كيف نتعامل مع طغيان الثقافة الرقمية في حياتنا؟

غالباً ما ترسخ جوانب عقلية إجرائية من غير محتوى معرفي ثري

يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
TT

كيف نتعامل مع طغيان الثقافة الرقمية في حياتنا؟

يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب

ليس ثمة من ينكر - أو حتى يجرؤ على نكران - معالم التغوّل الطاغي الذي صارت تفرضه متطلبات الثقافة الرقمية على حياتنا المعاصرة، فقد بلغ مديات استحالت معها هذه الثقافة حضارة شاملة، ابتداءً من البنى الوظيفية التحتية وحتى أكثر التمثلات المعبّرة عن الرأسماليات الثقافية الرمزية؛ لذا لم يعُد غريباً وصف الثورة الصناعية الثالثة بالثورة المعلوماتية التي تشكّل النظم الرقمية جوهراً أساسياً في هياكلها المعرفية على المستويين الفكري والمادي.
ترافقت كلّ ثورة صناعية بشرية مع نمطية فلسفية تعلي شأن توجّه فكري محدّد بالمقارنة مع الأنماط الفلسفية الأخرى السائدة، ومن المؤكّد أنّ الثورة المعلوماتية القائمة على سيادة النظم الرقمية أعلت شأن الخوارزميات الرقمية، التي تُعدّ الهيكل الأساسي الذي تعمل بموجبه هذه النظم، ومع تقادم الزمن، وترسّخ تطبيقات النظم الرقمية (خصوصاً في حقل الذكاء الاصطناعي) تعاظمت خوارزميات النظم الرقمية، واستحالت فلسفة كاملة منذرة باندثار طيف كامل من القدرات الفكرية البشرية القائمة على المنطق التحليلي.
عادة ما يحصل مع كلّ ثورة صناعية أن تخفت بعض القدرات البشرية لصالح إعلاء شأن قدرات أخرى؛ إنما كانت هناك دوماً إمكانية للتحايل على طغيان القدرات المستجدة، والإبقاء على بعض القدرات السابقة، ومنعها من الأفول؛ لكنّ المعضلة الإشكالية مع الحضارة الرقمية تبدو عسيرة وشديدة الوطأة، لكونها تشمل كلّ جوانب حياتنا في أدق تفصيلاتها، ابتداءً من التفاصيل الشخصية البسيطة، وحتى أعقد الهياكل الإدارية المؤسساتية الوطنية والعالمية، وقد بلغ الأمر مستويات شديدة التداخل مع الحياة الفردية: الهاتف الجوال (الموبايل) على سبيل المثال صار مثالاً (ربما بدائياً بعض الشيء) للآليات اليومية الداعمة للحياة البشرية التي ستكون معلماً أساسياً سائداً في عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث ستكون السيادة معقودة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي العميق والروبوتات فائقة الذكاء.

تأثيرات على الدماغ البشري
يمتلك الدماغ البشري خاصية عجائبية يعبّرُ عنها بمفردة «اللدونة الدماغية»؛ تلك الخاصية الفريدة التي تجعل الدماغ البشري قادراً على تعلّم قدرات جديدة غير متاحة من قبلُ من خلال تخليق اشتباكات عصبية دماغية بتشكّلات لا نهاية لإمكاناتها المتاحة على مستوى البيولوجيا الجزيئية للمادة الدماغية، وليست العبقرية البشرية في نهاية الأمر سوى نتاج لهذه التشكّلات اللانهائية التي قد يحدث أن تظهر بطريقة شديدة الفرادة؛ غير أنّ هذه التشكلات لا تحصل إلا من خلال الجهد البشري المنظّم والمنضبط والمتّسم بالمجالدة والشغف.
إنّ شيوع النظم الرقمية وخوارزمياتها المتغولة، على مدار الوقت في حياتنا اليومية، أمر كفيل بكبح ممكنات «اللدونة الدماغية»، وجعلها تنكفئ في نمطية موحّدة ستطفئ جذوة الفكر التحليلي والقدرة الفلسفية، وكلّ القدرات العقلية المتفردة التي كانت معالم جوهرية للارتقاء البشري في عصوره المتعاقبة.
يطيب للبعض رؤية الأجيال الشابة (خصوصاً الأطفال واليافعون منهم)، وهم مستغرقون في عالمهم الرقمي، وقد يحسبون هذا النمط من الانهماك دليلاً على قدرة مبكرة في التواصل مع أحدث المبتكرات التقنية الرقمية؛ غير أنّ هذه الرؤية خاطئة تماماً لأسباب عدة منها: أنّ التعامل مع المبتكرات التقنية شيء، وامتلاك القدرة على تخليقها شيء آخر، تماماً مثلما هو الفرق بين قارئ الكتاب العادي والمؤلّف، ثم إن الاستغراق الإدماني في العوالم الرقمية غالباً ما يكون في الألعاب والتطبيقات التي ترسّخ جوانب عقلية إجرائية من غير محتوى معرفي ثري، فضلاً عن ترسيخها لأنماط أدائية محددة تنعدم فيها الخبرات المشتبكة، والألوان المعرفية المتداخلة؛ الأمر الذي ينجم عنه - بالتأكيد - إفقار عقلي شديد الوطأة سيطيح بكلّ الخبرات البشرية على نحو سيجعل الدماغ البشري محض جهاز أدائي خوارزمي مفتقد للقدرات التحليلية الثمينة.

تجربة بل غيتس مثالاً
معظمنا يعرف من هو بل غيتس: أحد صانعي الثورة المعلوماتية المعاصرة، والرجل الذي جعل نظام التشغيل «ويندوز» متاحاً بالمجان للجميع، وعلى نحو شبيه بما فعله هنري فورد الذي جعل أميركا «أمة تسير على عجلات»، في إشارة إلى السيارة التي صارت رمزاً للثورة الصناعية الثانية (إلى جانب القطار)، ولكن مع فارق أن فورد كان يبيع منتجاته لمن هو قادر على تحمّل تكاليفها. لست أسعى هنا للقول إن غيتس لا يبيع مبتكراته التقنية، ويطرحها كلها بالمجان، وإلا ما صار أحد أبرز مليارديرات العالم؛ لكني أريد تأكيد حقيقة أن نظام التشغيل «وندوز»، على وجه التحديد، مجاني متاح للجميع بمثل ما أتاح تيم بيرنرز لي الشبكة العالمية (الإنترنت) مجاناً أمام الجميع.
سيجد كلّ من يتابع بل غيتس على موقعه المعنون «gatesnotes»، أنه قلّما يتناول موضوعات ذات تفاصيل تقنية بعكس الموضوعات الإنسانية الخيرية والثقافية التي تشغل معظم حيّز مدوّنته الإلكترونية، وقد دأب غيتس منذ سنوات عدّة على ترشيح قائمة بعناوين كتب منتخبة للقراءة، خصوصاً قبل العطلات المعروفة في أميركا - وأهمها العطلة الصيفية -، والكتب المنتخبة هي كتب ورقية عددها خمسة في العادة، ويحرص غيتس على الظهور معها في صورة تكشف عن مقدار الحميمية التي يكنّها لتلك الكتب.
إنّ تأكيد غيتس على أهمية القراءة الورقية، وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب، باعتباره كينونة مادية مشخصنة ومنجماً للأفكار المنعشة، هو تأكيد لأهمية منح النفس فرصة للانفكاك من إدمان العالم الرقمي، وعدم خسارة المزايا العظيمة التي اكتسبها الكائن البشري على الصعيد الرمزي في سلسلة تطوره الارتقائي البيولوجي، وما تأكيد غيتس - وهو القطب الرأسمالي الضارب في الصناعة المعلوماتية - على أهمية هذه المزايا الرمزية سوى خبرة مؤكدة ناجمة عن معرفة مسبقة بالأضرار الفادحة التي يمكن أن تنشأ عن التعامل الرقمي الإدماني المُفرّغ من الخبرات المعرفية الجادة.
قد يكون فرض نوع من التعتيم الرقمي (الاختياري أو الإجباري) الموسمي أو اليومي شكلاً من أشكال العلاجات المسوّغة للتغول الرقمي؛ لكن الأمر منوط بصدق الرغبة والمعرفة الدقيقة بالخسارة الكبرى التي تترتب على فقدان مزايانا الرأسمالية الرمزية تحت ضربات الطاحونة الرقمية.

الرواية علاجاً
لا يخفى أن خفوت الشغف التحليلي والفلسفي ينطوي على مخاطر عدة، من بينها تراخي النزعة الإنسانية، وفقدان التواصل الحي مع الإرث الإنساني في شتى حقوله المعرفية، وشيوع نوع مستحدث من العبودية الرقمية، التي يسهل توظيفها لخلق نوع من ديكتاتوريات رقمية شديدة الوطأة. في مواجهة هذه المثلبة الرقمية يمكن للقراءة المنتظمة للرواية أن تحافظ على التراث الإنساني، وتعمل على الارتقاء المتواصل في المناطق الدماغية الخاصة بالقدرات التحليلية والإبداعية، وتجنّب الانكفاء في لجّة الخبرات المنمّطة.
قد يتساءل البعض: لِم التركيز على الرواية بين كلّ أشكال القراءة المتاحة؟ الجواب يكمن في طبيعة الرواية ذاتها؛ فقد صارت الرواية في عصرنا هذا خزاناً معرفياً يعجّ بشتى صنوف المعرفة، فضلاً عن توفّره على عناصر تخييلية تقرن الخبرة بالمتعة، وتجعل القراءة فعالية شبيهة بأحلام اليقظة القادرة على فكّ ارتباط الفرد مع العالم الرقمي، وكسر الأغلال الخوارزمية التي تشدّه إلى ذلك العالم.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.