كتب ألهمتني الكتابة

ميس العثمان  -  إبراهيم الخالدي  -  منى الشافعي  -  حمد الحمد
ميس العثمان - إبراهيم الخالدي - منى الشافعي - حمد الحمد
TT

كتب ألهمتني الكتابة

ميس العثمان  -  إبراهيم الخالدي  -  منى الشافعي  -  حمد الحمد
ميس العثمان - إبراهيم الخالدي - منى الشافعي - حمد الحمد

ثمة كتب تشكل في حيوات الأدباء من روائيين وقصاصين وشعراء انعطافات كبيرة، سواء في بداياتهم، حيث تلهمهم وتوقد فيهم «شرارة الكتابة»، أم في محطات لاحقة فتساعد على تطوير عوالمهم الإبداعية، أو تحقق انقطاعاً بين ما كانوا عليه، وما صاروا إليه بعد قراءة تلك الكتب.
هنا شهادات عدد من الكتاب الخليجيين:

> د. عبد الله الحيدري: بدايتي مع أساطير الجهيمان
بعد هذا المشوار الذي يقترب من الأربعين عاماً ويتصل بعالم القراءة والكتاب، أستطيع القول بأن وقود الكتابة هي القراءة، وكنت قد بدأت القراءات الأولى في المتوسطة والثانوية محاكياً ابن العم حمد الحيدري الذي كان يكبرني بأربع سنوات، ولديه مكتبة صغيرة فيها كتب دينية وتاريخية وأدبية، مع عناية خاصة بالكتب التي تحوي قصصاً واقعية وأحياناً تكون ممزوجة ببعض الأساطير، ومن هنا فقد تعلقت بقراءة بعض القصص، وكانت البداية مع أساطير شعبية لعبد الكريم الجهيمان، ثم مع كتاب «من أحاديث السمر» لعبد الله بن خميس، وكتب أخرى تراثية مثل العقد الفريد ونحوها.
وحين صدرتْ مجلة باسم معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض شجعني مسؤول التحرير الأستاذ محمد الشيبان على الكتابة، فكتبت مقالاً وأنا في الثانوية ونشر بالفعل، وتشجعت على الكتابة أكثر، فبدأت أستعير بعض الكتب من مكتبة المعهد، ومما استعرت منها في هذه المرحلة المبكرة من العمر كتاب «معجزة فوق الرمال» لأحمد عسة.
وعندما تخرجت في كلية الآداب، تطلعت لكتابة البحوث، وكان أن أعلن نادي الطائف الأدبي عن مسابقة في مجال البحث العلمي؛ فتقدمت ببحث، وحصلت على المركز الثاني بعد حجب الأول.
وأثناء عملي في إذاعة الرياض، تعرفت إلى خالد بن محمد الخليفة، وكان يشرف على صفحة في جريدة «اليوم»، فدعاني للكتابة فاستجبت، وتكونت من هذه المقالات مادة صالحة للجمع، وصدرت في كتاب 1992.
- نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب العربي (رئيس نادي الرياض الأدبي سابقاً)

> ميس العثمان: كتاب «الشخصية المحمدية» غيّر التركيبة الكيميائية لروحي
إننا كقرّاء أولاً؛ نظلّ كل الوقت في بحث شبه جنوني عن «ذلك الكتاب» الأمنية!
الكتاب الذي لا ندري في أي المكتبات حول العالم ينتظر تصفحنا له... كتاب يعيد تنسيق أرواحنا مثلاً، ينقذنا من ضياع نظنه أخيراً، يرمم أوجاعنا الخفية، يسعد بنا لأعلى، كتاب نقرأ مدخله الأول فيأسرنا فيما يحمل من إجابات على أسئلتنا الكثيرة المدعوكة بعلامات الاستفهام غير المرحّب بها في «عوالمنا» المرتاحة في اليقين!
نحن كقرّاء أولاً، نظل في مبحثنا الدائم المتواصل عن كتب تحرّك زوايا النظر، تفتح شرفات على معانٍ جديدة - جديرة بالوقوف فيها لساعات وأيام طويلة لاقتناص الحكمة من عقل «غريب عنا» لكنه يشبه جنوننا الحميد قرر مشاركتنا تجربته البعيدة أو القريبة فلا فرق، نحن من نصنع أيامنا وقصصنا بلا شك عبر تشاركها مع غيرنا، ونحن هذه تعود على «البشر»...
أما الكتاب الذي حوّلني روحياً، وغيّر مسارات حياتي كـطلقة بدء أولية فقط في سباق التحولات العظيمة التي شهدتها على مدى سنوات وما زلت أكنس بدائيتي... كان «الشخصية المحمدية» للشاعر معروف الرصافي، الذي فتح شرفة النور في روحي، وأقعدني في «حمى» حقيقية لأيام. وبعدها تجولت في مناطق قرائية أبعد ما تكون عن المعتاد والدارج والمكرّس، إنني حرّة منذها وما زلت مثل عصفورة وأخبر حكاياتي للناس بسلام وصدق وحقيقة وبلا خشية.
- روائية كويتية

> استبرق أحمد: شغلني «مقتل السيد أكرويد»
كان «مقتل السيد أكرويد» أول كتاب قرأته لأجاثا كريستي، سحق فكرة التوقعات، وشغلني أكثر بالألغاز والألاعيب، وربما اندس ذلك لاحقاً في كتابتي في وجود حكاية تتعرض للمد والجزر، للتعميّة والوضوح. أما النص الذي أعتبره مفارقاً، ذكياً، ممتعاً، ومغارة زاخرة بالتفاصيل يذكرني أحياناً بجبروت «الست، ثومة، الهائلة أم كلثوم» وهو يقف صادحاً بين النصوص، بطبقات صوتية للحكاية، لا يدانيه ولا ينساه أحد، نص حكاية الحكايات «ألف ليلة وليلة» في اجتياح الصور والأخيلة المنتبهة لك. تعرفت في «مدن لا مرئية» أو «البارون المعلق» - لا أذكر أيهما قرأته قبل - على «ايتالو كالفينو» وجدت المغايرة والعمق والتشابكات وتأويلات المقاصد، وجدت الكاتب في سيرته «الثعلبية» كما يصف كالفينو في اعتناقه التجريب وتنوع نظرته للعالم.
- قاصة كويتية

> إبراهيم حامد الخالدي: ديوان السياب بوابتي للشعر الحديث
من الصعب تذكر الكتب التي قرأتها منذ أن عشقت القراءة كهواية، وتصاعدت حتى أصبحت صنعة لا أهملها في يوم من الأيام، لكن هناك كتباً من الصعب نسيانها أو نكران تأثيرها، وكإنسان مارس الكتابة في الصحافة والأدب والتاريخ والفلكلور على مدى ثلاثة عقود، يمكنني تعديد بعض الكتب التي أتذكرها الآن...
كان ديوان بدر شاكر السياب «الأعمال الكاملة. جزآن» أحد أوائل دواوين الشعر الفصيح التي فتحت عيني عليها، وفتحت لي أبواباً واسعة للولوج إلى عالم الشعر الحقيقي والمبدع.
من السياب تعلمت:
- أن كتابة الشعر تحتاج إلى المثابرة والمواصلة، كان ذلك وأنا أراه يكتب الشعر يومياً من تواريخ القصائد في كتابه.
- أن للمكان تأثيراً على استفزاز الشاعر للكتابة، كما تبين لي من تعدد الأماكن التي كتب فيها أشعاره خلال أسفاره.
- أن جمال الشعر لا يتعلق بالشكل الفني للقصيدة، فالشعر أمر أكبر من القوالب والقيم الموروثة.
- أن الشاعر يمتلك لغته، ومن حقه أن يعبث داخل النص؛ ما دام ينتج في النهاية إبداعاً حقيقياً، وليس عبثاً لغوياً.
- أن الشاعر مهما بلغ حجم إبداعه من الممكن أن تجد له نصوصاً دون المستوى، ورغم ذلك ينشرها لقرائه.
- أن الشعر يحمل رسالة حياتية، ومقولة جاء ليقولها، وليس مجرد تعابير عن أحاسيس مرهفة.
بالطبع، لم يكن السياب وحده هو المحرّض لي على كتابة الشعر، لكنه أكثر من عرّفني بأن الشعر الحديث يمكن أن يكون جميلاً وعميقاً في الوقت ذاته. نزار وأمل دنقل والمتنبي لهم أيضاً أثر لا يمحى.
هناك كتب أخرى قرأتها في البدايات كان لها تأثير في محبتي للتاريخ والتراث. أذكر هنا «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، و«الأعلام» للزركلي، و«الأدب الشعبي في جزيرة العرب» لعبد الله بن خميس، و«الموسوعة النبطية» لطلال السعيد.
لا أنسى روايات أجاثا كريستي، وإحسان عبد القدوس، وكتب محمود السعدني، وأنيس منصور، وغيرها الكثير، في تشكيل قناعتي بأن الكتابة سواء كانت في الصحافة أو التأليف، هي عمل مشرف لصاحبه يستحق أن يهب له الإنسان حياته، وهي التعريف المهني الأعلى قيمة وسؤدداً من أي شهادة علمية أخرى.
نحن في الختام، خلاصة ما قرأنا، وما سمعنا، وما واجهنا من مواقف، وما اكتسبنا من خبرات، وعند مزج ذلك مع ما فطرنا عليه من أخلاق ومبادئ، تتشكل ذواتنا، وتتبلور آراؤنا، ونصبح ما نحن عليه، حسناً فحسناً، وسيئاً فسيئاً.
- شاعر وباحث كويتي

> منى الشافعي: «نساء صغيرات» كبرن معي منذ الطفولة
الكتاب الذي قرأته بشغف في طفولتي هو رواية «نساء صغيرات» الكلاسيكية، للكاتبة الأميركية لويزا ماي الكوت، وهي عبارة عن أربعة أجزاء، والرواية تحتفي بالطفولة، طفولة البطلة وشقيقاتها الثلاث، وتشي بدفء الأسرة المترابطة المتحابة، التي شعرت به البطلة في بيتهن. تدور أحداث الرواية في زمن الحرب الأهلية الأميركية التي اندلعت بين الشمال والجنوب، بحيث أشعرتني الكاتبة بأنها غرفت بشبع من تجارب طفولتها لتزين بها صفحات هذه الرواية الجميلة، التي عشقتها طفولتي، فصرت أعيد قراءتها، بين فترة وأخرى، وما زالت بأجزائها الأربعة، متربعة بخيلاء على أحد أرفف مكتبتي.
لا أعتقد أنها حفزتني على الكتابة؛ لأن الحافز كان ينمو معي من الطفولة، أحياناً يخبو، وأخرى يتقافز أمامي... لكنني بصراحة تأثرت بها في بعض كتاباتي؛ لأنني عاشقة للطفولة كما الكاتبة ولا أزال، فقد زينت كتابي «نبضات أنثى» بأكثر من نص يحكي تجارب، ويصف مواقف من طفولتي.
كما ازداد تأثري بهذه الرواية، حين دفعتني لتركيز كتاباتي الإبداعية على، وعن المرأة - الأنثى بكل أحوالها، وتقلباتها وحالاتها، وصفاتها، ورغباتها وقناعاتها، وعلاقاتها الأسرية وغيرها، في الحياة، ولن أغفل هنا الاعتزاز بالمرأة بكل صورها؛ كون الرواية أيضاً تعزز شجاعة تلك الفتيات الأربع في زمن الحرب، وتتحدث عن طيبتهن، وكرمهن. فتجد أغلب مجموعاتي القصصية، ورواياتي تتمحور حول المرأة، بكل صورها، وحالاتها.
أما لاحقاً، فقد تأثرت برواية «العين الأشد زرقة»، للكاتبة الأميركية السمراء توني موريسون الحاصلة على جائزة نوبل. فقد عشت مع الرواية، بمشاعر وأحاسيس مختلفة، وأنا أقرأ بشهية، لكنها شهية حزينة موجعة... تلك هي قصة طفلة سوداء، بريئة، عاشت في زمن أوجاع التفرقة العنصرية، والطبقية، واحتقار الأنثى السوداء، فتعرضت للأذى والذل والإهانة، للونها الأسود، وملامحها غير الجميلة. وكانت العيون الزرقاء، في ذلك الزمن - الستينات من القرن العشرين - تعتبر علامة للجمال، الذي تتخيله تلك الطفلة السوداء؛ لذا كانت تتمنى من الرب، أن يمنحها هذه العيون المشتهاة.
وهكذا تمنيت أن أكتب رواية تحاكي تلك الرائعة التي شغفتني، وظل في داخلي شيء ما يذكرني بتلك الأمنية، وذاك التأثر، حتى جاءت قصة «زمن الوجع» التي كتبتها بلسان طفلة في الثامنة من عمرها... ولا أزال أطمح برواية تحاكي «العيون الأشد زرقة»!
لن أغفل هنا، أنني تأثرت بروايات، وقصص الفانتازي، والأساطير القديمة، وبخاصة أسطورة جلجامش، ورواية ماركيز «مائة عام من العزلة»، فصرت أميل، على السرد الواقعي التخيلي، أو إلى غير المألوف، حتى أستطيع التعبير عن الواقع، وعن أفكاري، بحرية أكبر... كما في روايتي «ليلة الجنون»... وقصة «أشياء غريبة تحدث».
- روائية وقاصة كويتية

> علي الماجد: تاج السر حفّزني لكتابة الرواية البوليسية
في صغري ألهمني محمود سالم في قصصه الرائعة «المغامرون الخمسة»، وكيف تحول مجموعة من الصبية إلى مجموعة تسعى لتحقيق العدالة والقبض على الأشرار. حين كبرت وقرأت مقالاً للكاتب أمير تاج السر، يقول فيه إن العرب لن يكتبوا رواية بوليسية، انفجرت لدي براكين الإبداع وكتبت خمس روايات بوليسية. ستيفن كنج كاتب روايات الرعب الأكثر شهرة بالعالم، قال في إحدى مقابلاته إن كل شيء يخيفه بالعالم! كتبه تحولت إلى أفلام ومسلسلات عالمية وأرعب الملايين، فإذا به يخاف من كل شيء!
الغريب أنه يختار أشياء لا تخيف بالواقع مثل كلب أو مهرج وحتى هاتف محمول، ثم ينسج حولها رواية تثير الهلع والجزع بالعالم أجمع. هنا نقطة مهمة لكل من يبحث عن الإلهام في دواخله، نقاط ضعفك قد تخرج لك عشرات الأفكار لتكتب.
- روائي سعودي

> حمد الحمد: السباعي والطيب صالح
من أول الكتب التي أعجبتني رواية «أرض النفاق» للكاتب يوسف السباعي. الذي أعجبني فيها سهولة الأسلوب ومرور الأحداث بسلاسة ومن دون غموض، كما أن للرواية رسالة جديرة بالاهتمام، لهذا فُتنت بها وقرأتها أكثر من مرة.
الرواية الثانية التي شدتني في بداية حياتي هي رواية «موسم الهجرة للشمال» للكاتب الطيب صالح، فقد أعجبني الأسلوب واللقطات اللطيفة فيها والحبكة التي لا تمل منها، وتقدم لك المجتمع السوداني بأسلوب واضح ومتمكن وواقعي.
كذلك شُغفتُ برواية «مدن الملح» للكاتب عبد الرحمن منيف؛ كونها تغوص في تاريخ الجزيرة العربية بملامح الإنسان في الصحراء والريف ومعاناة قساوة الحياة قبل النفط، لهذا أعجبني طول النفس للكاتب والإسقاطات الفكرية. وفتنت بالأدب الروسي المترجم لكونه يقدم لك المجتمع هناك تحت النظام الشيوعي وتكتشف مجتمعاً لا تعرفه، وأعجبتني رواية بعنوان «القارئ» لكاتب الألماني برنارد شلينك، وهي مترجمة للإنجليزية وتحكي تحولات الإنسان الأوروبي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وكذلك، لا أنسى الكاتب المصري إبراهيم أصلان وقصصه القصيرة المعبرة التي كتبت بأسلوب سلس وواضح، وأعجبني الكاتب التركي عزيز ينسن من خلال قصصه القصيرة الساخرة التي تعتبر مدرسة لكل كاتب مبتدئ.
كانت تلك الأعمال هي مدرستي وغيرها مما لا أتذكر تفاصيلها اليوم، لكن تلك الأعمال العظيمة شكلت موهبتي وأثرت في مسار حياتي الكتابية.
- روائي كويتي


مقالات ذات صلة

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».