«أد أسترا» عن الرجل الوحيد في ذلك الفضاء الشاسع

يطرح المستقبل كاستمرار للحاضر

على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
TT

«أد أسترا» عن الرجل الوحيد في ذلك الفضاء الشاسع

على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»

«أد أسترا»، للمخرج الجيد جيمس غراي المعروض حالياً في كل مكان، يجب ألا يؤخذ كمجرد فيلم خيال علمي يتعامل والفضاء. إنه خيالي - علمي - فضائي مع فكر نيّر ورسالة بارعة وإخراج متين. ليس الفيلم الذي يستهوي جمهور «ستار وورز» وسواه وليس الفيلم الذي يكتفي بتصوير معارك فضائية تهيمن على الفيلم وأسبابه وأهدافه.
كذلك هو ليس فيلماً عن وحوش الفضاء التي تهبط الأرض أو تهاجم المركبات الفضائية التي تجرؤ على غزو الكواكب الأخرى والمجرّات. إنه، رغم ما سبق، مغامرة مثيرة لكنها تنتمي إلى أفلام من نوع «بين النجوم» (Interstelar) و«جاذبية» (Gravity) أكثر منه «غريب» (Alien) أو «ستار ترك». هذا مع لمسة من فيلم ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء».

قلب الظلام
تأتي هذه اللمسة في موقعين. أولهما ذلك الجو الغامض لرحلة بعيدة في الفضاء يُطرح فيها المستقبل على غير ما يطرح عادة في الأفلام الأخرى. هنا، كما في فيلم ستانلي كوبريك، المستقبل هو امتداد للحاضر وليس وضعاً مستقبلياً منفصلاً عنه.
الموقع الثاني هو ذلك المشهد الذي ظهر في «أوديسا الفضاء» وشوهد في «جاذبية» لألفونسو كوارون (كما في بضعة أفلام أخرى) لشخص يستودع نفسه في الفضاء الخارجي، حيث لا نهاية. يقطع حبل النجاة مع المركبة والأمان الذي تمثله ويترك نفسه يهيم في ظلمة الفضاء كما لو أنه جسد ضئيل ودخيل على فضاء شاسع حيث سيبقى فيه إلى الأبد. هل يمكن للأجواء الخارجية الحفاظ على مكوّنات الميّت فلا يندثر جسمه بل يبقى هائماً إلى الأبد؟
يأتي هذا المشهد المفعم بالتأملات قرب نهاية الفيلم عندما ينجح روي ماكبرايد (براد بت) في إقناع والده بالخروج من قمرته التي حبس فيها نفسه لنحو ثلاثين سنة (بحساب الأرض) للعودة معه إلى الأرض. لكن الأب (تومي لي جونز) لا يستطيع أن يرى نفسه وقد عاد إلى حيث عاش قبل ذلك. يقطع «الكابلات» التي توصله بابنه ويودعه. هذه المرّة لن يكون موت الأب إشاعة كما في مطلع الفيلم بل أصبح واقعاً يحدث أمام عيني الابن الدامعتين.
كما أن هناك موقعين نرى فيهما رائد فضاء ينتهي إلى مجرد نطفة تطفو في الظلام، هناك موقعان آخران نجد بطل الفيلم روي وهو يسقط من علو شاهق. الأول مع بداية الفيلم والثاني هي في الفيلم كله.
تلك الأولى فعلية. الرحلة التي كان يقوم بها تتعرض لاضطراب كان يمكن أن تتحطم فيها المركبة ومن عليها (إذ يعمل قائداً لمركبة تجارية) لولا أنه ينجح في السيطرة عليها وإنقاذ نفسه والركاب. الثانية لا يوجد هناك من ينقذه لأنها سقطة معنوية وليست فعلية. سقطة رجل أدّى به البحث إلى متاهة ولم يبق أمامه سوى الهبوط فيها.
وهذه السقطة هي نتيجة مهمّة بحث طُلبت منه. والده، يقول له قادة عسكريون وعلماء، ما زال حيّاً على عكس ما كان يعتقد. هناك إشارات صادرة من موقعه قرب كوكب نبتون تؤكد إلى ذلك. مهمته أن ينفذ إلى هناك ويتأكد.
روي لا يعتقد أن والده حي يرزق، لكنه سوف يكتشف ذلك لاحقاً وبعد رحلة نجد مثيلاً لها في «الرؤيا الآن» (Apocalypse Now) تحفة فرنسيس فورد كوبولا. هنا نجد أصداء أخرى مع ذلك الفيلم ومع المصدر الروائي الذي تم لكوبولا استلهامه والمكوّن من رواية جوزيف كونراد الضخمة «قلب الظلام».
كل من فيلم كوبولا وفيلم جيمس غراي عن رحلة تبعاً لمهمّة يحيط بها قدر كبير من الغموض. في فيلم كوبولا (1979) تتم الرحلة عبر قارب في نهر داكن. القارب يتوقف عند محطات عدة قبل وصوله إلى نهاية رحلته. تلك المحطات هي نوافذ الرحلة على وقائع مصاحبة. وكوبولا يقدمها، تشكيلياً، كما لو أنها لا تنتمي مطلقاً إلى عالمنا الحاضر (آنذاك) ولو أنها تنتمي بالفعل.
كل من الفيلمين يحتويان على تعليق صوتي (فويس أوفر) لبطلي الفيلم. تعليق يشرح دواخل نفس متعبة وصدى بحث في المتاهة الوجودية التي اسمها الحياة. بذلك الرحلة بقدر ما تجوب مساحات جغرافية (أرضية وفضائية) واسعة، هي رحلة داخل الذات.
أكثر من ذلك، إلقاء براد بت في تلك التعليقات الصوتية يشابه إلقاء مارتن شين في ذلك الفيلم الذي يرفض أن يغيب عن البال كما شبيه بنبرة التعليق الصوتي في فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة» الذي لعب بطولته براد بت لجانب شون بن وجسيكا شستين.

براد بت مكشوفاً
محطات فيلم جيمس غراي في «أد أسترا» هي بدورها نوافذ على خطوط موازية لكنها ليست بالحجم ذاته والنوع نفسه. هنا يمزج المخرج المسائل الوجدانية والعقلية مع ضرورة لمشاهد مثيرة للدهشة (وأحياناً للرعب) لا بد منها. قراصنة فوق سطح المريخ وقرد تجارب ينقلب إلى التوحش وموت لأكثر من فرد يحاول روي استيعابه بمفرداته المحدودة من التعبير.
إذ إن الكثير من الأفكار الواردة تتعامل مع أفكار روي صوتاً، فإن الناحية البصرية عليها أن تكون رفيقاً مسانداً. في هذا الأمر نجد براد بت تحت الخوذة يمثل مواقف صعبة بتعابير عينيه وبمساعدة تلك المواقف التي يلج فيها مرحلة غامضة بعد مرحلة غامضة مرّت عليه. يبدو عليه التعب من الجهد الذي يبذله ملاحظاً ومفكراً. لكن صوته لا يخيب. ينضح بالأسئلة من دون علامات استفهام. أفكار وجودية الطابع ليس فقط كتلك التي طرحها مارتن شين في «القيامة الآن»، بل كتلك التي طرحها فيلم «شجرة الحياة» لترنس مالك أيضاً.
يقدم المخرج براد بت عارياً من خلفيته المعهودة. قبل أشهر شاهدناه في فيلم كونتِن تارنتينو أقرب إلى صورته المعمول بها: وسيم، لطيف، محنك، يفهم لغة الشارع ويجيد القتال. هنا هو في شخصية أعمق. شخصية رجل ليس لديه أي متكأ يستند إليه ولا أي ملجأ يحميه. رجل في مواجهة نموذجية مع متاهات حياته.
في كل هذه الأفلام المذكورة أعلاه هناك رحلات وأبحاث ومحاولات فهم لما يحدث على الأرض. هذه هي إحدى أهم قيم هذا الفيلم الضمنية. جيمس غراي يفضل أن يفكر في الحاضر ويطبقه على المستقبل عوض أن يبتكر مستقبلاً منفصلاً. صحيح أن هذا الفيلم يتحدث عن سنوات ليست بعيدة مقبلة لكن سواه وظّف ذلك لابتكار رؤاه (بمساعدة التقنيات المتوفرة)، بينما تعامل غراي (ومن قبله كوارون وكوبريك في فيلميهما الفضائيين) مع الحاضر مطبوعاً على نسخة من المستقبل.
ما يثير للاهتمام في عمقه سياسي: هل هناك مستقبل للأرض؟ ما معنى هذا البحث في التاريخ لثلاثين سنة مضت؟ ولماذا يتبدى البحث كمعاناة وليس كانتصار علمي؟ لمَ هذا المشاق؟ والأهم لماذا يفضل الأب الموت في الفضاء على العودة إلى الأرض؟
إنه فيلم روحاني ووجداني. رحلة في فضاء شاسع وأخرى في نفس محبوسة داخل صدر الباحث. عن وحدة هذا الرجل التي تزداد مع كل سنة ضوئية يخوضها في قلب ذلك الظلام الشاسع.



السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).


شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
TT

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

مفيش راجل بيعيط

★★★

* إخراج: محمد مصطفى

* مصر (2026) | عروض مهرجان الجونة

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

المعنيّون بسؤاله هم مجموعة من الرجال الذين يُظهرون المودّة والألفة والمحبّة في مشهد يجمع بينهم. نعم، تلعب الكاميرا دورها. لا أحد يمكن أن ينسى الكاميرا التي تصوّره منفرداً أو بين مجموعة. يدرك أنها هناك وسيتصرّف حسب هذا الإدراك. لذلك السؤال وجيه من حيث محاولة المخرج قراءة حقيقة موازية.

الرجال هم رافعو حديد وبناة أجسام يفاخر كل منهم بعضلاته وتكويناته البدنية؛ نفور العضلات، وصلابة الجسد، وجمال التكوين عموماً، لكن أليس هناك من عوامل داخلية كالغيرة أو الشعور بأن أحدهم أفضل من الباقين؟ هل يبقى عنصر «الأنا» مطموراً؟

إنها أسئلة مُحقّة يوحي بها الفيلم لكنه لا يرصدها كفاية. لا يجيب عنها جميعاً، وربما يعود ذلك إلى أن المخرج لم يُرِد التطرّق إلى هذا الموضوع حتى لا يثير خلافات أو يشعل ناراً تحت القش. من هذه الناحية فإن الفيلم حسناً يفعل بطرح هذه الخواطر من دون الدخول إليها. يهتم بتصوير بيئتها الداخلية وبعض تطلّعاتها وأحوالها. بعضهم يرغب في التمثيل في فيلم روائي، آخر يود الاستقالة من عمله كحارس مرقص ليلي، وآخر يبدأ، عند نهاية الفيلم بالتساؤل حول نبذ كل ذلك والبحث عن حياة جديدة.

هذا الأخير هو عبد الله الذي يُعيره المخرج الاهتمام الأكبر بين أترابه. رجل دخل السجن قبل مدّة وخرج بعد عامين واتصل بالمخرج وقال له إنه مستعد ليكون تحت تصرّفه في مشروع الفيلم.

الفيلم يبقى خاصّاً وليس للعموم. بعض ذلك يعود إلى أن شخصياته مغلقة وهو مُغلق بدوره عليها. لكن العمل بأسره جديد كموضوع لم نرَ مثيلاً له من قبل. تقوم الكاميرا بدور أساسي أكبر من الدور الذي يقوم به المونتاج، بينما كان من الممكن إضافة مشاهد موازية خارج الإطار المحصور برجاله وتمريناتهم وحواراتهم. مشاهد من شأنها توسيع انشغالات الفيلم قليلاً لتتضمن تصوير علاقة هؤلاء بالمجتمع من حولهم. من ناحية أخرى، هناك حرص جيّد من المخرج على أن يجعل من حضوره جزءاً مما يعرضه الفيلم. هو حاضر بنفسه، صورةً وتعليقاً، كما من خلال حواراته.

«كلايفايس» (سينيموندو)

Clayface

★★☆

* إخراج: ‪جيمس ووتكنز‬

* الولايات المتحدة (2026) | رعب | عروض تجارية

شخصية «كلايفايس» من تلك التي ظهرت في الأربعينات، في مجلات الكوميكس. تم تقديمها كشخصية شريرة قادرة على تغيير وجهها بملامح مختلفة. ظهرت في بعض أعداد مجلة «باتمان». مثل شخصية «جوكر» كان «كلايفايس» أحد أعداء ومناوئي شخصية «باتمان». وعلى نحو «جوكر» في فيلمي تود فيليبس، ينطلق الفيلم الجديد ليؤسس للشخصية الجديدة حضوراً تجارياً قد يؤدي إلى سلسلة منفصلة.

في مطلع الفيلم نجد مات هاغن (الذي سيُكنى بكلايفايس ويؤديه توم رايز هاريس) ممثلاً شاباً وطموحاً يتطلع إلى النجاح ومرشّحاً لإحدى جوائز التمثيل. هو إنسان طيّب وسط عالم يشعر بأنه ينتمي إليه ويود النجاح فيه ليتحوّل إلى نجم كبير. لكن ما يحدث له قلَب ذلك الطموح رأساً على عقب وحوّله إلى شخص آخر (أو إلى عدة أشخاص في الواقع). فهو التقى فتاةً جميلةً (جوانا ريبييرو) ليكتشف أنها عشيقة زعيم عصابة (ديڤيد دنسيك) الذي لن يرضى بأن يخسر عشيقته، فيقتحم خلوته ويشوّه وجه هاغن بمادّة سامّة.

هذه هي الأرضية التي سيعمل الفيلم عليها لكي يرينا كيف انهارت أحلام الشاب الوسيم وتحوّل إلى مجرم يستطيع، بسبب تناوله عقاراً كيميائياً يجعله قادراً على تغيير وجهه المشوّه وتقمص ملامح أخرى. لكن كلما عمد إلى حقن نفسه بالمادة الخطرة زاد خطره وعنفه. هو عالق وسط حالات يائسة ووضع تراجيدي، ولو أن الفيلم لا يود التوقف عند هذا البعد بقدر ما يريد استعراضه. ما يُثير اهتمامه هو توفير مشاهد عنف وتشوّهات بدنية وإبر تدخل العين وأشياء أخرى كُتبت وصُورت بغرض جذب المشاهدين لشخصية لا يمكن أن تُثير تعاطفاً ولا حتى تفهّماً كافياً. على ذلك، يعرف المخرج كيف يلعب بأعصاب مشاهدي فيلمه ويضم عمله، ولو بصعوبة، إلى ما يتم إنتاجه من مسلسلات.

هاريس مشروع جيد كممثل لكنه ليس آل باتشينو في فيلم «Dick Tracy»، (إخراج وارن بيتي، 1990) حين لعب دور الشرير «كابريس» في فيلم مستقى بدوره من روايات التحري «دك ترايسي» الشعبية. هنا الرحلة طويلة ما بين إصابة وجه مات هاغن بالتشوّه وبين تحوّله إلى منتقم يستطيع الانتقال ما بين الشخصيات بدافع الانتقام.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.