«فوريفر21»... دراما عائلية عن الصعود إلى المجد ثم السقوط من علٍ

تصفية الشركة في 40 دولة بعد 35 عاماً من العطاء

أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
TT

«فوريفر21»... دراما عائلية عن الصعود إلى المجد ثم السقوط من علٍ

أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»

عندما تقدمت شركة «فوريفر 21» بطلب إعلان الإفلاس الشهر الماضي، أعربت سلسلة متاجر الملابس والأزياء عن تاريخها عبر عدد من الوثائق التي يمكن في بعض الأحيان قراءتها كمقدمة لسيرة حياة أو فيلم يُعرض بصورة خاصة على شبكة «نتفليكس».
ظهرت صور الزوجين الذين أسسا الشركة، دو وون تشانغ وجين سووك تشانغ رفقة ابنتيهما أسفل عناوين من شاكلة «نضال شركة فوريفر: قصة من الآلام والإصرار والشغف». وأكد طلب الإفلاس على النجاح غير المتوقع أو المحتمل لعائلة تشانغ، الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من كوريا الجنوبية في عام 1981 وعملا سوياً على بناء شركتهما التي تقدر بعدة مليارات من الدولارات من الصفر.
وهناك إشارات تتعلق بالدرجات الجامعية للبنات اللاتي يدرسن في جامعات «آيفي ليج» المرموقة، وكلاهما من كبار المديرات التنفيذيات في الشركة، مع الإجازات الصيفية التي كانت تُقضى بالكامل في متاجر الشركة. وكانوا يمثلون تعريفاً واقعياً وحياتياً لما يعنيه الحلم الأميركي على نحو ما وصفهم به موقع «إنفستوبيديا» المعني بشؤون الاستثمار في مقالة واحدة ظهرت على صفحات الموقع.
كانت عائلة تشانغ تمثل قصة من قصص النجاح الفريدة والمتميزة، وكانت شركة «فوريفر21» أبعد ما تكون على الأساليب التقليدية التي تعمل بها الشركات العائلية في أي مكان. وفي ذروة نجاحها، حققت سلسلة متاجر التجزئة أكثر من 4 مليارات دولار من المبيعات السنوية وكانت توظف لديها أكثر من 43 ألف موظف وعامل في جميع أنحاء العالم موزعين على مئات المتاجر. أما الآن، تواصل الشركة تصفية أعمالها في 40 دولة مع إغلاق ما يقرب من 199 متجراً، أو ما يزيد على 30 في المائة من متاجرها، في الولايات المتحدة وحدها في جزء من إعلان الإفلاس، في حين يشير الموظفون السابقون رفقة خبراء الصناعة إلى أسلوب الإدارة المنعزلة الذي كانت تنتهجه عائلة تشانغ كأحد أهم أسباب الانهيار. كما يلفتون الأنظار إلى الصفقات العقارية ذات الآثار الكارثية، واستراتيجية التسويق والتوزيع المتسمة بالفوضى الواضحة خلال السنوات الأخيرة.
يقول إريك غوردون، خبير الإدارة لدى كلية روس لإدارة الأعمال في جامعة ميشيغان: «من ناحية المؤسس، فإن هذا النوع من الصلف والغطرسة وارد وشائع للغاية، ولكن آثاره مهلكة بصورة خاصة إذا تمكنت من تحقيق النجاح لفترة طويلة. لم يكن هناك مجلس لإدارة الشركة يُملي عليهم التقارير الواقعية للأمور، كما لم يكن هناك محللون للأسهم يمنحونهم تفصيلاً واقعياً لمجريات الشركة. ومن ثم، يمكنك الاستمرار داخل الفقاعة ذاتية التكوين لفترة طويلة، ولكن كل الفقاعات مصيرها الانفجار في لحظة من اللحظات».
يعكس طلب إعلان الإفلاس لمحة نادرة على شركة مبيعات التجزئة التي ظلت تعمل بصورة سرية وشديدة التحفظ منذ عقود. ولقد تحدث ستة من الموظفين السابقين، ومن بينهم ثلاثة من المديرين التنفيذيين، إلى صحيفة «نيويورك تايمز» عن تجاربهم الشخصية والمهنية في شركة فوريفر21 شريطة حجب هويتهم لتوقيعهم على اتفاقيات عدم الإفصاح مع الشركة.
-عثرات فوريفر 21:
من شأن عثرات شركة فوريفر21. فضلاً عن التغييرات التي شهدتها صناعة الملابس مع التحولات التي طرأت على أذواق المستهلكين وعادات التسوق، أن تكون لها تأثيرات بعيدة المدى على آلاف الأشخاص الذين يعملون لدى الشركة، وعلى البائعين، وعلى مراكز التسوق كذلك. تقول الشركة إنها لا تزال تشرف على إدارة المئات من متاجر البيع، إلى جانب الموقع الإلكتروني الرسمي للشركة. رغم أن الناطقة الرسمية باسم عائلة تشانغ قد رفضت التعليق على هذا المقال.
شُيدت شركة «فوريفر21» - وجاء الاسم لأن السيد دو وون تشانغ اعتقد أن سن 21 عاماً هو السن الأكثر غبطة وسعادة في عمر الإنسان - على فكرة تحديد اتجاهات الملابس، ثم العمل مع البائعين لجلب هذه المنتجات إلى المتاجر بسرعة وبأسعار منخفضة. ومنذ أيام العمل الأولى، كان السيد تشانغ، وهو لا يزال الرئيس التنفيذي للشركة حتى الآن، يشرف بنفسه على العلاقات بين المُلاك والبائعين، في حين كانت زوجته السيدة جين سووك تشانغ تشرف على التصميمات والتسويق.
يقول الموظفون السابقون في الشركة إن الطابق العلوي من مقر الشركة في لوس أنجليس كان يُعتبر البرج العاجي الخاص بالسيد تشانغ، حيث تُطرح استراتيجية الشركة للمناقشة العائلية في حين يظل بقية الناس خارج المكتب، وكان الطابق السفلي حيث تباشر السيدة تشانغ أعمال المشترين والمخططين، الذين كان لزاماً عليهم ترك حقائبهم للفحص الأمني في كل مرة يغادرون مقر الشركة. وقال ثلاثة من الموظفين السابقين، في وقت متأخر من العام الجاري، إن السيد تشانغ كان يوقع بنفسه على نفقات الموظفين، ويستجوب بنفسه المديرين التنفيذيين بشأن قسائم وجبات الغذاء أو الاستعانة بخدمات «أوبر» أثناء الانتقال.
وانضمت بنات الزوجين في نهاية المطاف إلى المستوى التنفيذي من إدارة الشركة. وكانت الابنة الكبرى ليندا تشغل منصب نائبة الرئيس التنفيذي، وهي تعتبر خليفة السيد تشانغ على رئاسة الشركة، ثم الابنة الصغرى استير، والتي شغلت منصب نائبة الرئيس التنفيذي لشؤون التسويق.
ولم تفكر عائلة تشانغ في طرح أسهم شركة «فوريفر21» للاكتتاب العام، على عكس المعتاد لدى كبار المنافسين الآخرين في مجال الملابس والأزياء، مما أدى إلى انحسار الفرص التي من شأنها توليد المزيد من الثروات عبر الأجيال، كما ورد في طلب إعلان الإفلاس.
وكانت الدائرة الداخلية للعائلة تضم عضوين أميركيين آخرين من أصول كورية جنوبية، وهما: أليكس أوك، رئيس شركة فوريفر21 والمورد الأسبق، مع زوجته السيدة سيونغ إيون كيم، التي عملت في مجال التسويق. وعلى الصعيد الداخلي بالعائلة، كان البعض يفضل إطلاق لقب «السيدات» على كل من جين سووك تشانغ وسيونغ إيون كيم، على اعتبارهما السيدتين القويتين اللتين كانتا توجهان دفة الأمور بشأن عشرات الآلاف من التصاميم التي وجدت طريقها إلى متاجر الشركة العامرة بالموظفين والعملاء. وعكس طلب إعلان الإفلاس كذلك أن عائلة تشانغ كانت تمتلك نسبة 99 في المائة من أسهم سلسلة المتاجر حول العالم، في حين أن السيد أليكس أوك كان يملك نسبة الواحد في المائة المتبقية فقط.
-توسع «فوريفر21»:
ومع توسع أعمال الشركة، عانت عائلة تشانغ ضد رغبتها في تعيين المديرين التنفيذيين من أصحاب الخبرات إثر عدم ثقتهم في الغرباء، على حد تصريح خمسة من الموظفين السابقين. وخلال السنوات الأخيرة، عمدت شركة «فوريفر21»، على مضض بالغ، إلى الاستعانة بالخبراء بهدف إصلاح أجزاء منهكة من أعمال الشركة، ثم بالغت الشركة في تجاهل توصياتهم اللاحقة بشأن كل شيء من أعمالها من اعتماد التقنيات الحديثة إلى أساليب التسويق المتقدمة.
ولقد جرى تذكير البعض في الشركة بتلك الأمور، سيما بعد أن رفعت المغنية الأميركية أريانا غراند دعوى قضائية ضد شركة «فوريفر 21» في سبتمبر (أيلول) الماضي. ولقد حض مسؤولو التسويق لدى الشركة على إقامة شراكة مع المغنية الشهيرة لحملة العطلة لعام 2014. وذلك وفقاً لاثنين من الموظفين السابقين، غير أن إدارة الشركة فضلت إبرام الشراكة مع المغنية الأسترالية إيغي أزيليا بدلاً من ذلك. والآن، صارت المغنية الأميركية غراندي تحظى بشعبية هائلة للغاية، وشرعت شركة «فوريفر 21» في الدفاع عن موقفها ضد المزاعم التي تقول إنها استخدمت نموذجاً يشبه المغنية الأميركية الشهيرة في إعلانات إلكترونية من دون إذنها.
كما لعبت العقيدة الدينية لعائلة تشانغ دوراً مهماً في تشكيل الطريقة التي أدارت بها الشركة. فقد كانت حقائب التسوق الصفراء الزاهية التي اشتهرت بها الشركة مطبوعاً عليها عبارة «يوحنا 3:16»، في إشارة إلى إحدى آيات الكتاب المقدس. وقال السيد تشانغ إن تلك الآية تحديداً تعكس مدى محبة الرب القدير لعباده، وكان يأمل أن يدرك الآخرون ماهية هذه المحبة. وقال الموظفون السابقون بالشركة إن نسخ الكتاب المقدس كانت في مواضع ظاهرة للعيان داخل قاعات المؤتمرات، وعلى مكتب السيد تشانغ أيضاً. وقال الموظفون إنه من المعتاد لرؤساء الأقسام أن تكون لهم روابط عائلية أو دينية مهمة ولكن لم تكن لديهم خبرات كافية في العمل مع تجار التجزئة الآخرين في ميادين العمل.
تقول مارغريت كوبلينتز، مديرة التسويق الإلكتروني السابقة لدى شركة «شارلوت روس» لمبيعات الملابس بالتجزئة «بين الحين والآخر، عندما نعين موظفاً كان يعمل لدى (فوريفر 21)، كنا نعلم منه أنهم غير مسموح لهم على الإطلاق الاطلاع على إجمالي أداء أعمال الشركة، وكان مسموحاً لهم فقط بالاطلاع على تقارير مجتزأة عن قطاع العمل الخاص بهم فحسب». وأضافت السيدة كوبلينتز أن المنافسين اعتبروا إدارة شركة «فوريفر 21» شديدة التوحد والتحفظ وغامضة بصورة غريبة.
-دخول «فوريفر 21» قطاع العقارات:
بيد أن شركة «فوريفر 21» ارتكبت أكبر أخطائها قاطبة بدخولها في عالم العقارات. ففي السنوات التي سبقت ثم لحقت فترة الركود الاقتصادي، توسعت الشركة بضراوة وقررت افتتاح متاجر ضخمة للمبيعات، حيث دخلت وبقوة في نفس المجال الذي كانت تحتله قبلها شركة «ميرفين»، التي كانت قد أعلنت إفلاسها، وكذلك شركات أخرى مثل «بوردرز»، و«سيرز»، و«ساكس». وصرح رئيس شؤون العقارات السابق بالشركة لشبكة بلومبرغ الإخبارية في عام 2011 أن امتلاك المتاجر الكبيرة كان من أهم أحلام السيد تشانغ.
أصبح من الصعب ملء المتاجر الكبيرة الجديدة بالسلع والمنتجات الجديدة، ثم انقلبت الأوضاع على شركة «فوريفر 21» وصارت مثقلة بعقود الإيجار طويلة الأجل في الوقت الذي بدأت فيه التقنيات الحديثة في العصف الفوضوي بمراكز التسوق الأميركية الكبيرة. وكانت هناك سبعة تعاقدات للإيجار في متاجر شركة «ميرفين» السابقة مستمرة حتى عام 2027 أو 2028، وهي الفترة الأطول من أي عقد إيجار نموذجي معروف، وفقاً للمستندات الداخلية التي تمكنت صحيفة «نيويورك تايمز» من الحصول عليها.
وفي مقابلة أجريت الشهر الماضي، أثناء تقدم الشرطة بطلب إعلان الإفلاس، اعترفت ليندا تشانغ بمشاكل الشركة مع المتاجر الكبيرة المستأجرة: «كان لزاماً علينا ملء تلك المتاجر بالمنتجات والبضائع، علاوة على ضرورة التعامل مع تعقيدات التوسع التجاري في الخارج تلك التي أرهقت إدارتنا التجارية بصورة كبيرة».
كما أشارت السيدة ليندا تشانغ إلى التحولات الواضحة في حركة العملاء داخل مراكز التسوق مع ارتفاع تحديات التجارة الإلكترونية، وقالت إن إعلان الإفلاس يعد بمثابة خطوة مهمة من الناحية الاستراتيجية بالنسبة إلى الشركة.
كان السيد دو وون تشانغ، الذي احتكر توقيع كافة عقود الإيجار بنفسه، وتصميم كل متجر من المتاجر كما يروق له، حتى مع ارتفاع عدد المتاجر متجاوزاً 500 متجر حول العالم، كان يكره وبشدة إغلاق المتاجر حتى الضعيف والمنهك منها، وفي بعض الأحيان، كان ينقل موقع المتجر إلى مكان آخر في نفس المركز التجاري بدلاً من إغلاقه تماماً، كما صرح بذلك اثنين من الموظفين السابقين في الشركة.

- خدمة «نيويورك تايمز» خاص «الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

الاقتصاد منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 % في خطوة كانت تترقبها الأسواق بحذر

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أشخاص يتسوقون بمتجر في نيويورك (رويترز)

أميركا: التضخم في أسعار الجملة يسجل أكبر قفزة خلال عام

سجل التضخم في أسعار الجملة، في الولايات المتحدة، ارتفاعاً حاداً في فبراير (شباط) الماضي، حيث ارتفعت أسعار المنتجين بنسبة 3.4 في المائة، وهي أكبر قفزة خلال عام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يعمل أحد المتداولين في قاعة بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

انتعاش العقود الآجلة للأسهم الأميركية قبيل قرار الفائدة المرتقب

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الأربعاء، مدعومة بتراجع أسعار النفط، بينما يترقب المستثمرون القلقون تحديث الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أشخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تقترب من مكسب تنظيمي مع تخفيف قواعد رأس المال

من المتوقع أن تُحقق بنوك «وول ستريت» مكسباً مع إعلان الجهات التنظيمية تحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مسودات جديدة مخففة لقواعد رأس المال هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

من المتوقع أن يُبقي مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي»، المجتمعون في ظل ظروف حرب بدأت قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة، محاولاً امتصاص الصدمات الجيوسياسية الناجمة عن اشتعال الجبهات العسكرية في الشرق الأوسط. لكنّ القضية الأهم في هذا المنعطف لم تعد تكمن في القرار بحد ذاته، بل في «حالة عدم اليقين» التي باتت تُخيّم على آفاق المستقبل؛ حيث يجد البنك المركزي نفسه عالقاً بين رغبته في كبح التضخم العنيد وبين مخاوف الانزلاق نحو ركود تضخمي تُغذيه قفزات أسعار الطاقة واضطرابات الملاحة الدولية.

هذا التثبيت، وهو الثاني من نوعه هذا العام، وإن بدا استقراراً مؤقتاً، فإنه يعكس في جوهره تحولاً نحو سياسة «التحوط القصوى»؛ إذ باتت قرارات الاحتياطي الفيدرالي رهينة لتطورات الميدان العسكري بقدر ارتهانها للبيانات الاقتصادية، مما يفتح الباب أمام كافة السيناريوهات في الاجتماعات المقبلة، بما فيها العودة إلى رفع الفائدة إذا ما استمرت نيران الأزمات الإقليمية في إلهاب مؤشرات التضخم العالمي.

وقد كان قرار التثبيت متوقعاً على نطاق واسع، في وقت صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بأغلبية 11 صوتاً مقابل صوت واحد لصالح الإبقاء على سعر الفائدة القياسي على الأموال الفيدرالية على حالها.

وأصدرت اللجنة بياناً عقب اجتماعها لم تُجرِ فيه تغييرات تُذكر على نظرتها للاقتصاد، مع توقعات بنمو أسرع قليلاً وتضخم أعلى للعام 2026 بأكمله.

وعلى الرغم من حالة عدم اليقين المتزايدة، أشار المسؤولون مجدداً إلى أنهم ما زالوا يتوقعون بعض التخفيضات في أسعار الفائدة مستقبلاً.

وأشار «مخطط النقاط» الذي يحظى بمتابعة دقيقة، والذي يعكس توقعات أعضاء المجلس لأسعار الفائدة، إلى تخفيض واحد هذا العام وآخر في عام 2027، إلا أن توقيته لا يزال غير واضح.

من بين 19 مشاركاً في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، أشار سبعة إلى توقعاتهم ببقاء أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام، بزيادة مشارك واحد عن التحديث الأخير في ديسمبر (كانون الأول).

وبينما أظهرت التوقعات للأعوام المقبلة تبايناً واسعاً ، فإن متوسط ​​التوقعات يشير إلى خفض إضافي في عام 2027 قبل أن يستقر سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند حوالي 3.1 في المائة على المدى الطويل.

وأشار البيان إلى حالة عدم اليقين المصاحبة للحرب مع إيران التي بدأت قبل نحو ثلاثة أسابيع. وقد أدى القتال وتأثيره على مضيق هرمز إلى اضطراب سوق النفط العالمية، وهدد بإبقاء التضخم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة. وذكر البيان «أن تداعيات التطورات في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي غير مؤكدة».

وعارض المحافظ ستيفن ميران مجدداً، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية وسط تزايد المخاوف بشأن سوق العمل. أما المحافظ كريستوفر والر، الذي انضم إلى ميران في المطالبة بالخفض في يناير (كانون الثاني)، فقد صوّت هذه المرة لصالح الإبقاء على سعر الفائدة.

وقبل النزاع، كانت الأسواق تتوقع خفضين هذا العام، مع احتمال ضئيل لخفض ثالث. لكن ارتفاع أسعار النفط وسلسلة من مؤشرات التضخم القوية - التي تشمل بيانات من قبل صدمة الطاقة - دفعت التوقعات إلى خفضها إلى حد أقصى مرة واحدة في عام 2026.

وفي تحديثات لتوقعاتهم الاقتصادية، يتوقع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4 في المائة هذا العام، أي أسرع قليلاً من ديسمبر. ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدل قوي يبلغ 2.3 في المائة في عام 2027، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة.

كما رفع المسؤولون توقعاتهم للتضخم لهذا العام. ويتوقعون الآن أن يعكس مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي معدل تضخم يبلغ 2.7 في المائة، سواءً على أساس التضخم العام أو التضخم الأساسي. ومع ذلك، يتوقعون أن يعود التضخم إلى ما يقارب هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة في السنوات المقبلة مع تلاشي تأثير الرسوم الجمركية والحرب. ولا يزال صناع السياسات يتوقعون معدل بطالة يبلغ 4.4 في المائة بنهاية العام، على الرغم من سلسلة من مؤشرات ضعف الوظائف.

ويأتي قرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة في ظل خلفية سياسية معقدة. إذ يواصل الرئيس دونالد ترمب الضغط على باول وزملائه لخفض أسعار الفائدة. في وقت سابق من هذا الأسبوع، انتقد ترمب باول لعدم دعوته إلى اجتماع استثنائي لتخفيف السياسة النقدية، على الرغم من ارتفاع التضخم وعدم وضوح تأثير الحرب.


روسيا: صراع الشرق الأوسط يفجر أسوأ أزمة طاقة منذ 40 سنة

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
TT

روسيا: صراع الشرق الأوسط يفجر أسوأ أزمة طاقة منذ 40 سنة

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)

قال نائب ​رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، يوم الأربعاء، إن الصراع في ‌الشرق ‌الأوسط يُعطل ​جزءاً ‌كبيراً ⁠من ​إمدادات الطاقة العالمية، ⁠وقد يتسبب في أشد أزمة طاقة منذ 40 ⁠عاماً.

وأضاف: «يؤثر الصراع ‌الحالي ‌في ​الشرق ‌الأوسط ‌على ما لا يقل عن 20 مليون برميل ‌يومياً. وهذا هو حجم النفط ⁠ومشتقاته ⁠الذي كان يمر عبر مضيق هرمز يومياً قبل 19 يوماً فقط».


أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
TT

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة بتسارع وتيرة العمليات العسكرية التي استهدفت قلب البنية التحتية للغاز في إيران. وجاء هذا الاشتعال السعري فور إعلان استهداف حقل «بارس» الجنوبي الإيراني -أكبر حقل غاز في العالم- بضربة إسرائيلية، ما أثار ذعراً فورياً في الأسواق من إطالة أمد الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف شاملة للطاقة.

وسجلت أسعار النفط قفزة هائلة بنحو 10 دولارات للبرميل، أي بنحو 8 في المائة، ليتجاوز خام برنت عتبة 110 دولارات، حتى الساعة 02:34 بتوقيت غرينتش، في حين سجل الخام الأميركي نحو 98.42 دولار للبرميل. ولحقتها أسعار الغاز في أوروبا بارتفاع مماثل، لتستقر عند 55 يورو (63.3 دولار) لكل ميغاواط/ساعة.

وعلى الأرض، شهدت حرب إيران تطورات متسارعة، بعد استهداف إسرائيل حقل غاز «بارس» الجنوبي في إيران، وهو الأكبر في العالم من حيث الاحتياطيات، ويضخ نحو 70 في المائة من إنتاجه للاستهلاك المحلي، ويقوم بتصدير النسبة المتبقية.

وهددت إيران على الفور باستهداف أصول للطاقة في المنطقة، وهو ما قد يتسبب بخفض الإنتاج والإمدادات العالمية بشكل كبير، والتي هي أصلاً متراجعة بفعل تعطل مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران.

بعد تلك التطورات، زادت المخاوف من إطالة زمن الحرب، ما دفع أسعار الطاقة نحو مناطق حساسة بالنسبة للاقتصاد العالمي، الذي طالما عانى من ارتفاع التضخم بشكل حاد عقب الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلها تأثر سلاسل التوريد العالمية جراء جائحة كورونا.

ومن شأن ارتفاع أسعار النفط، وهو السلعة الأولية التي تدخل تقريباً في معظم السلع الأخرى، أن يزيد أسعار جميع السلع التامة الصنع، وبالتالي التضخم، مما ينعكس بالسلب على معدلات النمو في العالم، وحذر خبراء واقتصاديون في هذه المرحلة من الوصول إلى «الركود التضخمي».

خطوة خطرة وغير مسؤولة

وأكد مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، ماجد بن محمد الأنصاري، أن «استهداف البنية التحتية للطاقة يعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها».

وقال في تغريدة على حسابه على منصة «إكس» إن «الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران والذي يمثل امتداداً لحقل غاز الشمال في قطر، هو خطوة خطرة وغير مسؤولة، في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة».

وأضاف: «أكدنا مراراً على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الحيوية»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على خفض التصعيد بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

ويعد حقل «بارس» الجنوبي للغاز في إيران -الذي تتقاسمه مع قطر- أكبر حقل غاز طبيعي في العالم باحتياطيات نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز، ويقع في مياه الخليج العربي، وعادة ما تطلق عليه قطر اسم «حقل الشمال».

ووفق أحدث بيانات إيرانية رسمية، كان الحقل ينتج 716 مليون متر مكعب يومياً من الغاز، يضخ نحو 70 في المائة منه لصالح الاستهلاك المحلي، خاصة محطات الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك، وباقي الحصة يتم تخصيصها للتصدير.

ويحتوي الحقل بأكمله (الجزء الإيراني والقطري) على ما يقدّر بنحو 1800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخدام، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم لمدة 13 عاماً، أو لتوليد طاقة كهربائية تكفي لتزويد الولايات المتحدة لأكثر من 35 عاماً.

انقطاع الكهرباء في العراق

ولم تقتصر تداعيات استهداف الحقل على الأسعار فحسب، بل امتدت لتضرب أمن الطاقة الجاري في دول الجوار، حيث أعلن العراق توقفاً كاملاً لتدفقات الغاز المستورد، ما تسبب في خسارة فورية لـ 3100 ميغاواط من قدرته الكهربائية.

وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد موسى، إن الانقطاع المفاجئ جاء «نتيجة تداعيات التطورات في المنطقة»، مشيراً إلى أن هذا الفقدان الكبير في الطاقة سيؤثر بشكل مباشر على استقرار التجهيز، خاصة أن الوزارة كانت تعمل على تهيئة المحطات للخدمة قبل دخول موسم الذروة.

ويأتي هذا التطور ليضع ضغوطاً إضافية على قطاع الطاقة في العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات التوليد، في وقت تسعى فيه الحكومة لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات عبر مشاريع الغاز المصاحب والربط الكهربائي الإقليمي.

ويوم السبت الماضي، قال أحمد موسى، المتحدث ‌باسم وزارة الكهرباء العراقية، إن إجمالي ⁠إمدادات الغاز الإيرانية إلى العراق ارتفع من 6 ملايين متر مكعب إلى ‌18 ⁠مليوناً خلال الأسبوع الماضي، مضيفاً أن الكميات ⁠الإضافية خُصصت لجنوب البلاد.

أميركا تلجأ للنفط الروسي والفنزويلي

ومع إطباق إيران قبضتها على مضيق هرمز وتحكمها في 20 في المائة من حركة النفط العالمية، اندفعت القوى الكبرى لاتخاذ إجراءات طارئة؛ حيث لجأت إدارة ترمب لـ«برغماتية الضرورة» عبر تخفيف العقوبات على النفط الروسي والفنزويلي لتأمين الإمدادات، وسط مخاوف اقتصادية عالمية من الانزلاق نحو «الركود التضخمي». إذ سمحت إدارة ترمب بشراء النفط الروسي دون عقوبات، حتى منتصف أبريل (نيسان) المقبل. كما قررت السماح للشركات الأميركية بممارسة أعمال تجارية مع شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في فنزويلا بعد أن خففت وزارة الخزانة العقوبات، مع بعض القيود، حيث تبحث إدارة الرئيس دونالد ترمب عن سبل لتعزيز إمدادات النفط العالمية خلال حرب إيران.

من جهتها، أصدرت وزارة الخزانة تفويضاً واسع النطاق يسمح لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» ببيع النفط الفنزويلي مباشرة إلى الشركات الأميركية وفي الأسواق العالمية، وهو تحول كبير بعد أن منعت واشنطن لسنوات التعاملات مع حكومة فنزويلا وقطاع النفط فيها.

وتسلط هذه الخطوة الضوء على الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها الإدارة الأميركية الحالية لتخفيف الضغوط على أسعار النفط المرتفعة.

وسجلت أسعار الوقود في أميركا ارتفاعات قياسية، حيث سجل الغالون نحو 5 دولارات هذا الأسبوع، ارتفاعاً من 2.3 دولار، وهو مستوى قياسي لم يعتَد عليه المواطن الأميركي.

ومن المقرر أن تخضع زيادات أسعار الوقود، لتدقيق من محافظي البنوك المركزية حول العالم في إطار توجيههم للسياسة النقدية. غير أن تركيز أسواق النفط منصب بشكل أساسي على مضيق هرمز، الذي تخضع حركة الملاحة فيه حالياً لحسابات سياسية، إذ تسمح إيران لعدد محدود من السفن بالمرور بناء على علاقاتها السياسية، بينما تمنع أو تردع معظم السفن الأخرى.