بيدرسن يحقق أول اتفاق سوري ـ سوري: اللجنة الدستورية ومرجعيتها بموجب 2254

حرص على التوازن بين الحكومة والمعارضة والتمسك بمسار جنيف... وغوتيريش عدّها «بداية لمسار يلبّي تطلعات الشعب»

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام زيارته الى دمشق أمس (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام زيارته الى دمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

بيدرسن يحقق أول اتفاق سوري ـ سوري: اللجنة الدستورية ومرجعيتها بموجب 2254

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام زيارته الى دمشق أمس (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام زيارته الى دمشق أمس (أ.ف.ب)

نجح المبعوث الأممي غير بيدرسن، في تسهيل توصل الحكومة السورية و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة للاتفاق على أسماء اللجنة الدستورية وقواعد عملها بموجب القرار الدولي 2254، ليكون أول اتفاق سوري - سوري منذ بدء الأزمة في ربيع 2011 بعد ورقة المبادئ السياسية الـ12.
وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعد اطلاع من بيدرسن على نتائج مشاوراته، موافقة الحكومة و«الهيئة» على تشكيل «لجنة دستورية موثوقة ومتوازنة وشاملة بتسهيل من مبعوثي الخاص وفقاً للقرار 2254» على أن يعقد اللجنة «في الأسابيع المقبلة». وأضاف أن اللجنة ستشكِّل «بداية مسار سياسي يلبّي التطلعات المشروعة لجميع السوريين والالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها».
ومنذ تسلمه منصبه في بداية العام الجاري، حرص بيدرسن على الإبحار في محيط سوري وإقليمي ودولي تضمن الكثير من التناقضات والعُقد، لكنه التزم مبادئ رئيسية لم تكن موجودة كاملاً مع جميع أسلافه من المبعوثين الأمميين مع أولوية إعطاء «السيادة للسوريين» في تشكيل اللجنة واتخاذ القرار، إذ حرص الدبلوماسي النرويجي على: أولاً، التعامل على قدم المساواة مع الحكومة و«هيئة التفاوض» ودفع الطرفين إلى الوصول إلى تفاهم سياسي، وكان هذا واضحاً في التوازن في زياراته لدمشق والرياض (مقر الهيئة المعارضة). بذلك يكون بند أساسي من الخطاب الرسمي في دمشق، قد تعرض للتحدي، وهو الاعتراف بوجود معارضة سياسية وعدم اعتبار جميع المعارضين «إرهابيين». ثانياً، أن يكون مسار العملية الدستورية بموجب القرار 2254 وليس «مؤتمر الحوار الوطني» الذي عُقد في سوتشي الروسية بداية العام الماضي. ثالثاً، سماع آراء كتلتي «ضامني آستانة»، روسيا وإيران وتركيا و«المجموعة الصغيرة» التي تضم أميركا وبريطانيا وفرنسا ودولاً عربية، لكن مع عدم الخضوع لأي كتلة واستمرار الدفع لتشكيل «مجموعة اتصال» تضم الكتلتين والصين. رابعاً، التمسك رمزياً وعملياً بعملية جنيف وتنفيذ القرار 2254 سواء ما يتعلق بمواصفات أعضاء اللجنة أو كيفية الإعلان عن التوصل إلى تشكيلة اللجنة وقواعد عملها أو مكان انعقاد اجتماعات اللجنة.

أعضاء اللجنة
وخلال بضعة أشهر، جال بيدرسن على عواصم تقيم بها الأطراف السورية أو القوى الخارجية للتوصل إلى اتفاق حول أول بند في القرار 2254، وهو اللجنة الدستورية وقواعد عملها. وقبل القمة الروسية - التركية - الإيرانية في أنقرة الأسبوع الماضي، جرى حسم أسماء القائمة الدستورية الـ150، لكن كان هناك تمسك بأن يكون الإعلان عن الإنجاز في نيويورك من قِبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وليس في أنقرة أو من الجانب الروسي لتأكيد أممية المسار السياسي ومرجعية القرار 2254.
لكن انطلاق اللجنة الدستورية بعملها تطلّب الاتفاق على «قواعد العمل» فيها، الأمر الذي تطلب قيام بيدرسن بزيارة دمشق للقاء وزير الخارجية وليد المعلم، أمس، واتصاله برئيس «هيئة التفاوض» نصر الحريري الموجود في نيويورك. وأطلع بيدرسن، غوتيريش، على نتائج محادثاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة التي انطلقت، أمس، وتشمل اجتماعات خاصة بسوريا بينها اجتماع دعت إليه مسؤولة الشؤون الأمنية والخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني وبيدرسن، اليوم، ومؤتمر لوزراء خارجية «المجموعة الصغيرة» بدعوة بريطانية في 26 الجاري، إضافة إلى نشاطات ثنائية.
وحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن بيدرسن حقق ما أراد في وثيقة «قواعد العمل» للجنة الدستورية، إذ إنها تضمنت مجموعة عناصر تؤكد «ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه وأهدافه وكل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بسوريا والالتزام القوي بسيادة واستقلال ووحدة الجمهورية العربية السورية وسلامة أراضيها».
وكان هناك حرص على الاستناد في عمل اللجنة إلى القرار 2254 لـ«تسهيل المفاوضات السورية - السورية، ومنها جدول زمني وصياغة دستور جديد تُجرى لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً للقرار 2254 ومع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية السورية» مع التذكير بالمبادئ الـسياسية الـ12 التي «أُقرت بين السوريين بتسهيل من الأمم المتحدة وجرى إصدارها في مؤتمر سوتشي»، وتضمنت إجراء إصلاحات في الجيش وأجهزة الأمن واحترام حقوق الإنسان.

الولاية والتشكيلة
أسفرت المفاوضات السورية – السورية، بتسهيل بيدرسن، عن الوصول إلى تحديد ولاية اللجنة الدستورية، بحيث تكون «إعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح للموافقة العمومية (الاستفتاء) كإسهام في التسوية السياسية وتطبيق القرار 2254 على أن يقوم الإصلاح الدستوري من بين أمور أخرى بتجسيد المبادئ الاثني عشر السورية - السورية الأساسية نصاً وروحاً في الدستور السوري والممارسات الدستورية». وتستطيع اللجنة الدستورية أن تراجع دستور 2012 بما في ذلك في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى وتقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد.
وكانت هذه صياغة دبلوماسية وقانونية بعدما ظهر خلاف بين تمسك دمشق بـ«مناقشة الدستور الحالي لعام 2012» ومطالبة المعارضة بدستور جديد والإفادة من وثائق تعود إلى خمسينات القرن الماضي، علماً بأن روسيا صاغت مسودتها للدستور السوري. كما أن الإدارة الذاتية الكردية غير المشمولة بالعملية السياسية قدّمت ورقتها.
وتضم الهيئة الموسعة للجنة الدستورية التي سهّل الوصول إليها بيدرسن 150 عضواً يكون 50 مرشحاً من الحكومة و50 مرشحاً من «هيئة المفاوضات» المعارضة و50 من المجتمع المدني، على أن تضم الهيئة المصغرة للجنة الدستورية 45 عضواً، بحيث تقوم بإعداد وصياغة المقترحات ةوتقوم الهيئة الموسعة بإقرارها. لكن يمكن عقد الهيئة الموسعة بشكل دوري أو موازٍ في الوقت الذي تواصل فيه الهيئة المصغرة أعمالها، وذلك لمناقشة وإقرار المقترحات.
واستمر الخلاف حول ستة أسماء في القائمة الثالثة الخاصة بالمجتمع المدني إلى أن بقي الخلاف على اسم واحد تم حسم أمره قبل القمة الثلاثية الأسبوع الماضي.
وسيحكم عمل اللجنة «التوافق» بغية تحقيق الاتفاق العام لأعضائها، الأمر الذي سيمكّن مخرجاتها من التمتع بأوسع قبول ممكن من الشعب. وستمارس اللجنة عملها وتعتمد قراراتها بالتوافق كلما أمكن وإلا فالتصويت بـ75%. وكي لا يحصل أي لغط جرى تأكيد أن «تكون نسبة الـ75% نسبة ثابتة».

رئاسة مشتركة
وتتمتع اللجنة الدستورية بترتيب متوازن لرئاستها مع رئيسين مشتركين أحدهما مرشح من الحكومة والآخر من «هيئة التفاوض»،.
وإذ يلعب رئيسا اللجنة دور «المنسق» مع المبعوث الأممي، فإن الأخير يقوم بـ«تسهيل» عمل اللجنة بـ«قيادة وملكية سورية،». كما أنه سيقوم، بشكل منتظم، بمراجعة ما تم إحرازه من تقدم من خلال إحاطته للمجلس.

ثقة وضمانات
حرص المبعوث الدولي على توفير «ضمانات لحماية» أعضاء اللجنة إلى أن جرى تأكيد وجود لتزام مشترك وقوي ببناء الثقة بدءاً بضمان عدم خضوع أعضاء اللجنة وأقاربهم والمنظمات السياسية أو منظمات المجتمع المدني أو الكيانات التي ينتمون إليها، لأي شكل من أشكال التهديد أو المضايقات ضد الأشخاص أو القيام بأي أعمال ضد الممتلكات، بسبب يرتبط مباشرةً بعملهم في اللجنة، وكذلك التزام بمعالجة وحل أي وقائع أو شواغل في حالة وقوعها.
وجرى التأكيد أن الأطراف السورية تتفق «على أن تعمل اللجنة لخدمة مصالح الشعب السوري وحده، بشكل سريع ومتواصل بهدف تحقيق نتائج وتقدم مستمر من دون تدخل خارجي أو أطر زمنية مفروضة من الخارج».
وكان موضوع الجدول الزمني نقطة نقاش رئيسية بين الأطراف إلى أن جرى الاتفاق على صيغة تضمنت رفض «أطر زمنية مفروضة من الخارج».

بيانان
وأعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن المعلم بحث مع بيدرسن في «القضايا المتبقية المتعلقة بتشكيل اللجنة الدستورية وآليات وإجراءات عملها بما يضمن قيامها بدورها وفق إجراءات واضحة ومتفق عليها مسبقاً وبعيداً عن أي تدخل خارجي». وأضافت أن الاجتماع كان «إيجابياً وبنّاءً ووجهات النظر متفقة على تأكيد أن الشعب السوري هو الوحيد الذي له الحق في قيادة العملية الدستورية، وعلى ضرورة أن يقوم السوريون بتقرير مستقبلهم بأنفسهم دون أي تدخل أو ضغوط خارجية، بما يضمن تحقيق التقدم المنشود في العملية السياسية وصولاً إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق في الجمهورية العربية السورية، بالإضافة إلى تأكيد ضرورة الاحترام الكامل لسيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها ورفض الإرهاب».
وإذ نقلت «سانا» عن المعلم تأكيده «التزام سوريا بالعملية السياسية مجدِّداً استعدادها لمواصلة التعاون مع المبعوث الخاص لإنجاح مهمته بتيسير الحوار السوري - السوري للوصول إلى حل سياسي بقيادة وملكية سورية بالتوازي مع ممارسة حقها الشرعي والقانوني في الاستمرار في مكافحة الإرهاب وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وكل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بسوريا»، أشارت إلى أن بيدرسن «قدم عرضاً حول نتائج لقاءاته التي أجراها في الفترة الماضية مشيداً بالتقدم الحاصل في العملية السياسية ومؤكداً استعداده لبذل الجهود اللازمة للمساهمة في تيسير الحوار السوري - السوري وتحقيق النتائج المرجوة».
من جهته، أعلن بيدرسن في بيان مقتضب قبل مغادرته دمشق إلى نيويورك، أمس، أنه منذ زيارته السابقة للعاصمة السورية في يوليو (تموز)، «أجريت عدة جولات من المشاورات مع هيئة المفاوضات السورية. واليوم (أمس) عقدت اجتماعاً إيجابياً جداً مع المعلم لاستكمال مناقشة كل القضايا المتعلقة بتشكيل اللجنة الدستورية، وتواصلت اليوم (أمس) أيضاً مع رئيس هيئة المفاوضات نصر الحريري، وأجريت محادثات إيجابية معه».



الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.


التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
TT

التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)

لم يتوقف التصعيد العسكري للجماعة الحوثية عند خطوط الجبهات؛ إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.

وتترافق الحملة الدعائية الحوثية مع نشر مقاطع تحت مسمى «توثيق انتصارات عسكرية واسعة»، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، وأخرى أعيد تقديمها بوصفها لعمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيداً.

جاء ادعاء الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجاً بارزاً؛ إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق عن أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة، وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيّرة أميركية.

ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها الجماعة عن قرب سقوط مناطقهم بـ«الغزو الفيسبوكي»، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة، عقب فشل محاولات تسلل؛ بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.

يقول نجيب عباس، وهو معلم وناشط سياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإشاعات لم تؤثر كثيراً في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية؛ خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.

ويستقبل سكان مناطق تعز التي تسعى الجماعة للسيطرة عليها رسائل التودد الحوثية ومحاولات استمالتهم بالتهكم، مبدين مخاوفهم من ممارساتها ورفضهم توسعها.

وكثّفت خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى، عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها، مع محاولة استثمارها خارجياً لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، الذي شرح لـ«الشرق الأوسط» كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.

يوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكداً أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة روايةً يصعب تصحيحها.

لقطة من فيديو فبركه الحوثيون عن استهدافهم مواقع للجيش اليمني بالطيران المسيَّر (إعلام حوثي)

ومنذ إعلان الحوثيين في يوليو (تموز) الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت روايات الجماعة عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر، وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل، مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم الجماعة بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.

«معركة» الرواية

رفعت الهجمات الحوثية مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أن الجماعة، وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة الجماعة للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها. وتعمد الجماعة إلى الخلط بين الأحداث الحقيقية وتأويلها المبالغ في نتائجها، بما يجعل الرواية أكثر قابلية للانتشار.

العروض العسكرية من أهم وسائل الدعاية الحوثية (أ.ف.ب)

وتتخذ الدعاية الحوثية في مأرب طابعاً أكثر تنظيماً، يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم «التسليم الوهمي» للمواقع، وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني أدت إلى انسحابات من مواقع استراتيجية.

ويرى أنور العامري، المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق، أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقداً عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب، بما يسهل انجرار ناشطين وإعلاميين ومثقفين محسوبين عليها إلى الاستجابة للروايات الحوثية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على المعنويات، مشيراً إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي في هذا الجانب.

الحوثيون استغلوا استيلاءهم على مدينة المخا لرفع معنويات مقاتليهم (أ.ب)

وينوّه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً نوعياً في أدوات التضليل، لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية، وإنما يزيد سرعة إنتاج المحتوى وحجمه وإمكانات التلاعب به. ويقسم الدعاية الحوثية إلى ثلاثة مستويات: الإشاعة والبيان الدعائي والمبالغة في الانتصارات، ثم إعادة تدوير المحتوى عبر المنصات والحسابات المتعددة، وأخيراً إنتاج وتعديل الصور والأصوات والفيديوهات والنصوص بالذكاء الاصطناعي.

انتصارات مصنّعة

كانت الجماعة الحوثية ردّت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيَّرة، بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها، في محاولة لرفع معنويات مقاتليها، إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم أو مصطنع لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.

ويلفت العامري، وهو إعلامي سابق في دائرة التوجيه المعنوي للجيش اليمني، إلى أن مواجهة إشاعات الحوثيين عن سقوط مناطق أو مدن تتطلب إدارة الفارق بين سرعة انتشار الرواية وقدرة الميدان على التحقق منها، محذراً من التضحية بالدقة في السباق مع الإشاعة.

الحوثيون يستخدمون مجسمات لطائرات مسيَّرة وصواريخ خلال تجمعات أنصارهم (غيتي)

ويشيد بدور الدائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة، عبر الرصد المبكر للإشاعات منذ ظهورها، وتحديد مصادرها ومضمونها ومدى انتشارها، ثم تصنيفها بين معلومة كاذبة أو ادعاء غير مؤكد أو خبر يحتاج إلى تحقق، عبر تنسيق المعلومات العسكرية وتوحيد مصدرها، ومقارنة الروايات، ثم إيصال المعلومات الموثقة بسرعة ووضوح يمنعان استغلال الفراغ المعلوماتي وتضارب التصريحات.

ولا تستهدف المواد الدعائية التي تنتجها الجماعة الحوثية القوات المسلحة الحكومية فقط؛ بل إنها موجهة أساساً إلى جمهورها الداخلي بدرجة أكبر، وإلى المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة الحكومة، فالروايات عن السيطرة على المخا مثلاً، أو تحقيق انتصارات خاطفة يمكن أن ترفع معنويات المقاتلين والأنصار وتحجب أخبار الخسائر والتراجع الميداني.

وفي المقابل، تنقل روايات مثل «الحصار الاقتصادي» وتحميل الحكومة والتحالف مسؤولية أزمة الرواتب والأسعار النقاش من أداء الجماعة الداخلي إلى خصومها، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.


معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع وتحصينات وتعزيزات تابعة للحوثيين في محافظة تعز (جنوب غرب)، بالتزامن مع استمرار المواجهات في عدد من الجبهات، بينما أعلنت القوات استعادة مواقع في جنوب وغرب المحافظة، وإسقاط طائرتين مسيّرتين، وأسر عدد من عناصر الجماعة قرب «باب المندب».

وقال محور تعز العسكري التابع للقوات المسلحة اليمنية إن الطيران الحربي شن خمس غارات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، جنوب شرقي المحافظة، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت، وفق مصادر عسكرية، تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، تواصلت المواجهات في مناطق العنين وبني بكاري وجرداد والكدحة، وسط محاولات حوثية للتسلل والهجوم. وأعلن محور تعز إسقاط طائرتين مسيّرتين، إحداهما في جبل جرداد جنوب غربي المحافظة، والأخرى في جبهة الكدحة، وقال إن الأخيرة كانت محملة بقذيفة هاون قبل وصولها إلى هدفها.

وأفادت مصادر ميدانية باستعادة القوات الحكومية مواقع وتلالاً في جبهات جنوب وغرب تعز، بينها مواقع في محيط كهبوب القريبة من «باب المندب»، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين.

وقالت المصادر إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» استعادت عدداً من التلال المهمة والمسيطرة في كهبوب، بعدما كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الأيام الماضية. كما أعلنت القوات الحكومية أسر سبعة من عناصر الحوثيين على ساحل السقيا، جنوب «باب المندب»، والاستيلاء على عربة عسكرية تابع للجماعة.

وفي جبهة غرب جرداد بني عمر، الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، قالت مصادر إن القوات الحكومية تصدت لهجوم حوثي وأجبرت المهاجمين على التراجع.

كما شهدت الوازعية غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي الظريفة والمشجب، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في عدد من مناطق التماس. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات ألحقت خسائر بالجماعة وأفشلت محاولات تعزيز مواقعها والتقدم في الجبهة.

وفي جبهة كهبوب المطلة على «باب المندب»، أعلنت «ألوية العمالقة الجنوبية» أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه، إلى جانب تنفيذ ضربات قالت إنها دمرت آليات واستهدفت تجمعات للحوثيين في كهبوب والوازعية.

خسائر بشرية

تأتي التطورات الميدانية وسط تقارير عن خسائر بشرية كبيرة خلال اليومين الماضيين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية من الجانبين مقتل 154 شخصاً على الأقل في المعارك التي شهدتها عدة محافظات يمنية.

وقالت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين إن 118 شخصاً قُتلوا جراء الغارات والمواجهات والقصف المدفعي في تعز والجوف ومأرب وصعدة، معظمهم في تعز، بينما أفادت مصادر عسكرية حكومية بمقتل 36 عسكرياً خلال يومين من المواجهات، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب تعز.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يتصدون للهجمات الحوثية غرب تعز (إعلام عسكري)

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القيادي الحوثي محمد عبد الله سعد جلافة العوير، المعروف باسم «أبو مالك العوير»، مع عدد من مرافقيه، خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الوازعية.

امتداد القتال

لا تقتصر المواجهات على تعز ومحيط «باب المندب»، إذ استمر القصف والاشتباكات في عدد من الجبهات الأخرى. وفي مأرب، تواصلت المواجهات في حريب والجوبة والكسارة والمشجح، من دون تغير في خريطة السيطرة.

وفي الجوف، أعلنت القوات الحكومية غارات على مواقع حوثية في رحوب وصلبة بمديرية برط العنان، ومواقع في المراشي والظاهر. كما أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في البيضاء، وإسقاط طائرة مسيّرة في شبوة.

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

وفي تطور منفصل، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية قصفاً صاروخياً استهدف سوقاً شعبية في منطقة الحجف بمديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وقالت إن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات والمركبات.

وذكرت الوزارة أن السوق تعرضت، الاثنين، لقصف بصاروخين باليستيين سقطا بفارق زمني يقارب ساعة، مشيرةً إلى أن المعطيات الأولية المتعلقة بالتوقيت والمسار تشير، وفقاً لها، إلى إطلاقهما من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في مديرية السبرة بمحافظة إب. وأكدت أنها تواصل جمع المعلومات والتحقق من حجم الإصابات والأضرار.

هجمات الحوثيين شردت نحو 150 ألف يمني من الساحل الغربي وغرب تعز (رويترز)

وفي الصبيحة، أكد رئيس الأركان والقائم بأعمال قوات «درع الوطن»، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات القوات في الجبهة، وقال إن المنطقة لن تكون طريقاً لعودة الحوثيين إلى عدن، داعياً إلى مواصلة القتال والثبات في مواجهة الجماعة.

تأتي هذه التطورات امتداداً لمواجهات شهدتها خلال الأيام الماضية المرتفعات الواقعة بين غرب تعز وشمال لحج، حيث تركز القتال حول مواقع جبلية في الشمايتين وجبل حبشي والوازعية وكهبوب، وسط محاولات متبادلة لتثبيت المواقع والتحكم بالمرتفعات المطلة على طرق الساحل و«باب المندب». وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق استعادة مواقع وإحباط هجمات وتسللات حوثية في عدد من هذه الجبهات.