زيفين يقرأ تاريخ «اللّيبراليّة» كما كتبته «الإيكونوميست» البريطانية

177 عاماً على أسبوعيّة النّخبة الغربيّة

«Liberalism at Large: The World According to the Economist» المؤلف: ألكسندر زيفين الناشر: دار فيرسو للنشر  (لندن ونيوريوك) 2019
«Liberalism at Large: The World According to the Economist» المؤلف: ألكسندر زيفين الناشر: دار فيرسو للنشر (لندن ونيوريوك) 2019
TT

زيفين يقرأ تاريخ «اللّيبراليّة» كما كتبته «الإيكونوميست» البريطانية

«Liberalism at Large: The World According to the Economist» المؤلف: ألكسندر زيفين الناشر: دار فيرسو للنشر  (لندن ونيوريوك) 2019
«Liberalism at Large: The World According to the Economist» المؤلف: ألكسندر زيفين الناشر: دار فيرسو للنشر (لندن ونيوريوك) 2019

رغم أن «اللّيبراليّة» كمفهوم سياسي لعبت منذ النّصف الأوّل للقرن التاسع عشر أدواراً مؤثرة في تشكيل العالم كما انتهى إليه اليوم، فإنّه ليس هناك اتفاق عام على تعريف محدد لمصطلح «الليبراليّة» بين المؤرخين والمنظّرين الاقتصاديين بالنّظر إلى التحولات والتقلبات التي مرّت بها عبر العقود، كما في تعدد مدارسها، وتنوّع حاملي لوائها. ولذلك يكتسب النصّ الجديد للمؤرخ أليكسندر زيفين حول تاريخ مجلّة «الإيكونوميست» البريطانيّة - المستمرّة بالصدور منذ 1843 دون توقف - أهميّة خاصّة كمحاولة طموحة في إطارها، متفردة وغير مسبوقة لتقديم قراءة تاريخيّة شاملة للفكر اللّيبرالي سياسيا واقتصاديا من خلال استعراض مواقف المجلّة التي طالما اعتبرت ناطقة باسم النُخبة الرأسماليّة الغربيّة بجناحها الأنجلو - أميركي، كما سيرة رؤساء تحريرها منذ أيّام مؤسسها الأوّل الرأسمالي الاسكوتلندي الأصل جيمس ويلسون (1805 - 1860)، وانتهاء برئيسة تحريرها الحاليّة وأوّل امرأة تتولى ذلك المنصب زانيي مينتون بيدّوز (ولدت 1967).
وجهة نظر زيفين في «اللّيبراليّة المتفلّتة: العالم وفق الإيكونوميست» تنطلق من قناعته بعد غوصه المعمّق في أرشيف المجلّة منذ صدورها بأن الأسبوعيّة اللندنيّة لم تكن مجرّد مراقب لشؤون العالم السياسيّة والاقتصادية، بل أقرب إلى لاعب أساسي في تشكيل عالمنا المعاصر كما انتهى إليه اليوم عبر التأثير البالغ الذي تركته على صنّاع القرار، وكبار الرأسماليين، والقادة السياسيين، منذ حملتها ضدّ قوانين الضرائب على استيراد الذّرة (فرضت عام 1837 لحماية المزارع البريطاني المحلّي) - وكانت عملياً وراء إسقاطها بعد ثلاث سنوات من تأسيس المجلّة - مروراً بالمحطات الرئيسية في تاريخ الإمبراطوريّة البريطانيّة وحروبها الإمبرياليّة عبر الحقب، ومن ثمّ انتقال المركز الرأسمالي الغربي بعد الحرب العالميّة الثانية إلى الجانب الآخر من الأطلسي - وصعود الإمبراطوريّة الأميركيّة وهيمنتها المعولمة.
تتعرض «الإيكونوميست» لانتقادات حادّة لمواقفها الآيديولوجيّة المشينة في تأييد الحروب والغزو الإمبريالي والاحتلالات، ولتسويقها المكثّف لسياسات التجويع ونموذج «الصدمة الاقتصادية»، وقمع التحركات العماليّة والوطنيّة وتطرّفات النيو - ليبرالية المعاصرة التي تسببت في موت مبكّر لملايين البشر حول العالم وعذابات وآلام لا يمكن حصرها، كما انحيازها الصّريح لقادة سياسيين يعتبرهم كثيرون بمثابة مجرمي حرب وانقلابيين دمويين، وترويجها للبروباغاندا التي تنتجها مطابخ الاستخبارات البريطانيّة والأميركيّة، وسكوتها عن جرائم الإمبراطوريّات والعبوديّة والمذابح، وهي كلّها مسائل مسجلّة على صفحات المجلّة ولا يمكن إنكارها. بينما ينتقدها آخرون لجوانب تقنيّة حول صياغة مادتها، إذ من المعروف أن طاقم تحريرها يمثل لوناً واحداً مكثفاً - بالتحديد من خريجي جامعتي كمبريدج وأكسفورد المسرفتين في نخبويتهما مع غلبة خاصة لخريجي كليّة ماجدلين بالأخيرة - كما تلك اللّهجة المتعالية السائدة للغة مقالات المجلّة - كانت نصيحة أحد رؤساء تحريرها للكتاب الجدد أن ينظروا للعالم من مقاعد الآلهة -، ونزعتها الطبقيّة التي لا تخفى في سعيها لاستقطاب الأثرياء سواء من خلال وجهات النظر المطروحة أو حتى نوعيّة الإعلانات التي تحملها.
ومع ذلك كلّه فإن «الإيكونوميست» فرضت وجودها كمرجعيّة بما يخص تقنيّة العمل الصحافي، وأصبحت مساحة لحوار داخلي بين البرجوازيين والمؤثرين، وسجلاً للفكر الاقتصادي الغربيّ، وضرورة لا بدّ منها لمتابعة أحداث العالم. وحتى كارل ماركس الذي انتقدها بشدّة (العام 1852) بوصفها ذراعاً «لأرستقراطيّة الرأسماليين»، كان قارئاً دائماً لها حتى غيابه، كما كان بينيتو موسيلليني - الزعيم الفاشي الإيطالي، وأنجيلا ميركل - الزعيمة الألمانيّة الغربيّة التي تعد من أخلص متابعيها ناهيك بالطبع عن النخبة السياسيّة البريطانيّة، ودهاقنة البنوك والمؤسسات الماليّة في السيتي (حي رأس المال والأعمال بلندن)، ونظرائهم في وول ستريت بالولايات المتحدة. ويمثّل أسلوبها اللغوي مدرسة رفيعة يراها كثيرون صورة اللغة الإنجليزيّة في تجليها وتطورها المستمر عبر المراحل، كما أنها بفضل غياب تنوّع طاقم كتابها تبدو رغم تغطيتها الشاملة لأحداث وشؤون العالم بأجمعه وكأنها تنطق عن قلب رجل واحد، لا سيما أن معظم مقالاتها لا توقّع بأسماء الأشخاص. وهي فوق ذلك كله تمتلك شبكة من 21 مكتباً حول العالم تغذيها بالمواد القريبة من الحدث في الوقت الذي تميل الصحافة المكتوبة هذه الأيّام لتقليص تكاليفها عبر العمل مع مراسلين أفراداً بالقطعة، وتمتلك وجوداً مثيراً للاهتمام على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وفريق إنتاج فني يقدّم أثرى كميّة من المعلومات في كل صفحة مقارنة بكل الأسبوعيّات وصحف الصف الأوّل. «الإيكونوميست» بقيت رابحة دائماً كمشروع تجاري، وهي من العناوين القليلة التي زاد انتشار نسختها الورقيّة بشكل مطرد حتى بعد ظهور الإنترنت. ويبدو أن قدرتها على قراءة العالم بواقعيّة باردة منحتها القدرة على تقييم فقدان بريطانيا لمكانتها رويداً رويداً لمصلحة الشقيق الأشقر عبر الأطلسي، فانتقلت بتركيزها إلى الولايات المتحدّة، حيث تمتلك هناك أكبر قاعدة من المشتركين (أكثر من مليون نسخة أسبوعياً) مقارنة بالـ750 ألف نسخة التي تبيعها في بلدها الأم بريطانيا وبقيّة العالم.
يسجلّ زيفين أن «الإيكونوميست» كانت سباقة في كسر الحواجز بين عوالم السياسية والأموال والأعمال والصحافة، وتنقل محرروها وكتابها من العمل الصحافي لإدارة الأعمال وتقديم الاستشارات وشغلوا مناصب ليس أقلها نائب بمحافظ بنك إنجلترا المركزي، ورئيس وزراء المملكة المتحدة، وأسس أول رئيس لتحريرها بنك ستاندار تشارترد - الذي كان بنك تجارة الأفيون البريطانية بآسيا -كما انتخب عدد منهم أعضاء في البرلمان البريطانيّ. وقد كان الجاسوس البريطاني الأشهر كيم فيلبي الذي عمل لمصلحة الاتحاد السوفياتي مراسلاً للمجلّة في الشرق الأوسط، وكتب من هناك تقارير حادة انتقد فيها الشيوعيّة كنوع من التمويه على مهمته مع مشغليه السوفيات.
ويلفت زيفين في كتابه إلى أن «الإيكونوميست» طالما بقيت مخلصة لمواقفها الرأسماليّة الحادة والمعادية بلا وجل للاشتراكية والفقراء والمهمشين لم تقترب إلى الخروج عن هذه المبادئ إلا حول مئويتها (1943)، عندما أيّدت سياسات حزب العمّال ودعمت تدخّل الدّولة لضمان حقوق دنيا للطبقة العاملة، قبل أن تعود مجدداً إلى مواقفها المتطرفة يميناً لا سيّما في عهد نيو - ليبراليّة ثاتشر - ريغان، وتأييدها البالغ الوضوح للعولمة. ويفسّر مؤرخون يساريّون ذلك الموقف الاستثنائي للمجلّة في تلك الفترة بانحيازها التام للإمبراطوريّة والنخبة المهيمنة على الدّولة البريطانيّة التي كان يمكن أن تسقط في لحظة الضعف الاستراتيجي تلك بيد الطبقة العاملة بسبب الغضب الذي كان يعتمل داخل قلوب ملايين البريطانيين الذين كانوا تحت السلاح خلال الحرب الكبرى، ويعتقدون بأحقيتهم هم الذين دفعوا الأرواح والدماء والأعمار بالعيش الكريم في دولة لهم تحترم إنسانيتهم وتمنحهم حقوقاً في التصويت والطبابة والتعليم والمساعدات الاجتماعية، ولذا فقد سلّمت السلطة - على نحو ما - إلى حكومة عماليّة تتولى توجيه ذلك الغضب نحو مرافئ آمنة مع ديمومة هيمنة ذات النّخبة التي أشعلت الحرب.
نصّ زيفين - أستاذ التاريخ في جامعة سيتي بنيويورك - عن «الإيكونوميست» التي ليس لها مثيل، متعدد الأوجه والوعود. فهو أكثر من مجرّد تأريخ للمؤسسة القائمة على إنتاج المجلّة، أو سرد لسيرة كبار محرريها وكتابها، أو رصد لمواقفها من تقلبات الأيّام وحروب الإمبراطوريّات، أو أدوارها في تشكيل رؤية النخبة الأنجلو - أميركيّة حول شكل العالم، أو نقداً لانحيازاتها السافرة ومواقفها المندية لجبين الصحافة، أو رصداً لتحولات الفكر الليبرالي خلال قرنين، بل هو مزيج رائق لكلّ ذلك من يد باحث مدقق خبير بدهاليز وأرشيفات المجلّة عارف بسيرتها ربما أكثر من كتابها الحاليين - كانت «الإيكونوميست» موضوع رسالته للدكتوراه - ورغم البرود الإنجليزي المعهود في مراجعتها للكتاب واعتراضها على الانتقادات الشديدة التي تضمنها، فإن «الإيكونيميست» أقرّت بسعادتها بأن زيفين وضعها في تلك المكانة - صانعة للتاريخ - وتعامل معها بالجديّة، التي ترى بالطبع أنها امتيازها الذي تستحق.



الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».