كتب ألهمتني الكتابة

ميس العثمان  -  إبراهيم الخالدي  -  منى الشافعي  -  حمد الحمد
ميس العثمان - إبراهيم الخالدي - منى الشافعي - حمد الحمد
TT

كتب ألهمتني الكتابة

ميس العثمان  -  إبراهيم الخالدي  -  منى الشافعي  -  حمد الحمد
ميس العثمان - إبراهيم الخالدي - منى الشافعي - حمد الحمد

ثمة كتب تشكل في حيوات الأدباء من روائيين وقصاصين وشعراء انعطافات كبيرة، سواء في بداياتهم، حيث تلهمهم وتوقد فيهم «شرارة الكتابة»، أم في محطات لاحقة فتساعد على تطوير عوالمهم الإبداعية، أو تحقق انقطاعاً بين ما كانوا عليه، وما صاروا إليه بعد قراءة تلك الكتب.
هنا شهادات عدد من الكتاب الخليجيين:

> د. عبد الله الحيدري: بدايتي مع أساطير الجهيمان
بعد هذا المشوار الذي يقترب من الأربعين عاماً ويتصل بعالم القراءة والكتاب، أستطيع القول بأن وقود الكتابة هي القراءة، وكنت قد بدأت القراءات الأولى في المتوسطة والثانوية محاكياً ابن العم حمد الحيدري الذي كان يكبرني بأربع سنوات، ولديه مكتبة صغيرة فيها كتب دينية وتاريخية وأدبية، مع عناية خاصة بالكتب التي تحوي قصصاً واقعية وأحياناً تكون ممزوجة ببعض الأساطير، ومن هنا فقد تعلقت بقراءة بعض القصص، وكانت البداية مع أساطير شعبية لعبد الكريم الجهيمان، ثم مع كتاب «من أحاديث السمر» لعبد الله بن خميس، وكتب أخرى تراثية مثل العقد الفريد ونحوها.
وحين صدرتْ مجلة باسم معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض شجعني مسؤول التحرير الأستاذ محمد الشيبان على الكتابة، فكتبت مقالاً وأنا في الثانوية ونشر بالفعل، وتشجعت على الكتابة أكثر، فبدأت أستعير بعض الكتب من مكتبة المعهد، ومما استعرت منها في هذه المرحلة المبكرة من العمر كتاب «معجزة فوق الرمال» لأحمد عسة.
وعندما تخرجت في كلية الآداب، تطلعت لكتابة البحوث، وكان أن أعلن نادي الطائف الأدبي عن مسابقة في مجال البحث العلمي؛ فتقدمت ببحث، وحصلت على المركز الثاني بعد حجب الأول.
وأثناء عملي في إذاعة الرياض، تعرفت إلى خالد بن محمد الخليفة، وكان يشرف على صفحة في جريدة «اليوم»، فدعاني للكتابة فاستجبت، وتكونت من هذه المقالات مادة صالحة للجمع، وصدرت في كتاب 1992.
- نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب العربي (رئيس نادي الرياض الأدبي سابقاً)

> ميس العثمان: كتاب «الشخصية المحمدية» غيّر التركيبة الكيميائية لروحي
إننا كقرّاء أولاً؛ نظلّ كل الوقت في بحث شبه جنوني عن «ذلك الكتاب» الأمنية!
الكتاب الذي لا ندري في أي المكتبات حول العالم ينتظر تصفحنا له... كتاب يعيد تنسيق أرواحنا مثلاً، ينقذنا من ضياع نظنه أخيراً، يرمم أوجاعنا الخفية، يسعد بنا لأعلى، كتاب نقرأ مدخله الأول فيأسرنا فيما يحمل من إجابات على أسئلتنا الكثيرة المدعوكة بعلامات الاستفهام غير المرحّب بها في «عوالمنا» المرتاحة في اليقين!
نحن كقرّاء أولاً، نظل في مبحثنا الدائم المتواصل عن كتب تحرّك زوايا النظر، تفتح شرفات على معانٍ جديدة - جديرة بالوقوف فيها لساعات وأيام طويلة لاقتناص الحكمة من عقل «غريب عنا» لكنه يشبه جنوننا الحميد قرر مشاركتنا تجربته البعيدة أو القريبة فلا فرق، نحن من نصنع أيامنا وقصصنا بلا شك عبر تشاركها مع غيرنا، ونحن هذه تعود على «البشر»...
أما الكتاب الذي حوّلني روحياً، وغيّر مسارات حياتي كـطلقة بدء أولية فقط في سباق التحولات العظيمة التي شهدتها على مدى سنوات وما زلت أكنس بدائيتي... كان «الشخصية المحمدية» للشاعر معروف الرصافي، الذي فتح شرفة النور في روحي، وأقعدني في «حمى» حقيقية لأيام. وبعدها تجولت في مناطق قرائية أبعد ما تكون عن المعتاد والدارج والمكرّس، إنني حرّة منذها وما زلت مثل عصفورة وأخبر حكاياتي للناس بسلام وصدق وحقيقة وبلا خشية.
- روائية كويتية

> استبرق أحمد: شغلني «مقتل السيد أكرويد»
كان «مقتل السيد أكرويد» أول كتاب قرأته لأجاثا كريستي، سحق فكرة التوقعات، وشغلني أكثر بالألغاز والألاعيب، وربما اندس ذلك لاحقاً في كتابتي في وجود حكاية تتعرض للمد والجزر، للتعميّة والوضوح. أما النص الذي أعتبره مفارقاً، ذكياً، ممتعاً، ومغارة زاخرة بالتفاصيل يذكرني أحياناً بجبروت «الست، ثومة، الهائلة أم كلثوم» وهو يقف صادحاً بين النصوص، بطبقات صوتية للحكاية، لا يدانيه ولا ينساه أحد، نص حكاية الحكايات «ألف ليلة وليلة» في اجتياح الصور والأخيلة المنتبهة لك. تعرفت في «مدن لا مرئية» أو «البارون المعلق» - لا أذكر أيهما قرأته قبل - على «ايتالو كالفينو» وجدت المغايرة والعمق والتشابكات وتأويلات المقاصد، وجدت الكاتب في سيرته «الثعلبية» كما يصف كالفينو في اعتناقه التجريب وتنوع نظرته للعالم.
- قاصة كويتية

> إبراهيم حامد الخالدي: ديوان السياب بوابتي للشعر الحديث
من الصعب تذكر الكتب التي قرأتها منذ أن عشقت القراءة كهواية، وتصاعدت حتى أصبحت صنعة لا أهملها في يوم من الأيام، لكن هناك كتباً من الصعب نسيانها أو نكران تأثيرها، وكإنسان مارس الكتابة في الصحافة والأدب والتاريخ والفلكلور على مدى ثلاثة عقود، يمكنني تعديد بعض الكتب التي أتذكرها الآن...
كان ديوان بدر شاكر السياب «الأعمال الكاملة. جزآن» أحد أوائل دواوين الشعر الفصيح التي فتحت عيني عليها، وفتحت لي أبواباً واسعة للولوج إلى عالم الشعر الحقيقي والمبدع.
من السياب تعلمت:
- أن كتابة الشعر تحتاج إلى المثابرة والمواصلة، كان ذلك وأنا أراه يكتب الشعر يومياً من تواريخ القصائد في كتابه.
- أن للمكان تأثيراً على استفزاز الشاعر للكتابة، كما تبين لي من تعدد الأماكن التي كتب فيها أشعاره خلال أسفاره.
- أن جمال الشعر لا يتعلق بالشكل الفني للقصيدة، فالشعر أمر أكبر من القوالب والقيم الموروثة.
- أن الشاعر يمتلك لغته، ومن حقه أن يعبث داخل النص؛ ما دام ينتج في النهاية إبداعاً حقيقياً، وليس عبثاً لغوياً.
- أن الشاعر مهما بلغ حجم إبداعه من الممكن أن تجد له نصوصاً دون المستوى، ورغم ذلك ينشرها لقرائه.
- أن الشعر يحمل رسالة حياتية، ومقولة جاء ليقولها، وليس مجرد تعابير عن أحاسيس مرهفة.
بالطبع، لم يكن السياب وحده هو المحرّض لي على كتابة الشعر، لكنه أكثر من عرّفني بأن الشعر الحديث يمكن أن يكون جميلاً وعميقاً في الوقت ذاته. نزار وأمل دنقل والمتنبي لهم أيضاً أثر لا يمحى.
هناك كتب أخرى قرأتها في البدايات كان لها تأثير في محبتي للتاريخ والتراث. أذكر هنا «تاريخ الخلفاء» للسيوطي، و«الأعلام» للزركلي، و«الأدب الشعبي في جزيرة العرب» لعبد الله بن خميس، و«الموسوعة النبطية» لطلال السعيد.
لا أنسى روايات أجاثا كريستي، وإحسان عبد القدوس، وكتب محمود السعدني، وأنيس منصور، وغيرها الكثير، في تشكيل قناعتي بأن الكتابة سواء كانت في الصحافة أو التأليف، هي عمل مشرف لصاحبه يستحق أن يهب له الإنسان حياته، وهي التعريف المهني الأعلى قيمة وسؤدداً من أي شهادة علمية أخرى.
نحن في الختام، خلاصة ما قرأنا، وما سمعنا، وما واجهنا من مواقف، وما اكتسبنا من خبرات، وعند مزج ذلك مع ما فطرنا عليه من أخلاق ومبادئ، تتشكل ذواتنا، وتتبلور آراؤنا، ونصبح ما نحن عليه، حسناً فحسناً، وسيئاً فسيئاً.
- شاعر وباحث كويتي

> منى الشافعي: «نساء صغيرات» كبرن معي منذ الطفولة
الكتاب الذي قرأته بشغف في طفولتي هو رواية «نساء صغيرات» الكلاسيكية، للكاتبة الأميركية لويزا ماي الكوت، وهي عبارة عن أربعة أجزاء، والرواية تحتفي بالطفولة، طفولة البطلة وشقيقاتها الثلاث، وتشي بدفء الأسرة المترابطة المتحابة، التي شعرت به البطلة في بيتهن. تدور أحداث الرواية في زمن الحرب الأهلية الأميركية التي اندلعت بين الشمال والجنوب، بحيث أشعرتني الكاتبة بأنها غرفت بشبع من تجارب طفولتها لتزين بها صفحات هذه الرواية الجميلة، التي عشقتها طفولتي، فصرت أعيد قراءتها، بين فترة وأخرى، وما زالت بأجزائها الأربعة، متربعة بخيلاء على أحد أرفف مكتبتي.
لا أعتقد أنها حفزتني على الكتابة؛ لأن الحافز كان ينمو معي من الطفولة، أحياناً يخبو، وأخرى يتقافز أمامي... لكنني بصراحة تأثرت بها في بعض كتاباتي؛ لأنني عاشقة للطفولة كما الكاتبة ولا أزال، فقد زينت كتابي «نبضات أنثى» بأكثر من نص يحكي تجارب، ويصف مواقف من طفولتي.
كما ازداد تأثري بهذه الرواية، حين دفعتني لتركيز كتاباتي الإبداعية على، وعن المرأة - الأنثى بكل أحوالها، وتقلباتها وحالاتها، وصفاتها، ورغباتها وقناعاتها، وعلاقاتها الأسرية وغيرها، في الحياة، ولن أغفل هنا الاعتزاز بالمرأة بكل صورها؛ كون الرواية أيضاً تعزز شجاعة تلك الفتيات الأربع في زمن الحرب، وتتحدث عن طيبتهن، وكرمهن. فتجد أغلب مجموعاتي القصصية، ورواياتي تتمحور حول المرأة، بكل صورها، وحالاتها.
أما لاحقاً، فقد تأثرت برواية «العين الأشد زرقة»، للكاتبة الأميركية السمراء توني موريسون الحاصلة على جائزة نوبل. فقد عشت مع الرواية، بمشاعر وأحاسيس مختلفة، وأنا أقرأ بشهية، لكنها شهية حزينة موجعة... تلك هي قصة طفلة سوداء، بريئة، عاشت في زمن أوجاع التفرقة العنصرية، والطبقية، واحتقار الأنثى السوداء، فتعرضت للأذى والذل والإهانة، للونها الأسود، وملامحها غير الجميلة. وكانت العيون الزرقاء، في ذلك الزمن - الستينات من القرن العشرين - تعتبر علامة للجمال، الذي تتخيله تلك الطفلة السوداء؛ لذا كانت تتمنى من الرب، أن يمنحها هذه العيون المشتهاة.
وهكذا تمنيت أن أكتب رواية تحاكي تلك الرائعة التي شغفتني، وظل في داخلي شيء ما يذكرني بتلك الأمنية، وذاك التأثر، حتى جاءت قصة «زمن الوجع» التي كتبتها بلسان طفلة في الثامنة من عمرها... ولا أزال أطمح برواية تحاكي «العيون الأشد زرقة»!
لن أغفل هنا، أنني تأثرت بروايات، وقصص الفانتازي، والأساطير القديمة، وبخاصة أسطورة جلجامش، ورواية ماركيز «مائة عام من العزلة»، فصرت أميل، على السرد الواقعي التخيلي، أو إلى غير المألوف، حتى أستطيع التعبير عن الواقع، وعن أفكاري، بحرية أكبر... كما في روايتي «ليلة الجنون»... وقصة «أشياء غريبة تحدث».
- روائية وقاصة كويتية

> علي الماجد: تاج السر حفّزني لكتابة الرواية البوليسية
في صغري ألهمني محمود سالم في قصصه الرائعة «المغامرون الخمسة»، وكيف تحول مجموعة من الصبية إلى مجموعة تسعى لتحقيق العدالة والقبض على الأشرار. حين كبرت وقرأت مقالاً للكاتب أمير تاج السر، يقول فيه إن العرب لن يكتبوا رواية بوليسية، انفجرت لدي براكين الإبداع وكتبت خمس روايات بوليسية. ستيفن كنج كاتب روايات الرعب الأكثر شهرة بالعالم، قال في إحدى مقابلاته إن كل شيء يخيفه بالعالم! كتبه تحولت إلى أفلام ومسلسلات عالمية وأرعب الملايين، فإذا به يخاف من كل شيء!
الغريب أنه يختار أشياء لا تخيف بالواقع مثل كلب أو مهرج وحتى هاتف محمول، ثم ينسج حولها رواية تثير الهلع والجزع بالعالم أجمع. هنا نقطة مهمة لكل من يبحث عن الإلهام في دواخله، نقاط ضعفك قد تخرج لك عشرات الأفكار لتكتب.
- روائي سعودي

> حمد الحمد: السباعي والطيب صالح
من أول الكتب التي أعجبتني رواية «أرض النفاق» للكاتب يوسف السباعي. الذي أعجبني فيها سهولة الأسلوب ومرور الأحداث بسلاسة ومن دون غموض، كما أن للرواية رسالة جديرة بالاهتمام، لهذا فُتنت بها وقرأتها أكثر من مرة.
الرواية الثانية التي شدتني في بداية حياتي هي رواية «موسم الهجرة للشمال» للكاتب الطيب صالح، فقد أعجبني الأسلوب واللقطات اللطيفة فيها والحبكة التي لا تمل منها، وتقدم لك المجتمع السوداني بأسلوب واضح ومتمكن وواقعي.
كذلك شُغفتُ برواية «مدن الملح» للكاتب عبد الرحمن منيف؛ كونها تغوص في تاريخ الجزيرة العربية بملامح الإنسان في الصحراء والريف ومعاناة قساوة الحياة قبل النفط، لهذا أعجبني طول النفس للكاتب والإسقاطات الفكرية. وفتنت بالأدب الروسي المترجم لكونه يقدم لك المجتمع هناك تحت النظام الشيوعي وتكتشف مجتمعاً لا تعرفه، وأعجبتني رواية بعنوان «القارئ» لكاتب الألماني برنارد شلينك، وهي مترجمة للإنجليزية وتحكي تحولات الإنسان الأوروبي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وكذلك، لا أنسى الكاتب المصري إبراهيم أصلان وقصصه القصيرة المعبرة التي كتبت بأسلوب سلس وواضح، وأعجبني الكاتب التركي عزيز ينسن من خلال قصصه القصيرة الساخرة التي تعتبر مدرسة لكل كاتب مبتدئ.
كانت تلك الأعمال هي مدرستي وغيرها مما لا أتذكر تفاصيلها اليوم، لكن تلك الأعمال العظيمة شكلت موهبتي وأثرت في مسار حياتي الكتابية.
- روائي كويتي


مقالات ذات صلة

فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
كتب رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين مريم وعبدو على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون «صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب فريد الزاهي

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي

مارلين كنعان
كتب حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.


«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي
TT

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت (دار نلسن - 2026) مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت من القراءة قبل أن تتحوّل إلى مراسلة، وتغذّت على ما كتب الزاهي وترجم، ولا سيّما ترجمته لكتابَي المستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخلاّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة لمؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية».

فمثل هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها، تفوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خلف الصداقة التي تنمو بين بيروت والمغرب، ثمة شخصية ثالثة لا تكتب رسالة واحدة فيه، ولا تظهر كموضوعٍ مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شخصية الأب والصحافي والشاعر الغائب، أنسي الحاج، «موطن ندى»، على حدّ قول الزاهي، الذي جعله الرحيل أكثر حضوراً، وربما أكثر استعصاءً على الغياب.

ندى الحاج

تبدأ الحكاية، إذاً، من علاقة ابنة بأبيها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود السيرة العائلية، لتطرح سؤال الوجود وجمال المعرفة واللغة والأدب والموسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والروح والجسد والحرب والموت والأديان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور المقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة الأدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهين متكاملين: رسائل تُوجَّه إلى فريد الزاهي، وردودٌ تخرج عن «المسالك المعبَّدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة الإنسانية مع التأمل في الأسئلة الوجودية الأعمق، مستعيدةً بذلك تقليداً أصيلاً في الحوار، يعود إلى قرون بعيدة مع رسائل سينيكا إلى لوقيليوس ورسائل أبيقور إلى تلاميذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجورج صاند، وصولاً إلى رسائل ألبير كامو وماريا كاساريس وسواهم، التي تجاوزت وظيفتها التواصلية صائرةً «وسيطاً للتفكير» واستكشاف الذات في حوار غير متزامن يتجاور فيه الحضور والغياب.

منذ الصفحات الأولى للكتاب يتبين أن الرسائل لا تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والذاكرة، ومن علاقة طويلة بين ندى وإرث أبيها. لكن الزاهي لا يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعادة تركيب لما تفتحه الرسائل من أفقٍ تأمليّ وثقافيّ واسع. ولهذا فإن الحوار معه لا يمكن فصله عن السؤال الآتي: ماذا تفعل الابنة حين يكون الأب شخصاً تحبه، وكاتباً وشاعراً سبقها إلى اللغة، واسماً صار جزءاً من هويتها الأدبية؟

هنا تحديداً تتجاوز الرسائل بعدها الشخصي لتصبح نصّاً عن الميراث الشعري، والأبوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب الأدبي.

ومنذ الردّ الأول على رسالة «سَفرُ المرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاءً مشتركاً للشعر والفكر، مؤكداً أن الكتابة الحقيقية كشفٌ واكتشاف، وأن النّص حين يكون حيّاً يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. والأهم أن الزاهي لا يقرأ ندى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الثقافية، ويعرف موقعه في المشهد الشعري والفكري العربي. فإذا كانت ندى تملك الذاكرة الحميمة، فإن الزاهي يملك ذاكرة القارئ. وبين الذاكرتين يتشكل أنسي الحاج الذي لا يعود شخصية أحادية. إنه الأب الذي عاش في البيت، والشاعر الذي عاش في اللغة، والاسم الذي ترك أثراً في جيل كامل من الشعراء والكتّاب. ولذلك فإن رسائل الزاهي تبدو أحياناً وكأنها تحاول أن تحمي ندى من اختزال نفسها في نسبها الأدبي، دافعاً الحوار باتجاه ما فعلته الابنة بهذا الإرث وخطواتها على طريق الاستقلال عنه.

وتتجلى شخصية الزاهي بصورة أوضح في رسائله التي تتناول تجربته المغربية، والقراءة والكتابة والترجمة، وعلاقته بلبنان وبالتراث العربي. ففي رسالته «خطّ وقدر»، يستعيد تاريخ علاقته بالورق والقلم، ثم ينتقل إلى القرآن، وإلى بدايات وعيه باللغة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هذه الاستطرادات ليست خارج موضوع المراسلة، إنها تكشف شيئاً جوهرياً: الزاهي لا يفسر تجربة ندى من الخارج، بل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الحوار تبادلاً للسيرتين. ندى تتحدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما في «جنوحٌ نحو القصيدة»؛ تتحدث عن الأب، فيستعيد هو أباه الأمي وسيرته وطفولته وآباءه الثقافيين؛ تتحدث عن الكتابة في «حرية وخفّة»، فيعود إلى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبيروت والتجاور والتعايش الديني، فيعود إلى المغرب ومدنه ومساجده ومواقعه وأديرته المسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على الآخر كما في رسالته حول «التجاور الديني»، التي يقرأ فيها فضاء المغرب التاريخي والثقافي والديني، مستعيداً علاقته بالتراث المسيحي، ليصل إلى فكرة أعمق عن التعدد والحوار. وفي المقابل تستجيب ندى لهذه الرؤية من موقعها اللبناني، فيصبح المغرب ولبنان تجربتين مختلفتين لكنهما تلتقيان في سؤال التعدد والتعايش والذاكرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وتردّ ندى محدثةً إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هشام قبّاني. فيحدثها الزاهي عن قراءاته للكتاب المقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَّل إليها. وهكذا لا تسير الرسائل في خط مستقيم من سؤال إلى جواب، وإنما في «دوائر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة باباً لا يغلقه ردّ الزاهي بقدر ما يفتح باباً آخر يزخر بشتّى أنواع المعارف، معرّجاً على أسماء أدباء وفنانين كبار تأثروا بالثقافة المغربية الأصيلة التي فتنت «العابر والمقيم»، وغدت «منبعاً لمتخيل أدبي وبصري لا ينضب».

وتتناول الرسائل أيضاً موضوعات الجفاف والمطر والتقنيات الرقمية وتدويناتها النرجسية وتجارب الفنانين الكبار كبول كلي وماتيس وثقافته الفلسفية والكتابة السيرية والصمت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والوجود. ففي رسالة بعنوان «الحبُّ الجارف» يقارب الزاهي الحب كقوة تتجاوز إمكانية امتلاكها أو تحديدها، فيصله بالحياة وبالعلاقة بالآخر، ثم يجد له أفقاً صوفياً في قراءة ابن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى للأبوة: أبوة روحية وثقافية تُكتسب بالاختيار والقراءة، لا بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو الأب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحد من الآباء الذين تختارهم الروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونسب الشعر، ونسب الروح الذي يخرج علاقة ندى بأبيها من حدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديداً ما يجعل الزاهي طرفاً ضرورياً في الكتاب: إنه لا يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلى الفكر، فإن الزاهي كثيراً ما ينطلق من الفكر لكي يعود إلى التجربة، وبين الاتجاهين تنشأ حركة الكتاب كلها.

إن رسائل الزاهي تؤدي في الكتاب وظيفة «المرآة النقدية». لكنها ليست مرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية النظر إليها وإلى الأسئلة التي تثيرها. ولعل هذه الازدواجية هي التي تمنع الكتاب من التحول إلى سيرة وجدانية صائراً سؤالاً أدبياً وفكرياً يهم القارئ أينما كان.

ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن الزاهي ليس «المخاطَب» في هذه المراسلات فحسب؛ إنه «القارئ الأول الذي يشارك في صناعة النصّ». فمن خلاله تنتقل رسائل ندى من حميمية المراسلة إلى أدبية الحوار، ومن الاعتراف الشخصي إلى التفكير في الشعر والكتابة والذاكرة والموت. فالزاهي الآتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الحميمة أحياناً عن رؤيته. لذا يصبح شاهداً وقارئاً ورفيقاً في إعادة بناء المعنى. ولعله في قراءته لما تقوله ندى، يعيد السؤال إليها في صورة أخرى أو حركة متبادلة تمنح الكتاب حيويته، بحيث يصبح حواراً يتسع كلما اختلف الصوتان.

ومن الخاص إلى العام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجرح وتجربة عيش. الأزمة اللبنانية، وانهيار الحياة العامة، والشباب الذين يحاولون مواصلة حياتهم وسط الانهيار، كلها تدخل في نسيج المراسلات. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان المعنى؛ وحين يهدد الواقع بتفكيك الحياة، تستعيد الرسالة قدرتها على بناء علاقة وذاكرة وصوت للبنان الذي يظهر في هذه الصفحات كوطن محبوب ومجروح في آن، والذي تصعب مغادرته حتى حين يصبح العيش فيه امتحاناً يومياً عسيراً.

تنبع جاذبية الكتاب الأدبية من صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتأملات، واعترافات، وحوار فكري، ونصّ شعري موزع بين صوتين يفتحان جسوراً بين لبنان والمغرب، وبين الشعر والموسيقى والترجمة، وبين التراث والحداثة، والحوار الديني والتجربة الصوفية، والعيش المشترك والعبور بين الثقافات. قيمته في جعله الفكر يحدث أمامنا كتجربة حيّة لا تنتهي عند صفحاته الأخيرة. ذلك أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يصمت كاتبا الرسائل، ويتركان للقارئ فسحةً يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بالحياة اتصالاً عميقاً، وأنها إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها صياغة علاقته بذاته، وبالآخر، وبالماضي؛ متجذّراً في ما وراءه، وممتدّاً نحو ما ينتظره، وساعياً إلى آفاق فكرية لا حدَّ لها.

* كاتبة لبنانية


حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة
TT

حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

في هذا الكتاب، يتتبع المؤلف عدداً من الكتب لمؤلفين عالميين خضعت لسلطة الرقابة، لكنه يميّز بين تلك الأعمال التي مُنعت فعلاً لأسباب رقابية، وليست المؤلفات التي حاولت الاستفادة من مفهوم الرقابة في الترويج والانتشار. وقبل ذلك، يحاول تتبع مفهوم «منع الكتاب»، كما يسعى لتفكيك ظاهرة المنع نفسها، وإعادة قراءتها في صورة أشمل لمفهوم «سلطة الرقابة» التي تتعدى الجهات الرسمية إلى منظومة واسعة تساهم في غياب/تغييب الكتاب، وتشمل مشكلات التوزيع، أو رفض الناشرين، أو الشائعات التي تحيط بالكتاب أو الكاتب وتضعه في القائمة السوداء.

والكتاب لا يهدف إلى الترويج لكتب لمجرد أنه تمّ منعها، بل يسعى إلى فهم ما تخشاه السلطات من الكلمة، وتتبع رحلة النص والمعركة المقامة حوله، رصداً للمسافة الفاصلة بين اليد التي حاولت إبعاد الكتاب واليد التي أعادته إلى الرف.

مفهوم «منع الكتب»

يستهل الكاتب تمهيده بسرد تجربته الشخصية مع الكتب والأشرطة المحظورة منذ الصغر؛ حيث كان لوصم العمل بكلمة «ممنوع» جاذبية خاصة تدفع القراء لاكتشاف المستور واختبار الحدود، بدءاً من كتب الثقافة الجنسية المتداولة سرّاً، مروراً بأشعار نزار قباني، وصولاً إلى استنساخ الكتب النادرة والأشرطة الصوتية في المرحلة الجامعية.

يتساءل الكاتب: ماذا نعني حين نقول إن كتاباً ما «ممنوع»؟ وهو يميز بين الحظر القانوني والإداري، والمصادرة، والمنع من التوزيع أو العرض، والرقابة السابقة على النشر، والمحاكمة، والاستبعاد من المناهج والمكتبات، والضغط غير المعلن. ويدعو لضبط مفهوم الرقابة.

ويوضح أن للمنع حكايتين: حكاية النص وأفكاره، وهي تتصل باللغة والشخصيات والأفكار والظروف التي وُلد فيها العمل. وحكاية ما جرى له بعد النشر، حين يصل الكتاب إلى قارئ، أو رقيب، أو قاضٍ، أو موظف جمارك، فيقرأ فيه شيئاً يراه خطراً أو خروجاً على المألوف.

لكنه يؤكد أن المنع ليس «شهادة جودة» للأعمال الضعيفة، بل واقعة تاريخية واجتماعية. فقد تصنع الرقابة ضجة حول نص عابر، مثلما قد تدفع عملاً مهماً إلى العزلة والنسيان.

وهو هنا يبحث عن حياة الكتاب بعد المنع، ويتناول الأثر المترتب على الحظر؛ فقد يندثر الكتاب أو يكتسب انتشاراً أوسع وترجمات متعددة، مع مراعاة أن قيمة النص تتجلى في جوهره لا في قرار رقيبه.

وفي محاولة لفصل الكتب الممنوعة بقرار فعلي، والأخرى التي بنت سمعتها على إشاعة المنع، يشير إبراهيم زولي إلى أن كل فصل في هذا الكتاب يعتمد على تتبع ولادة العمل، ووثائقه الرقابية، واللغة المستخدمة في حظره، مع إدراج بطاقة توثيقية دقيقة للمعلومات والمصادر.

الرقابة كظاهرة عالمية

يقول مؤلف الكتاب إن الرقابة لا تقتصر على ثقافة أو نظام معين؛ بل تتجاور الحالات العربية مع نظيراتها العالمية لتسليط الضوء على الخوف المشترك من أثر الكلمة وحرية التعبير. فقد «أظهرت النماذج العربية والعالمية أن الرقابة لا تنتمي إلى ثقافة بعينها، ولا تختفي لمجرد أن دولة ما تصف نفسها بالديمقراطية أو الحداثة».

والرقابة برأي المؤلف «تتغير درجاتها وأدواتها، ويتفاوت العنف المصاحب لها، لكن الرغبة في احتكار المعنى تتكرر كلما شعرت مؤسسة بأن كتاباً يربك صورتها عن نفسها». وقد تكون المؤسسة هنا «دولة، أو محكمة، أو هيئة دينية، أو إدارة تعليمية، أو جماعة ضغط. وفي كل مرة يُختزل النص في تهمة واحدة، مع أن الأدب الجيد يرفض بطبيعته أن يُحبس في خانة واحدة».

وهو يشير إلى أن الوسائط الرقمية لم تلغِ الرقابة، بل غيرت أدواتها، ليتحول الحجب من الرفوف الخشبية إلى المنصات والمتاجر الإلكترونية.

لكنه يتوقف أيضاً عن مفهوم «الرقابة الذاتية»، ويعتبرها أكثر الأشكال مراوغة. «حين يستبق الكاتب العقوبة فيحذف الجملة قبل أن يكتبها، أو يتجنب ناشر كتاباً لا لأنه ضعيف، بل لأنه مكلف»، هنا «لا يبقى في الأرشيف قرار يمكن الاعتراض عليه. يبقى فقط نص ناقص، أو مخطوط لم ير النور، أو بياض لا يعرف القارئ ما الذي كان يمكن أن يشغله».

ومن الظريف هنا، سرد ما يقوله الرقيب عن نفسه، فكل قرار حظر يكتب، من حيث لا يريد صاحبه، سيرة مختصرة للجهة التي أصدرته. اللغة المستخدمة في التبرير تكشف حدودها أكثر مما تصف الكتاب: «حماية الأخلاق»، «صيانة العقيدة»، «حفظ الأمن»، «منع الفتنة»، «رعاية القاصرين». عبارات تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها تخبئ تصوراً كاملاً للمجتمع: قارئ يُعامل بوصفه هشاً، وحقيقة يُفترض أنها لا تحتمل السؤال، وسلطة ترى أن من واجبها أن تختار للناس ما يقرأون قبل أن يختاروا بأنفسهم.

يتكون كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، من تمهيد وقسمين رئيسيين ينقسمان إلى تسعة فصول وخاتمة، ابتدأها بالقائمة العربية، وضمت أربعة فصول تتناول أعمالاً أدبية وفكرية عربية تعرضت للحظر والمنع، حيث تناول الفصل الأول، ثلاثة أعمال هي: رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة (شهادة من سجن تدمر)، ورواية «اللايقين» لمحمد الغزالي (الحرية حين تفقد المسلمات سلطتها)، وكتاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد (حين انتقلت القراءة إلى المحكمة).

والفصل الثاني، تناول كتاب «الحرب القذرة» لحبيب سويدية (شهادة من قلب الجيش الجزائري)، والمجموعة القصصية «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي (الكتاب الذي حوكمت بسببه)، ودراسة «الحريم السياسي: النبي والنساء لفاطمة المرنيسي». أما الفصل الثالث، فيتناول رواية «العشّاق» لرشاد أبو شاور (رواية المخيم والمقاومة)، ورواية «الجنقو مسامير الأرض» لعبد العزيز بركة ساكن، وكتاب تاريخ الكويت لعبد العزيز الرشيد (الذاكرة المحتجزة).

ويتناول الفصل الرابع ديوان الأوزان الباكية لثريا قابل، ورواية/شهادة كريستال لجلبار نقاش، ورواية «دادابا» لحسن مطلك، وأثر كتاب «ألف ليلة وليلة» (الكتاب الذي ألهم أهم كُتّاب السرد في العالم).

القسم الثاني من الكتاب، فضمّ القائمة الأجنبية، ويضم خمسة فصول تتناول أعمالاً عالمية ممنوعة من مختلف الثقافات والدول، إذ يتناول الفصل الأول رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل (إنجلترا)، وديوان «أزهار الشر» لشارل بودلير (فرنسا)، ورواية «شيفرة دافنشي» لدان براون (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الثاني رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي (روسيا)، وكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر (ألمانيا)، ورواية «فهرنهايت 451» لراي برادبري (الولايات المتحدة)، أما الفصل الثالث فيتناول كتاب «إميل» لجان جاك روسو (فكر تربوي - فرنسا)، ورواية «إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي (الهند)، ورواية «مدار السرطان» لهنري ميلر (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الرابع كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» لإدواردو غاليانو (التاريخ كما يُرى من موضع الجرح)، ورواية «تويجات الدم» لنغوغي واثيونغو (الصدام ثابت والحظر غير موثق)، وقصيدة «عواء» لألين غينسبيرغ (القصيدة التي دخلت المحكمة وخرجت أوسع من قفصها). ويتناول الفصل الخامس رواية «السيد الرئيس» لميغيل أنخل أستورياس (الديكتاتور الذي لا يحتاج إلى الظهور)، ورواية «بيت الأرواح» لإيزابيل الليندي (حين يصبح البيت ذاكرة بلد)، ورواية «الجذور» لأليكس هالي (الاسم الذي قاوم محو العبودية).