تعوّد المزارع المصري منذ زمن بعيد على حرق المخلفات الزراعية الناتجة من محصول الأرز، والتي تعرف محلياً باسم «قش الأرز»، لكن التغيرات المناخية وعدم نشاط الرياح جعل الأرض تبدو وكأنها «صوبة» (مدفأة) زجاجية كبيرة، نشعر داخلها بما تسببه تلك الحرائق من رائحة خانقة، ولا سيما أن ذلك يتزامن مع زيادة ملوثات الهواء من عوادم السيارات.
- مكملات من القش
منذ 20 عاماً بدأ المصريون يشعرون بهذه المشكلة التي تتكرر في شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام، مع بدء حصاد الأرز وقيام المزارعين بالتخلص من بقاياه حرقاً، ورغم محاولة السيطرة على هذه الظاهرة بتطبيق العقوبات تارة، وتقديم حوافز للمزارعين تارة أخرى، فإن الحرق ظل بالنسبة للمزارع هو الخيار الأسهل والأوفر مادياً، وهي المشكلة التي يرى خبراء البيئة أن سببها «افتقاد وجود آلية تسمح بالاستفادة من هذه البواقي في منتجات واعدة».
وإذا كان خبراء البيئة أشاروا للحل، فإن قطع هذه الطريق كان مهمة الكثير من الباحثين، الذين تباروا في ابتكار منتجات، وبقي السؤال هو كيفية الانتقال بهذه الأفكار من البحث للتطبيق العملي؟
أحد هذه الابتكارات طورها أستاذ في قسم الصناعات الغذائية بالمركز القومي للبحوث حصل على براءة اختراع لإنتاج مكملات غذائية من قش الأرز. يقول الدكتور علي عز العرب، صاحب الاختراع، لـ«الشرق الأوسط»، إن الذي دفعه لهذا الابتكار هو معاناة أحد أبنائه من مشاكل تنفسية تزيد في سبتمبر من كل عام بسبب حرائق قش الأرز.
ويوضح أن «فكرة الابتكار تقوم على الاستفادة من وجود مادة (السكريات المتعددة) بقش الأرز، وهي المكون الأساسي في المكملات الغذائية، حيث يتم استخدم مادة قلوية مصرح بها في الصناعات الغذائية، لإزالة كل مكونات قش الأرز، والإبقاء على تلك المادة، ليقوم بعد ذلك بتجفيف القش ثم طحنه في صورة مسحوق، تستخدم في تصنيع أقراص المكملات».
واهتمت باحثة أخرى بمادة مختلفة توجد في قش الأرز، وهي «السيليكا»، التي تم استخدامها في إنتاج مواد نانومترية مختلفة وتوظيفها في الكثير من التطبيقات المتعلقة بتنقية المياه الملوثة.
تقول الدكتورة جيهان قطب، مدرسة الهندسة الكيميائية بجامعة المنيا (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «نجحت في إنتاج أغشية معتمدة على الألياف النانومترية المصنعة من السيليكا بعد تدعيمها بمواد أخرى، وتم توظيفها في الكثير من التطبيقات مثل معالجة المياه الملوثة وتحلية مياه البحر، وفصل الزيوت ومنتجات البترول عن المياه».
واستخدمت الباحثة طريقة التسخين لفصل السليكا من قش الأرز، حيث توضع أعواد قش الأرز في ماء ساخن تحت ضغط عال فيؤدي ذلك إلى إذابة كل المواد الموجودة فيه عدا السليكا واللجنين، ليتم في مرحلة تالية استخدام حمض النتريك لإذابة اللجنين، لتتبقى السيليكا وحدها، التي تم إنتاجها في حجم النانو.
- منتجات السليلوز
واهتم أكثر من باحث آخر بمكون السيللوز الموجود في قش الأرز، ومن هؤلاء تامر رجب الباحث بشعبة الصيدلة بالمركز القومي للبحوث، الذي استخدم ماكينة ابتكرها فريق بحثي بالمركز لفصل السليلوز من مخلف قش الأرز، بطريقة سهلة، ومن ثم قام بتحويله لحجم النانو، بما يسمح باستخدامه بديلاً لمادة السليلوز البللوري المستخدم في إنتاج كبسولات الدواء.
ويستخدم السليلوز البللوري بوليمراً طبيعياً، يربط بين مكونات كبسولة الدواء، وتبلغ تكلفة الكيلو منه أكثر من 30 دولاراً، بينما تشير دراسة جدوى قام بإعدادها إلى أن تكلفة كيلو السليلوز المستخرج من قش الأرز لن تتعدى دولارين، كما أكد الباحث في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
وكان السليلوز حاضراً في منتج آخر، وهو فلاتر مياه الشرب التي أنتجها الدكتور جلال نوار، الرئيس السابق لشعبة الصناعات الكيميائية بالمركز القومي للبحوث. يقول الدكتور نوار لـ«الشرق الأوسط»، إنه عبارة عن لب الورق المصنع من سليلوز قش الأرز بعد معاملته بثلاث مواد هي النانو سيلفر، ومواد متوفرة في بذور المانجو، ومادة الزيوليت النشطة للامتصاص، حيث تفيد المادة الأولى في مقاومة بكتيريا القولون، بينما تمتص الثانية العناصر الثقيلة الموجودة في المياه، وتفيد الثالثة في مقاومة الملوثات العضوية.
ويشير إلى أن استخدام لب الورق المعالج كفلتر يمكن أن يكون ذلك على هيئة ورقة، وتستخدم الورقة في معالجة المياه، بأن يتم تمرير المياه عليها، أو في صورة اللب قبل تحويله لورقه، ويتم بأن يضع المستخدم كمية منه فوق مصفاة، ويتم تمرير المياه عليها لتنقيتها، أو يتم إدخاله ضمن تصميم الفلاتر بكيفية تتيح تغييره كل فترة.
- بين البحث والتطبيق
ورغم ما أظهرته تلك الأفكار من نجاح على المستوى المختبري، وانتقال بعضها لمرحلة النماذج نصف الصناعية، فإنها لم تجد طريقاً للتطبيق يجعل هناك استفادة من قش الأرز.
وتبنت وزارة البيئة قبل سنوات برنامجاً لتمويل متعهدي جمع المخلفات الزراعية من خلال بروتوكول وقّعته مع الصندوق الاجتماعي للتنمية لشراء معدات لجمع قش الأرز وكبسه ونقله، ومنحها لهم بقروض ميسرة، مع تقديم حوافز للمزارع الذي يتعاون مع متعهدي جمع المخلفات، لكن المشكلة أن هؤلاء المتعهدين لا بد أن يكون لهم سوق لتصريف قش الأرز، حتى يكون العمل مجدياً من الناحية الاقتصادية بالنسبة لهم.
يقول الخبير البيئي الدكتور خالد البدوي لـ«الشرق الأوسط»: «لا تزال هذه السوق محدودة جداً، ويقتصر على عدد قليل من المصانع تهتم باستخدام قش الأرز في إنتاج الأعلاف الحيوانية، بينما يمكن أن تكون هناك أسواق أكبر تستخدمه في منتجات أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية توصلت لها مراكز الأبحاث المصرية».
وإلى أن يوجد الرابط بين البحث العلمي والتطبيق الذي يجعل هذه الأبحاث تتعدى جدران مختبرات مراكز البحوث والجامعات، ستظل السحابة السوداء هي الزائر الخريفي المزعج الذي يخشاه المصريون.
9:11 دقيقه
منتجات واعدة... من قش الأرز
https://aawsat.com/home/article/1931536/%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B2
منتجات واعدة... من قش الأرز
أدوية ومكملات غذائية وفلاتر
حرق قش الأرز يتسبب في السحابة السوداء السنوية
- القاهرة: حازم بدر
- القاهرة: حازم بدر
منتجات واعدة... من قش الأرز
حرق قش الأرز يتسبب في السحابة السوداء السنوية
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

