المجلة الصامدة... سلاح «كوندي ناست» السّري لا يزال حبراً على ورق

«ذا وورلد أوف إنتريورز» تبتعد عن زخم الإنترنت وتحافظ على رونقها وتاريخها

TT

المجلة الصامدة... سلاح «كوندي ناست» السّري لا يزال حبراً على ورق

أن تكون قارئاً لمجلة من المجلات في هذه الأيام، لهو أمر يبعث على المزيد من الأسى – إلّا إذا كنت من قراء مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز»، التي تتابع نشرها منذ عام 1982 بواسطة شركة «كوندي ناست بريتاين»، ويسهل العثور عليها على نطاق كبير في أكشاك بيع الصّحف والمجلات بالولايات المتحدة، حيث يُباع العدد الواحد منها لقاء 9.99 دولار.
تعنى مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز»، بالديكورات الدّاخلية في المقام الأول، ولكن هذا يشبه القول بأن مجلة «فوغ» معنية بالحياكة سواء بسواء. بل إنّ المجلة معنية على ما يبدو بتناول كل جانب من جوانب الفنون والحرف الزّخرفية على مرّ القرون، من استوديو فنان البوب روي ليختنشتاين في مانهاتن، إلى متجر العاديّات الذي يرجع إلى القرن السادس عشر في بلدة شروبشاير الإنجليزية، وحتى كوخ أحد الرعاة في أحد الجبال، أو استعراض أحد الكتب من شاكلة «معارض الناس: متاحف ومعارض الفنون في بريطانيا من عام 1800 إلى 1914». وبذلك، فهي تعد مجلة ذكية الطّرح، وواسعة مجال التّغطية، وذات إثارة مميزة لفضول القارئ، مع ندرة الموضوعات المنتقاة لديها.

- الإنترنت وتأثيره على المجلات
بعد مرور عقدين من الزمان على الإنترنت وما أحدثه من تغيير في كل شيء تقريباً، تحتّمّ على المجلات في غالب الأمر البحث عن سُبل المواصلة والاستمرار وربما الازدهار في العالم الرّقمي المعاصر. وتوقفت مجلّتا «ديتيلز» و«دومينو» عن الطّباعة. واتخذت مجلات معروفة مثل «غلامور»، و«سفنتين»، و«فايب»، و«سيلف» قرار التّراجع عن مواصلة الطّباعة أو محاولة الظهور في أكشاك بيع الصحف والجرائد وإنّما بصفة غير منتظمة. وكانت المجلات الكبيرة ذات العناوين البرّاقة والنّفوذ الثّقافي الكبير لدرجة أنّها خلقت أساطيرها الخاصة بها من حولها –مثل مجلات «تايم»، و«سبورتس إيلاستريتيد»، و«رولينغ ستون»– قد استعانت بمنصّات التّواصل الاجتماعي والمدونات الإلكترونية، أو ربما خرجت في طبعات نحيفة للغاية مع الكثير من الإعلانات والمقالات الافتتاحية حتى إنّها بدت مثل الكتيبات التعريفية.
وكان نيكولاس كولريدج، رئيس مجلس الإدارة لمجموعة «كوندي ناست» البريطانية المنتهية ولايته، قد أصدر مذكرة بشأن الفترة الذهبية للمجلات التي امتدت قرابة 30 عاماً كاملة، بدءاً من عقد الثّمانينات، عندما كانت إيرادات الإعلانات والتّوزيع ترتفع عاماً تلو الآخر، وكان المحرّرون يواصلون الخروج بالأفكار الإبداعية تباعاً. وحملت المذكرة عنوان «السنوات البراقة». وفي عام 2017 خسر الفرع الأميركي لشركة «كوندي ناست» أكثر من 120 مليون دولار، وفي محاولة لوقف نزيف الخسائر، قرّر الناشر إغلاق أو بيع العديد من عناوين المطبوعات، إلى جانب تأجير المساحات الإدارية من الباطن في المقر الرئيس للشركة في مانهاتن السفلى. وتساءلت مجلة «نيويورك»: ما الذي تبقى من شركة «كوندي ناست» بعد ذلك، حتى مع المستقبل شديد الغموض الذي تستشرفه تحت قيادة شركة «فوكس ميديا»، المالك الجديد، في حين تواجه الشركات المنافسة من أمثال «هيرست»، و«ميريديث»، تحدّيات مماثلة؟
وإن كان بإمكان المرء مجرد بيع مذكرات المجلات في يومنا هذا، فيمكن إطلاق وصف «سنوات تدبُّر الأمور» على الأمر برمّته: حيث تخفيض الميزانيات، وتقليص عدد الموظفين، والتناقص الواضح في الموارد، ليست المالية فحسب، وإنما على مستوى الطّموح الصّحافي وتحرير النّسخ.
وكل ذلك مع استثناء وحيد هو أنّ المجلّة، التي لم تفقد شيئاً من بريقها، على ما يبدو أنّها لم تتأثّر قط بالاتجاهات الحديثة في عالم وسائل الإعلام. وبخلاف منصّتها الرّائجة على موقع «إنستغرام» مع موقع إلكتروني معقول التّصميم والحركة يعكسان بعض المؤشرات الملهمة للمجلة، فلن تجد لها وجوداً كبيراً على شبكة الإنترنت، أو ربما تحاول المجلة بكل بساطة الابتعاد قدر الإمكان عن زخم الإنترنت كما هو الحال مع العديد من العناوين الكلاسيكية القديمة التي تحافظ على رونقها وتاريخها. يقول ألبرت ريد، المدير التنفيذي لشركة «كوندي ناست بريتاين»: «إنّها تحظى بوضعية شبه مستقلة بين أقرانها. والأشخاص الذين يشرفون على إنتاجها، من النوعية الفنية البوهيمية. وهي تعدّ المناهض الورقي لعالم الرقمنة والبيانات الذي تعين علينا احتضانه والاعتماد عليه في جوانب أخرى من عملنا الحالي».
جلس ريد في مكتبه ذي الألواح الخشبية الجميلة داخل مبنى «فوغ هاوس»، المقر الرئيس لدار النشر في لندن، ممسكاً بعدد أكتوبر (تشرين الأول)، من مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز». كان العدد سميكاً مثل دليل الهاتف مع الكثير من الإعلانات، ومطبوعاً على ورق مصقول خالٍ من لباب الخشب زنة 100 غرام للورقة الواحدة، وهو من أرقى وأغلى أنواع الأوراق ثمناً ممّا تستخدمه شركة «كوندي ناست» في طباعة أي من عناوينها الأخرى. وكان الغلاف بسيطاً للغاية، يحمل صورة بسيطة ولكنّها جذابة لشرفة مظللة في منزل من منازل جزر الكناري الإسبانية الواقعة قبالة سواحل شمال غرب أفريقيا، مع القليل للغاية من الحروف المطبعية المصاحبة للصورة الجميلة. وقال ريد عن ذلك العدد: «يا له من عدد رائع وجميل للغاية».

- مجلة تكسر قواعد المجلّات
عدد قراء المجلة ليس كبيراً كما هو متصوّر، ولا يتجاوز التوزيع الـ55 ألف نسخة في كل شهر، ولكنّها رغم ذلك، لا تفقد تأثيرها الخاص. وهي المجلة المحبوبة والمفضلة لدى المهتمين بالفنون الإبداعية والبصرية تحديداً. ومن بينهم كلير وايت كيللر المديرة الفنية في دار «جيفينشي»، ونيكولا غيسكوير مدير الإبداع في دار «لويس فويتون»، الذي ظهرت شقته الخاصة في باريس في عدد شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012، وكذلك أليساندرو ميشيل، مدير الموضة في دار «غوتشي»، الذي يستعين بمجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» لأفكارها الإبداعية الملهمة في مجموعاته الخاصة – وجميعهم من قراء المجلة القدامى الموالين. ولا ننسى الممثل العالمي براد بيت، والممثلة العالمية كيت بلانشيت، والمصور الشهير تيم والكر.
تأسست مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» في عام 1981، وباتت تكسر كل قاعدة معروفة من قواعد المجلات الحديثة الحمقاء. فلن تجد صورة لأي شخصية من المشاهير على غلافها أبداً (ونادراً ما تعثر على صور لهم في الداخل). ولن تشعر بأيدي جهات الدّعاية أو الإعلان الخانقة، أو ذلك الهوس الرّقمي في كل صفحة من صفحاتها. وتصميم المجلة منخفض المستوى، يميل إلى الحس الأكاديمي أكثر من الرقمي، في غياب الحروف التافهة أو الألوان الصّارخة حتى يبدو كل شيء كأنّه نسخة مزيفة من عالم ديزني لاند. وفي واقع الأمر، فإنّ الصّور التي تعرضها المجلة ذات صبغة مزاجية إلى درجة ما، مع اعتبارات توزيع الضوء بين أركان الصورة، مما يمنح الغرف المؤثثة درجة من الجاذبية الرّائقة أشبه بالحلم الجميل.
ولا تُعنى مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» بطرح أفكار أو كيفية تحقيق هذا أو ذاك من الأمور أو بيع حلم من الأحلام أو طموح من الطّموحات للقرّاء. فمن يتوقع أن يعيش في يوم من الأيام في المقر الخاص للملكة الأم بالمملكة المتحدة على أي حال؟ ومع ذلك، لا تعد هذه المجلة من المطبوعات الصّلفة المتعجرفة من جهة أخرى، لأنك قد تجد بعد ثلاث صفحات من موضوع المقر الملكي البريطاني، موضوعاً آخر عن منزل تحوّل إلى متحف اشتراه زوجان أميركيان من أصول أفريقية، شاعرة وزوجها عامل البريد، وكان مشيّداً في لينشبيرغ بولاية فيرجينيا الأميركية عام 1903، والمنزل مزدان بالمواد الحديثة المعاد تدويرها مع ذوق رفيع. أو ربما تجد موضوعاً آخر عن فندق الثّلج في السّويد، أو المنزل المتحرّك في مكان من الأماكن. ومن ثم، فإنّ وجهة نظر المجلة متمايزة، وربما هي غير معقولة لدى البعض. ولكنّها مبتكرة للغاية: على الرغم من أنّ صفحاتها تتألف في المعتاد من قصاصات فنّية على خلفية بيضاء، إلّا أنّها تواصل جمع أحدث الصّور والقصاصات والموضوعات وتوزّعها بعناية فائقة عبر مختلف الصفحات.

- كيف تمكنت المجلة من الاستمرار؟
يجري إنتاج مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» في زاوية من الطّابق الثاني من مبنى «فوغ هاوس» المشيّد بالطّوب البنّي، الذي يضمّ مقرّ النّاشر في وسط لندن. والمكتب عبارة عن غرفة كبيرة مزوّدة بأرضيات خشبية مجعّدة وشبه بالية، مع أسقف منسدلة، ونوافذ مطلّة على ميدان هانوفر الأخضر. ومؤخّراً في صباح أحد الأيام، كان روبرت توماس، محرّر المجلة، في اجتماع مع مارك لازنبي، المدير الفني، لوضع اللمسات الأخيرة على العدد الجديد قيد الصّدور. ووقف الرجلان في منتصف المكتب أمام سطح طاولة بيضاء التي لدى الاقتراب منها يتبيّن أنّها عبارة عن صندوق ضوئي خامل لمطالعة الورق الفوتوغرافي الشّفاف. ولم تعد أي مجلة أخرى من مطبوعات الناشر، أو في أي مكان آخر معروف، تستعين بالصناديق الضوئية، إذ إنّها تحوّلت جميعها للاستعانة بالتصوير الرّقمي الحديث.
يقول توماس عن ذلك: «لا نزال نعتمد على الأفلام التقليدية في عملنا»، مع نبرة فخر واضحة في صوته.
كانت المحررة المؤسسة للمجلة سابقاً، السيدة مين هوغ، من الشخصيات الرائعة للغاية، وكان والدها طبيباً لأمراض الأنف والأذن والحنجرة لدى الملكة الأم، وكان يروق له الرّكض مع حشد من الشّخصيات البوهيمية في لندن، ومن بينهم الممثل روبرت إيفرت.
تناول توماس كوباً من الشّاي في أثناء متابعته العمل على تلك الطّاولة الممتلئة عن آخرها بالموضوعات والقصاصات والصور، وتحدّث عن الأيام الذّهبية السّالفة للصّناعة، عندما كان هناك 25 موديلاً مع 15 من مصفّفي الشّعر ومحترفي التجميل الذين يطيرون إلى الأماكن السّاحرة والخلّابة لالتقاط الصّور البديعة، وأضاف قائلاً: «لكنّنا لم نكن نعمل بهذا الأسلوب أبداً. لقد كنّا نعمل على الدوام بميزانية متقشفة».

- طاقم المجلّة
تضمّ مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» طاقماً صغيراً من الموظفين يتكون من 13 عضواً. استمر الكثيرون منهم في العمل بسعادة في هذا المكان لسنوات ممتدّة، بعد الوصول إلى هناك. جيسيكا هاينز، الموظفة المخضرمة التي تجاوزت 26 عاماً من العمل فيها، وهي مديرة الإبداع في المجلة وتشرف على قسم المنسوجات وصور الأثاث، كانت في الأصل تعمل في مجال تصميم الأقمشة والمنسوجات قبل انتقالها للعمل في المجلة. وهناك أيضاً كارول بريسانت، المحرّرة السّابقة في مجلة «نيويورك»، وكانت تعمل سابقاً في مجال تجارة التحف والعاديّات ولم تكتب المقالات للمجلّات قبل أن تبعث برسالة استفسار إلى السيدة هوغ، ومن ثمّ حصلت على الوظيفة في عام 1989. وكل العاملين هناك من المخضرمين الماهرين في مجالاتهم ولديهم خبرات متعدّدة في مجالات أخرى ولا يتهيّبون من السّفر لأجل العمل.
ومن الشّائع أن تقوم المجلات المختلفة باصطناع القصص حتى تقضي عليها في وقت لاحق لسبب الغيرة. وتشتهر مجلتا «فوغ» و«فانيتي فير» بانتهاج تلك الممارسات. غير أنّ مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» لا يمكنها تحمّل العمل بهذا الأسلوب السّخيف، ولذلك وضع توماس وفريقه طريقة لتوجيه القصص الفنية مُقدماً من أجل التزام العمل بكل ثقة وكفاءة ممكنة.
وتصف بريسانت هذه العملية بقولها: «يطلب مني روبرت توفير الصّور للجدران الأربعة بغرفة من الغرف التي ربما أجدها مثيرة للاهتمام. ومن ثمّ أقف في منتصفها، وأتحرك في دائرة كاملة لتصوير الجدران. ثم يضع الصّور بأكملها من إنجلترا من تلك السلسلة من الصور الأصلية. وبذلك يمكننا القيام بجولة تصوير كبيرة في يوم عمل واحد». وقال توماس: إنّ «هناك ما هو أفضل من إنفاق الأموال في غير محلها. وهو إلقاء نظرة متفحّصة على الأمر أولاً. ولا بد أن تواصل الإشراف ومراقبة كل صغيرة وكبيرة. ومتابعة كل صورة تُلتقط، وكل قرش يُنفق. فنحن ضالعون للغاية في عملية الإنتاج. ولم يكن كافياً أبداً بالنسبة لي إلا أن أعتني بكل شيء، وأقول إنّ القارئ لن يلاحظ ذلك. إذ إن قراء مجلتنا يلاحظون كل شيء عن كثب. ويواصلون الكتابة إلينا ويخبروننا بملاحظاتهم تباعاً».

- هوس الإعلانات الرّقمية
وعندما وصلنا إلى حالة الهوس في الإعلانات الرّقمية بدءاً من العقد الماضي، وتقليص الميزانيات مع تسريح الموظفين، تعيّن على مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» مواكبة الأمر. ولم نشهد زيادة أو نقصاً في الميزانية. وكما كان الحال دائماً، كنّا نسحب الأموال التي لم تكن تُنفق في محلها المناسب، مثل الاستمرار بتصوير الأفلام التقليدية، أو الطّباعة على الورق الفاخر للغاية، أو شحن كمية كبيرة من الأثاث مرتين في العام إلى إيطاليا من أجل تصويرها داخل فيلا فاخرة مستأجرة أو قلعة تاريخية معروفة.
ومع اضطرار المجلات الأخرى إلى تقليص الميزانيات، أو التخفيض من الصّفحات المطبوعة من أجل نقل المحتوى إلى المواقع والمنصّات الإلكترونية، تخيّرت مجلة «ذا وورلد أوف إنتريورز» أن تزيد من المحتوى الإبداعي مع المزيد من العناية في الموضوعات بدلاً من ذلك. وقال فريتز كارش، تاجر التحف والعاديّات من نيوجيرسي، الذي عمل لفترة طويلة لدى مجلة «مارثا ستيوارت ليفينغ» واعتاد قراءة «ذا وورلد أوف إنتريورز» منذ منتصف الثمانينات: «إن الاهتمام الذي ينصبّ على الصّور التوضيحية هو من الفنون المتدهورة».

- المجلة على «إنستغرام»
ولقد استحدثت المجلة صفحتها على «إنستغرام» بعدما ذاع انتشار المنصّة الاجتماعية وصارت معروفة لدى الجميع، وذلك بعد دراسة متأنية للغاية لكيفية التعامل مع ذلك الموقع وزواره، كما قالت إيما ريدماين، ناشرة المجلة. وهناك قصص قليلة متاحة على موقع المجلة على الإنترنت. ولقراءة العدد الكامل منها، لا بدّ من شراء النّسخة المطبوعة من الأسواق.
وأخيراً، قالت ريدماين: إنّ «ما يميزنا هو أنّنا نحاول السير في عكس الاتجاه. وبطريقة غريبة للغاية. وتمكنّا من المواصلة والاستمرار من خلال عدم الاهتمام البالغ بالنّاحية التجارية لتوزيع المجلة. إن كان ذلك منطقياً بمعنى من المعاني».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».