادرة إلى صدارة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، بعدما امتنع بعض الموردين الصينيين عن تنفيذ شحنات إلى عملاء أميركيين رغم حصولهم على تراخيص تصدير؛ خشية التعرض لعقوبات من بكين، في تطور يعكس استمرار هشاشة سلاسل توريد المواد الحيوية قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في 24 سبتمبر (أيلول).

ويكتسب الملف أهمية استثنائية للولايات المتحدة؛ نظراً إلى استخدام المعادن والمواد الحرجة في قطاعات الدفاع وأشباه الموصلات والطيران والطاقة والأجهزة الطبية. ورغم تعافي صادرات كثير من المعادن النادرة والمغناطيسات المرتبطة بها منذ فرض الصين قيوداً في أبريل (نيسان) 2025، لا تزال أسعار بعض المواد قرب مستويات قياسية، في حين تستمر اختناقات المعروض.

وحسب مصادر مطلعة، رفض عدد من الموردين الصينيين منذ مطلع أغسطس (آب) إرسال معادن نادرة إلى شركات أميركية بعد فرض بكين عقوبات على تحالف «ريسبونس بيزنس أليانس»، وهي جهة أميركية تراقب سلاسل التوريد.

وتخشى الشركات الصينية التعرض لإجراءات من السلطات إذا التزمت بإطار العناية الواجبة التابع لـ«ريسبونس بيزنس أليانس»، وهو برنامج عالمي لتدقيق سلاسل توريد المعادن مرتبط بالتحالف الأميركي.

كما أوقفت شركات صينية أخرى شحناتها إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة؛ تجنباً للتورط في التوترات الجيوسياسية. وأشار أحد المصادر إلى أربع حالات رفضت فيها شركات صينية إرسال مواد بسبب مخاوف من إعادة بيعها لاحقاً إلى مستخدمين خاضعين للحظر.

ولم يتضح العدد الإجمالي للموردين الذين امتنعوا عن تنفيذ شحنات إلى الولايات المتحدة، لكن استمرار المشكلة دفع واشنطن إلى وضع المعادن النادرة ضمن الملفات التي يجري التحضير لمناقشتها قبل زيارة شي.

وتضغط الإدارة الأميركية على الصين للالتزام بالتعهدات التي تم التوصل إليها في بوسان وبكين خلال العام الماضي؛ لضمان التدفق السلس لتراخيص تصدير المعادن النادرة. وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تواصل مطالبة الجانب الصيني بمعالجة ما تعدّه عدم امتثال لاتفاق بوسان، إلى جانب قضايا ثنائية أخرى.

وتبرز أهمية القيود بصورة خاصة في مواد مثل الإيتريوم وفوسفيد الإنديوم والتنغستن، المستخدمة في تطبيقات عسكرية أو صناعات حساسة مثل الطيران وتصنيع الرقائق. كما طالت تأخيرات التراخيص شركات تعمل في الأجهزة الطبية والطاقة.

وتظهر بيانات الجمارك الصينية أن صادرات الإيتريوم إلى الولايات المتحدة ارتفعت هذا العام، لكنها لا تزال عند نحو نصف مستويات 2024، رغم إرسال كميات كبيرة إلى دول أخرى. وحسب المصادر، تنتظر بعض الشركات الأميركية منذ أكثر من ستة أشهر الحصول على تراخيص لاستيراد المعادن.

وقالت ريفا غوجون، الخبيرة الاستراتيجية في الشؤون الجيوسياسية لدى «روديوم غروب»، إن الصين استخدمت ضوابط تصدير المعادن النادرة بفاعلية للضغط على مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، المسؤول عن عدد من القيود المفروضة على الصين.

وترى غوجون أن اختناقات سلاسل التوريد ستكون في صلب المباحثات المقبلة، لكنها تتوقع أن تخفف بكين بعض القيود على المواد الخام الحيوية حول موعد القمة؛ بهدف تقليص الانتقادات الأميركية بشأن عدم التزام الصين بالهدنة التجارية.

وتقول بكين من جانبها، إنها ملتزمة بالحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية. كما تربط العقوبات التي فرضتها في أغسطس على شركات تدقيق أميركية بإجراءات اتخذتها لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية منذ ديسمبر (كانون الأول) ضد مختبرات صينية لاختبار الإلكترونيات والطائرات المسيّرة وأجهزة التوجيه الاستهلاكية والكابلات البحرية ومعدات الروبوتات المتقدمة ومحولات الطاقة.

وعندما أثار مسؤولون أميركيون قضية المعادن النادرة خلال اجتماعات ثنائية، رد مسؤولون صينيون بأن الإجراءات الأميركية نفسها تنتهك هدنة بوسان؛ ما يعكس اتساع الخلاف من قضية تجارية محددة إلى شبكة من القيود التنظيمية المتبادلة.

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات على مرونة محدودة. فبعد شهرين لم تصدّر خلالهما الصين أي إيتريوم إلى الولايات المتحدة، أرسلت 27 طناً في يوليو (تموز)، وهي ثاني أكبر شحنة شهرية منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما أفادت شركات أميركية بحصولها مؤخراً على تراخيص عدة بعد فترات انتظار طويلة، وسط توقعات بزيادة الموافقات مع اقتراب قمة سبتمبر.

ولا تقتصر القيود على الولايات المتحدة؛ إذ تواجه الشركات اليابانية والهندية صعوبات أكبر في بعض الحالات، في حين قال وزير التجارة الياباني ريوسي أكازاوا سابقاً إن الشركات اليابانية واجهت تأخيرات في التصاريح وعمليات تفتيش جمركية مطولة للمعادن الحيوية.

وتكشف البيانات عن حجم التراجع في الإمدادات إلى اليابان؛ فلم تصدّر الصين أي كميات من التيربيوم إليها بين يناير وأغسطس من العام الحالي، مقارنة بنحو 20 طناً في الفترة نفسها من العام الماضي. كما هبطت شحنات الغاليوم 65 في المائة، والإيتريوم 98 في المائة. ويستخدم الغاليوم والتيربيوم بكميات صغيرة في تصنيع المغناطيسات عالية الأداء.

كما قالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين إن إجراءات الترخيص أصبحت أكثر انسيابية، لكن الشركات الأعضاء لا تزال تواجه مشكلات في التنفيذ، مطالبة بنظام شفاف ويمكن التنبؤ به يضمن الوصول الموثوق إلى المعادن النادرة.

وتكشف الأزمة عن ورقة استراتيجية قوية تمتلكها بكين في علاقتها الاقتصادية مع واشنطن وحلفائها. فحتى عندما تمنح الحكومة تراخيص التصدير، يمكن للمخاطر التنظيمية والجيوسياسية أن تدفع الشركات نفسها إلى الامتناع عن الشحن.

ومع اقتراب زيارة شي إلى واشنطن، سيكون الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت الصين ستخفف القيود بما يكفي لإزالة الاختناقات، أم ستحتفظ بالمعادن النادرة ورقة تفاوضية. وفي الحالتين، تؤكد التطورات أن أمن الإمدادات أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة الاقتصادية بين القوتين، وأن الحصول على الترخيص لم يعد بالضرورة ضماناً لوصول المواد الحيوية إلى المصانع الأميركية.


«جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا» يتوقعان رفعاً جديداً للفائدة الأوروبية في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا» يتوقعان رفعاً جديداً للفائدة الأوروبية في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

توقع البنكان الاستثماريان «جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا»، يوم الخميس، أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إضافية خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ وذلك في ظل استمرار الضغوط التضخمية وصعود أسعار الطاقة، مما يعزز مبررات مواصلة نهج التشديد النقدي.

وكان البنكان قد توقعا في وقت سابق انتهاء دورة التشديد النقدي للبنك المركزي الأوروبي دون رفع أسعار الفائدة في ديسمبر، وفق «رويترز».

وتشير التوقعات المعدلة إلى أن تكاليف الاقتراض في منطقة اليورو ستظل مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً، في ظل قوة النمو الاقتصادي في المنطقة واستمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.

وقال محللون في «بي إن بي باريبا» في مذكرة: «نعتقد أن استمرار صدمة الطاقة ومرونة الاقتصاد يزيدان من احتمالية ظهور آثار ثانوية».

واستوعبت الأسواق تقريباً بالكامل احتمال رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقرر في 10 سبتمبر (أيلول)، إذ تشير بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن إلى احتمال يبلغ 99.2 في المائة.

وتراجعت أسعار النفط، لكنها ظلت فوق 95 دولاراً للبرميل. وفي الوقت نفسه، انخفضت عوائد سندات منطقة اليورو من أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بعد الضغوط التي شهدتها الأسواق مؤخراً جراء تصاعد الصراع في إيران، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأثار مخاوف بشأن استمرار التضخم وتشديد السياسة النقدية.

وقال «جي بي مورغان» إن «التفاعل بين استمرار ضغوط أسعار الطاقة، والنمو القوي، وثبات التضخم الأساسي، وسعر الفائدة المحايد الذي يتوقع البنك المركزي الأوروبي ارتفاعه تدريجياً»، سيكون من العوامل الدافعة إلى رفع إضافي لأسعار الفائدة في ديسمبر.

ويتوقع «بي إن بي باريبا» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه الأسبوع المقبل، مع إبقاء الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام المزيد من الزيادات إذا ظهرت مؤشرات على آثار ثانوية.